قطع رأس يوحنا المعمدان ورعاة اليوم

اﻷب أنطوان ملكي

كان النبي يوحنا المعمدان يعمّد في عبر اﻷردن (يوحنا 28:1). وكان قد خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (متى 5:3-6) حتّى أثار خوف الفريسيين والعشارين. وكان هِيرُودُسَ يَهَابُ يُوحَنَّا عَالِمًا أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ، وَكَانَ يَحْفَظُهُ. وَإِذْ سَمِعَهُ، فَعَلَ كَثِيرًا، وَسَمِعَهُ بِسُرُورٍ” (مرقس 20:6).

إذاً، بمقاييس زماننا، كان النبي يوحنا المعمدان في وضع ممتاز. “الشغل ماشيبشكل جيد ﻷن كثيرين يأتون ويعتمدون. زعماء العالم، ممثَلين بهيرودوس، يهابونه ويعملون بمشورته. الفريسيون والعشارون يخافونه أيضاً وهو قادر على إسكات مرسليهم (يوحنا 18:1-19). إذاً، كل شيء جيد. لو أردنا أن نضعه بصورة معاصرة، فهو إكليريكي، كنيسته دائماً ملأى بالمصلّين، وهو في سلام مع الزعماء ومع اﻹكليريكيين اﻵخرين، فماذا ينقصه؟ بإمكانه أن يكون إكليريكي البلاط بشكل رسمي ﻷن الزعيم يهابه ويسمعه بسرور.

بدأت المشكلة، كما تخبرنا اﻷناجيل، حين أراد هيرودس الملك أن يتزوّج امرأة أخيه، فيما أخوه لم يزل حياً. هذا مخالف للشريعة وبالتالي لم يرضِ يوحنا المعمدان. فكان يقول لهيرودس: «لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ» (مرقس 18:6). هذا الموقف الواضح والشجاع والملتزم بالشريعة جعله في مواجهة مع الملك الذي كان مستعداً على التضحية بالكثير من أجل نزواته وكبريائه، حتى أنه في النهاية قطع رأس النبي لهذه اﻷسباب. هذه الحقيقة كان يعرفها النبي، ومع هذا لم يساوم ولم يتراجع ولم يظبّطها“. كان يعرف أن مواجهة الملك سوف تبعِد الكثيرين عنه. وكان يعرف أن مواجهة الملك سوف تعطي الفريسيين الذين سمّاهم أبناء اﻷفاعيأفضلية عليه عند الشعب العادي ﻷنهم ليسوا مضطَهَدين، وبالتالي سوف يظهرون وكأنهم على حق، أو قد يراهم الشعب كذلك. كان يعرف أن الفريسيين والعشارين سوف يباركون للملك زواجه غير الشرعي ﻷنهم سوف ينبشون في اﻵيات والناموس حتى يجدوا آية أو جملة أو جزءاً من الجملة يبنون عليه مباركتهم للملك. كل هذا لم يُثنِ المعمدان عن قول الحق، فكان له إكليل الشهادة.

هنا يقفز سيل من اﻷسئلة إلى رأس اﻹنسان: أين إكليروس اليوم من النبي يوحنا المعمدان؟ كم واحد منهم مستعد أن يخاطر بأن ينقص عدد مرتاديكنيسته لأنه يتمسّك بالحق؟ كم واحد منهم مستعد أن يقول للزعيم أنه ليس على حق، فيكسب غضبه وغضب اتباعه؟ كم واحد منهم، من كل الرتب، مستعد أن يقول للملك أنه ليس لك أن تأخذ الشرعية ﻷفعالك متى كانت غير شرعية؟ كم واحد منهم مستعد للدخول في مواجهة، ليس مع الملك، بل مع أي من أبناء رعيته أو من الكهنة اﻵخرين أو من الرؤساء، لتمسّكه بالحق والتقليد؟

ولتكون هذه اﻷسئلة أكثر وضوحاً: كم واحد منهم مستعد أن يمنع المناولة عن غني أو زعيم يعرف أنه حاقد على أخيه، أو قد اغتصب مال أخيه؟ كم واحد منهم مستعد أن يغضب غنياً برفضه العراب الذي اختاره الغني لابنه؟ كم واحد منهم مستعد أن يمتنع عن المشاركة بإكليل ﻷنه مخالف للتقليد بعدة أوجه، كالتوقيت أو طائفة العروس أو غيره؟ كم واحد منهم مستعد أن يقول لمطرانه أو لبطريركه أخطأت في هذا أو في ذاك، بدلاً من أن يأخذ خطأ رئيسه الذي قد يكون ارتكبه بالتدبير ليجعل منه قانوناً يدافع فيه عن كل الخروقات اﻷخرى التي يحللها لنفسه؟ كم واحد منهم مستعد أن يلتزم حدود التدبير ويعرف أنه مطالب بالدقة، أما التدبير فهو لرئيسه؟

إن صورة النبي يوحنا المعمدان في السجن هي صورة المعترفين، صورة الشهداء اﻷحياء الذين طالما سندوا الكنيسة في كل العصور. هيرودس موجود في كل زمان، وهيروديا متوثبة في كل زمان، وسالومة ترقص في كل زمان. سالومة صارت أكاديمية رقص في زماننا وهي تؤدّي في الكثير من الكنائس. سالومة ترقص في أغلب أعراسنا، وتتمايل في أغلب عماداتنا، وهيروديا تأمر في الكثير من سياماتنا وتصدر اﻷحكام في محاكمنا الروحية”. ضيوف هيرودس قائمون في أغلب مناسباتنا نجلسهم في الصفوف اﻷولى من كنائسنا، وأحياناً في كراسي رؤسائنا. كل مقوّمات صورة قطع رأس يوحنا المعمدان موجودة. لهذا في كل مناسبة يُقطَع رأسه. في كل مناسبة يتألّم مخلِصٌ ما. في كل مرة يُتَّهَم مدافع عن التقليد بأنه متزمّت أو من القرون الوسطى يُقطَع رأس يوحنا جديد. في كلّ مرّة يُغَضّ النظر عن مخالفة، أو يُناول فيها غير أرثوذكسي، أو يتحكّم الفيديو بمسار إكليل، أو يرفَع طفل من جرن معمودية ليُحمَل على ذراعي عرّاب غير أرثوذكسي، يُقطَع رأس يوحنا جديد.

أمّا الوحيد الذي نفتقده في هذا الزمان فهو نبي مثل يوحنا المعمدان.