الحديث عن الشيطان

توماس شو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

قبل عقدين من الزمن، وكنت أرثوذكسياً يافعاً، تسنّى لي أن أستمع للأب ألكسندر شميمن. أنا لا أتذكّّر بوضوح موضوع حديثه، لكن جملة واحدة ما زالت ترنّ في أذنيّ: “ما يفاجئني في الحركة المسكونية هي أنه في ما هم يناقشون مشروع توحيد الكنائس العظيم، لا يزال الأرثوذكس يتحدّثون عن الشيطان“.

ما زالت الأرثوذكسية تتحدّث عن الشيطان لأننا ما زلنا نرى تأثيره على الحضارة حولنا وما زلنا نختبر حربه على الكنيسة. ولأننا منخرطون في هذه الحرب غير المنظورة، فإن اللاهوت الأرثوذكسي هو دوماً ديناميكي (مفعَم بالحيوية). على كل جيل أن يكتشف حقائق التقليد المقدس من جديد، وفي سياق عملية الاكتشاف هذه يوجد فهم مختلف لفحوى التقليد. هذه الديناميكية لطالما أظهرت في الكنيسة لاهوتيين مثيرين للجدل، هو أولئك الذين يتخطون الصياغات الآمنة ويحاولون إعادة صياغة التقليد مستعملين علامات إرشادية (guideposts) غير مألوفة.

أحد هؤلاء اللاهوتيين هو الأب يوحنا رومانيدس. على عكس العمل الاختصاصي الصغير المنتشر اليوم، فإن عمله يقدّم أطروحة موحّدة بقوة يطبقها على مساحات واسعة من الزمان والمكان. البعض يرفضون جرأته معتبرين إياها تبسيطية وعقائدية بشكل مفرط…

بنظر الكثيرين، الأب رومانيدس هو الأستاذ الشارد. كنيته في كلية الصليب المقدس كانت نصف الليل، لأنه ينسى ما حوله عندما تبدأ المحاضرة. كل محاضراته تبدأ بالطريقة نفسها، جالساً متكلماً بصوت ناعم بالكاد يُسمَع، غالباً ما يبدأ بالفكرة من وسطها وكأن المحاضرة كانت قد بدأت في رأسه قبل الصف، ومع ارتفاع حرارة موضوعه يزداد علو صوته ولمعان عينيه. قد يهدأ في بعض الأوقات ويبدو كأنه نكس رأسه لفترات قصيرة. قاعات محاضراته كانت دوماً مكتظة لأنه دائماً كان لديه ما يقدمه. قد يبدو غريباً أن محاضراته بدت دوماً وكأنها في التاريخ مع أن اختصاصه كان العقائد. تفاصيل مجريات الأمور في القرنين التاسع والعاشر في أيطاليا وفرنسا، أو حيثيات فرنسا وروسيا في القرن الثامن عشر، لطالما كانت موجودة في المحاضرات. كثيرون انتقدوه لهذا السبب، لكنه في النهاية لم يكن عالم تاريخ متمرّساً، بل ﻻهوتياً في الآبائيات، علّم أن من غير الممكن فهم الآباء من دون فهم تاريخهم.

أطروحة الأب رومانيدس شاملة: هدف الكنيسة هو شفاء الإنسان من المرض الروحي الذي جلبه السقوط وتأهيله لمعرفة الله. يتميّز مرض الإنسان بالسعي إلى السعادة. الأطروحة الثانوية هي أن المجادلات العقائدية عِبر التاريخ سببها أولئك الذين لا يفهمون عمل الكنيسة كمشفى روحي. وعليه، فإن الفرق الحقيقي عن الغرب هو أنه خسر هذا الفهم لأن المؤسسات الكنسية الغربية اُخضِعَت للسلطات السياسية وتحوّلت إلى مؤسسات سياسية هدفا سعادة الإنسان بدلاً من تمجيده، وغفران الخطايا بدلاً من التطهر.

هذه هي الأطروحة المثيرة للجدل. من المقبول في الدوائر المسكونية أن يُفَسَّر الانشقاق بين الشرق والغرب بأنه ثقافي. بحسب هذا المفهوم، فإن كنيسة الغرب الرومانية، المتكلّمة باللاتينية، وكنيسة الشرق البيزنطية المتكلّمة باليونانية، تغرّبتا بسبب عوامل ثقافية وسياسية. أمّا العناصر الأساسية للكنيسة غير المنقسمةفقد بقيت نفسها في الشرق والغرب معاً. وعليه فإن مهمة اللاهوت المسكوني هي استعادة هذا الفهم المشترك.

تهاجم اطروحة رومانيدس هذه المفاهيم. لم يكن هناك يوماً امبراطورية بيزنطيةبل هذه كانت اختراعاً من عمل مؤرخي الغرب في القرن الثامن عشر. المؤسسات الرومية السياسية بقيت سليمة منذ إنشاء روما الجديدة أي القسطنطينية في القرن الرابع إلى سقوطها في القرن الرابع عشر. لهذا، يخبر رومانيدس قصة مختلفة، غير قصة الشرق اليوناني والغرب اللاتيني، بل قصة الروم والفرنج. ليست قصته هي عن شعب ينفصل بل عن الروم في جهادهم لتثبيت حقائق الأرثوذكسية حتّى عند مواجهتهم لمعارضة مستحيلة. يفهم رومانيدس القرون العصيبة التي قادت إلى الانشقاق والحملات الصليبية على أنها إخضاع للشعب الرومي في الغرب للأسياد الفرنج الذين بالنتيجة استطاعوا أن يُخضِعوا حتّى البابوية نفسها لمشروعهم الإقطاعي.

إن حقيقة هذه الأطروحة موجودة في اللغة الإنكليزية. من الأمثلة “franchise” التي تعني أن يكون الإنسان قادراً على الانتخاب، هي في الأصل أن يكون له حقوق الإفرنجي. “villain” تعني الإنسان الشرير، وفي الأصل هي ساكن المدينة الروماني. ليست الامبراطورية الرومية في الشرق هي مَن تغرَّبَت عن جذورها وتقاليدها، بل الامبراطورية الرومانية في الشرق التي تمّ استبدالها بالإقطاعية. وعليه، فيما يناقش اللاهوتيون الآخرون مشروع توحيد الكنائس يستمر رومانيدس في الكلام عن الشيطان.

أطروحة رومانيدس هي قصة هذه الحرب المنظورة وغير المنظورة. إنها قصة الأسر البابلي للكنيسة في الغرب والتهديد لنا كأرثوذكسيين بأننا إن لم نفهم تاريخنا وتراثنا وتقليدنا المقدس بالشكل الصحيح. إذا سمحنا بأن تكون الكنيسة الأرثوذكسية ببساطة مجرد مؤسسة ثقافية أخرى بكل طقوسها وممارساتها المتميزة، فنحن نلعب لعبة الشيطان ونخضِع أنفسنا لأسيادنا مستسلمين.

بسبب الجدال حول أطروحته الثانية يفقد الكثيرون مسار أطروحته الأولى. فبتعبيره هو: “نحن ملزمون بأن يكون عندنا صورة واضحة عن الإطار الذي فيه رأت الكنيسة والدولة مساهمةَ الممجدين في شفاء مرض الدين الذي يشوّه الشخصية الإنسانية عن طريق بحثها عن السعادة في هذه الحياة وبعد موت الجسد. إن الامبراطورية الرومانية دمجت الكنيسة الأرثوذكسية في بنيتها الإدارية من خلال هذا الإطار. لا الكنيسة ولا الدولة رأت أن مهمة الكنيسة هي غفران خطايا المؤمنين وحسب، لكي يدخلوا إلى الملكوت في الحياة الثانية… كلا الكنيسة والدولة عرفتا جيداً أن غفران الخطايا كان بداية الشفاء من مرض السعي إلى السعادة الذي تعانيه البشرية. يبدأ الشفاء بتطهير القلب، ويصل إلى استعادة القلب لحالته الطبيعية من الاستنارة، ويبدأ الشخص كلّه بأن يكون كاملاً متخطياً قدراته الطبيعية بتمجيد جسده بمجد الله غير المخلوق. إن ثمرة هذا الشفاء والكمال لم تكن التهيئة المناسبة للحياة بعد موت الجسد، بل أيضاً تحول المجتمع الآن وهنا من تراكم أفراد أنانيين متمحورين حول ذواتهم إلى مجتمع من الأشخاص الذين عندهم المحبة التي تنكر الذات ولا تطلب شيئاً لذاتها“.