إيديولوجيا الرأسمالية

إيديولوجيا الرأسمالية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

يسيطر على البشريّة اليوم شكلان من أساليب الحياة، وقد تحوّلا إلى إيديولجيا، وهما الفردانية الغربية والجَماعية الشرقية. يسيطر في الفردانية الغربية، المعروفة بالليبرالية، حرية شخصية لا لجام لها، مصحوبة بالمنافسة التي هي عامل يؤذي المجتمع برمّته. في الجَماعية الشرقية، تسيطر هيمنة الدولة التي تقوّض حرية الأفراد. في الحالتين، الإنسان مهمَلٌ كشخص، كما أن النظرة للمجتمع ليست كما إلى مجتمع أشخاص.
يظهر هذان النظامان المعيشيان والنموذجان الإيديولوجيان في الحقيقة المجتَمَعية. تسيطر الليبرالية في الغرب ومركزها الولايات المتحدة، مَكّة العولمة، بينما ظهرت الجَماعية في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق كما في بلدان الشرق الأقصى بشكل عام.
في كلا المكانين لرأس المال مكان بارز، فيما الفرق هو في مَن يملكه ومَن يديره. في الليبرالية، ينتهي الرأسمال بين الأقلية ويتحرّك، غالباً من دون قيود، بحسب مبدأ الضبط الذاتي للسوق. في الجَماعية – الشيوعية، تضبط الدولة رأس المال. في الحالتين، إنسان الطبقة الوسطى يذهب ضحية، والفرق هو في أنّه ضحية إمّا لتحكّم قلّة من ملوك المال الأغنياء أو لدولة نهِمة. هذا يعني أنّ ليس للرأسمالية إلا وجه قاسي الفؤاد تظهره.
هذه النظرة خليقة الفردانية الغربية وبخاصّة الأخلاقية البروتستانتية، كما يشير ماكس ويبر، وهي تطمح إلى مراكمة المال عند قلّة من الناس، بينما الماركسية التي انطلقت من أفكار كارل ماركس، هي مجرّد ردّة فعل على الرأسمالية وهي تهتمّ بكلّ المجتمع. مع هذا، في العمق، هذان النظامان هما وليدا الماورائية الغربية، على اعتبار أنّ ماركس كان يهودياً ألمانياً نشأ في الغرب، بينما نظرياته التي وُلِدَت في “الفلك” الغربي قد نُقلَت إلى الشرق لتحقيقها، حيث تواجدت الأرثوذكسية ذات المبادئ القائمة على الملكية المشتركة والاستفادة الجماعية.
نشهد في أيامنا انهيار هذين النظامين، ومعهما إيديولوجيتيهما. في الفترة بين 1989 و1991، انهارت الجماعية – الشيوعية في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق حيث سيطرت الدولة على حياة الناس الاجتماعية والمالية، واليوم نشهد انهيار الليبرالية القائمة على عقليّة “السوق الحرّة” و”الضبط الذاتي للأسواق” التي تسبّب الأذى للمجتمع كّله. طبعاً تنبغي الإشارة إلى عدم جواز اعتبار إفلاس الشيوعية تبريراً للرأسمالية، كما أن انهيار الرأسمالية لا يمكن عزوه إلى الشيوعية. الحالتان هما إخفاق للإيديولوجيا الرأسمالية التي لا تقيم أيّ احترام لفقر الشعب.
في مطلق الأحوال، كلا النظامان مضادان للتعليم الأرثوذكسي في شكله الكامل، إذ لا الليبرالية ولا الماركسية، كإيديولوجيا ونظريات عن العالم، يمكن قبولهما في التقليد الأرثوذكسي حيث يُستَفاض في التحذير من شهوة الجشع، كما في الدعوة إلى اختبار محبة الآخرين، بخاصة المتألّمين. هذه التوافقية بين الحرية والمحبة تحلّ المشكلة برمّتها، على أساس أنّ حرية الإنسان من دون عامل المحبة تقود إلى التحرر غير المضبوط، كما أنّ المحبة التي تنقصها الحرية تُنتِج جماعية منحرفة. هنا لا بدّ أن أعترف بكلّ أسف، أنّ عقلية النظام الرأسمالي بشكليه، الفرداني أو المضبوط من الدولة، أثّرت في حالات كثيرة وما زالت تؤثّر في حياة بعض المجموعات الأرثوذكسية… حيث بدل أن تكون هذه المجموعات نماذج للعيش المشترك وإحياءً للجماعة الأصلية في أورشليم، نراها بالمقابل تعمل بحسب النموذج الرأسمالي المعاصر حتى يمكن الكلام عن “رأسمالية أرثوذكسية”…
علينا أن نفهم أنّ ليس كلّ ما هو قانوني هو بالضرورة أخلاقي، كما أنّ ليس كلّ ما هو أخلاقي، بحسب قوانين الأخلاق الاجتماعية، هو بالضرورة أرثوذكسي، من منظار أنّ الأخلاق الأرثوذكسية الإنجيلية هي نسكية بطبيعتها وبالتالي تختلف عن الأخلاقيات العالمية. لا ينبغي أن نكتفي بإدانة تكديس الثروات المادية الذي يقوم به بعض الأشخاص، بل علينا أن ندين أيضاً تكديس الماديات الذي تقوم به “الجماعات الكنسية” بهدف الظهور، وأن نخزي مشاركة الأشخاص والجماعات الكنسية في ألعاب النظام الرأسمالي والسوق الليبرالية.
نحن المسيحيون، بخاصة الإكليروس والرهبان، علينا أن نظهِر بالممارسة ما نؤمن به ونعلّمه، وإلاّ نكون مخادعين ومنافقين. علينا أن نتّقي إغراء أن تتملّكنا إيديولوجيا “الرأسمالية المسيحية”.

Leave a comment