من تداعيات لقاء كريت – تابع

إعداد الأب أنطوان ملكي

في الثالث من آذار الماضي 2017، أرسل المتقدم في الكهنة ثيوذوروس ذيسيس رسالة إلى السيد أنثيموس، مطران تسالونيكي، يعلِمه فيها بأنه ابتداءً من أحد الأرثوذكسية، الواقع في الخامس من آذار، سوف يتوقّف عن رفع اسمه في القداس. هذه الرسالة من النتائج المباشرة للقاء كريت في حزيران 2016.

الأب ثيوذوروس ذيسيس هو أستاذ شرف (Emeritus) في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي، كاتب غزير ومدافع عن الأرثوذكسية والتقليد. هو أحد المعترضين بقوة على الخط المسكوني الذي انتهجته البطريركية المسكونية في إعدادها لمجمع كريت، الذي لم يصل إلى استحقاق تسمية المجمع، لأسباب عديدة متعلقة بتركيبته وإدارته والحضور المشارك ونتائجه.

تبدأ الرسالة المطوّلة التي أرسلها الأب ثيوذوروس، بإعلام المطران قرار الكاهن، محدداً السبب بأنهّ اتّباع التقليد الرسولي والآبائي المتعلّق بالشركة مع الهراطقة والذي أظهر أن مطران تسالونيكي وغيره كثيرين من المطارنة تخلّوا عن التقليد المقدّس وانحرفوا عن طريق الآباء. ويشدد الأب ثيوذوروس على أنه في إطار الليتورجيا يدين المسكونية مسمياً إياها بالهرطقة الجامعة ويرفض المجمع المزيّف في كريت الذي اعترف بالهرطقات على أنها كنائس وأكّد النهج المسكوني التوفيقي المدمّر.

ومن ثمّ يفنّد الأب ثيوذوروس أسباب موقفه فيبدأ بإظهار الشبه بين المسكونية والحرب على الأيقونات ليستنتج بأن الأولى أسوأ من الأخيرة، وهذا واضح من ارتباط العمل المسكوني بالبروتستانت الذين يرفضون الأيقونات ويذمّون والدة الإله وغيرها من القديسين. وفي هذا إساءة إلى الكنيسة الأرثوذكسية خاصةً في مساواتها بالبدع البروتسانتية التي تُسمّى كنائساً.

النقطة الثانية التي يتساءل حولها هي سبب قبول المسكونية التي لطالما كانت مرفوضة، وما تزال، لدى الكثيرين من الأرثوذكسيين، وخاصةً الذين أُعلنَت قداستهم. ويشير هنا إلى بيان رفض المسكونية الذي نشره تجمّع الإكليريكيين والرهبان في 2009 ووقعه الآلاف من المطارنة والكهنة والرهبان من مختلف الكنائس الأرثوذكسية في العالم (ما عدا أنطاكية)، والذي تضمّن الدعوة إلى الخروج من مجلس الكنائس العالمي، والتشديد على أن الكثلكة هي رحم الهرطقات والانحرافات، وأن البروتستانتية ورثت ما للكثلكة وأضافت إليه. كما يرد أن الوسيلة الوحيدة لاستعادة الشركة هي في عودة الغرب عن انحرافاته، ويحذر من تمدد العمل المسكوني بين المسيحيين نحو الأديان الأخرى حيث تتساوى المسيحية بغيرها، ويختم بتحميل رؤساء الأرثوذكسية مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة.

من ثم يتساءل الأب ثيوذوروس عن سبب الاستعجال في عقد مؤتمر كريت بالرغم من مختلف الاعتراضات المبدئية والعقائدية والتنظيمية المتأتية من أكثر من طرف. ليستنتج أن المنظمين خافوا على أجندتهم فاستعجلوا واستبدلوا الكثير من التحضيرات التي كانت تتمّ منذ زمن بنصوص أخرى، وبتنظيم لا يترك مجالاً للنقاش والتصحيح، ما أدّى إلى مقاطعة أنطاكية وروسيا وبلغاريا وجورجيا، إضافة إلى موجة اعتراض عارمة في كل من الكنائس التي شاركت، وخاصة كنيسة اليونان.

وعليه فإن محاولة اللقاء إضفاء الشرعية على المسكونية لم تحقق هدفها، خاصةً أن العديد من النشاطات تجري للإضاءة على الخطأ في لقاء كريت.

من هنا أن القراءة للوضع لا توصل إلا إلى ضرورة الامتناع عن رفع أسماء المطارنة الذين شاركوا في اللقاء أو دعموه أو يتبنون أفكاره. فلكي يُرفع اسم المطران يجب أن يكون تعليمه أرثوذكسياً قاطعاً باستقامة كلمة الحق. ولما لم يكن لائقاً الكذب أمام المائدة المقدّسة ولأن هذا لا ينطبق على المطران أنثيموس وجد نفسه الأب ثيوذوروس مضطراً إلى عدم رفع اسمه، مورداً كأمثلة امتناع الجبل المقدس عن ذكر أثيناغوراس عند اتفاقه مع روما ومعهم عدد كبير من مطارنة الأرض الجديدة” (أراضي يونانية تتبع البطريركية المسكونية). ولما كان هذا الأمر ينطبق على المطران أنثيموس فهو يمتد إلى كل أساقفة كنيسة اليونان التي لم تدِن المؤتمر بالرغم من الأصوات المرتفعة التي علَت فيها ضده كمثل أمبروسيوس كالافريتا وييرثيوس نافباكتوس وسيرافيم بيريه وغيرهم.

وختاماً لرسالته يؤكّد الأب ثيوذوروس ذيسيس على أن طبيعة التدبير مؤقتة بينما الدقة في تطبيق القوانين الكنسية هي الثابتة، لهذا يرى أن مطران تسالونيكي يقع تحت أحكام القانون الخامس عشر من المجمع الأول الثاني خاصةً أنه أرسل رسائل إلى الشعب مدافعاً عن المسكونية وعن مؤتمر كريت، وبالتالي فإنه يمتنع عن ذكر اسمه كي لا يظهر أنه موافق على مواقف المطران. وختم مذكراً بموقف أثيناغوراس الذي لم يتّخذ أي موقف معادٍ لآباء الجبل عندما امتنعوا عن رفع اسمه بل تركهم يتابعون ويعلمون ما هم مقتنعون به. واستباقاً لاتهامه بشق الكنيسة، أكّد الأب ثيوذوروس بأنه لن ينضمّ إلى أي من المجموعات المنشقة أو كنائس التقويم القديم، كما أنه لن يذكر أي مطران آخر، على رجاء أن يعود أنثيموس عن ما هو فيه.

آخر جملة في الرسالة هي: “أنا كَراعٍ ومعلّم أدّيت مهمتي. أصلّي أنك كرئيس رعاة سوف تقوم بما ينيرك الله إلى عمله. مع احترامي لرئاستك“.

1- في يوم الإثنين التالي لأحد الأرثوذكسية، في 6 آذار 2017، أصدر المطران أنثيموس قراراً أوقف فيه الأب ثيوذوروس عن الخدمة وجرّده من رتبة المتقدّم ومنعه من الخدمة في أي من كنائس أبرشية تسالونيكي.

الجدير بالذكر أن دقة الأب ثيوذوروس اللاهوتية صعبة المواجهة وبالتالي قد يكون تجريده هو الحل الأكثر إراحة للمطران، خاصة في الأجواء التي تتمدد إلى كل العالم الأرثوذكسي وتظهر في سقوط الكنائس الواحدة تلو الأخرى من الالتزام بالتقليد. هذا الأمر قد يكون معثِراً للكثيرين لكنه نتيجة طبيعية للاستنساب في تطبيق القوانين الكنسية والتعاطي مع القوانين بروح دهرية لا كأنها علاجات فرضها سقوط الإنسان. والأخطر في هذا، أن تخلّي الأرثوذكسيين عن النهج التقليدي يضرّ بهم كما بغيرهم من المسيحيين، إذ إن انخراط الأرثوذكس في الممارسات المسكونية وخاصةً الصلوات المشتركة من دون أي تقدم لاهوتي فعلي يتجلّى بتراجع الغربيين عن ابتداعاتهم، سوف يخفي النموذج المطلوب من الأرثوذكسي إظهاره لغير الأرثوذكسي. فالكلام عن التقليد يبقى في إطار العواطف ما لم يتمكّن الإنسان الغربي من رؤيته.

ما يؤكّد أهمية هذا النموذج هو تكاثر حالات التحوّل من الغرب إلى الأرثوذكسية عند معاينتها لهذا النموذج التقليدي في عصرنا. يمكن تعداد الكثير من الأسماء المهمّة في الأرثوذكسية من المطران كاليستوس وير إلى جان كلود لارشيه إلى المئات من الرهبان في جبل أثوس، إلى الرهبان والراهبات الذين يملؤون الأديار التي تتضاعف أعدادها في مختلف أنحاء أوروبا وأميركا حتّى يمكن القول بأن الأرثوذكسية في حال صعود (ما عدا في بلادنا) بسبب تزايد أعداد المتحولين إليها، والذين يأخذون المُلك الذي يتخلّى عنه الذين ورثوه.

إن تفضيل التدبير على الدقة، والانقياد للعواطف البشرية والرضوخ للضغوط السياسية والانخراط في التيارات الدهرية تهدد الأرثوذكسية، خاصةً إذا ما وُجِد مَن يعرِف تماماً كيف يستغلّ تفاعل هذه العوامل مع بعضها، وهو موجود.

2- هنا لافت للنظر مقارنة موقف البطريرك أثيناغوراس، الذي لم يتّخذ أي موقف معادٍ لآباء جبل أثوس عندما امتنعوا عن رفع اسمه بل تركهم يتابعون ويعلمون ما هم مقتنعون به، بالبطريرك الحالي برثلماوس الذي أبلغ كل الأساقيط والقلالي التي فيها رهبان يمتنعون عن ذكر اسمه بوجوب إخلائها مباشرة أو العودة عن قرارهم. لم يضع مجلس إدارة الجبل المقدس هذا القرار موضع التنفيذ.