اتّضاع كاهن

اتّضاع كاهن

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده، الكورة

 

بدأت الخلافات الزوجيّة في الأسرة، واستمرّت سنوات لأسباب كثيرة خلقت اضطراباً جعل جوّ البيت يتوتّر، خاصّة وإنّ الزوج كان بعيداً عن الكنيسة وعلاقته بالله ليست وطيدة.
كانت الزوجة تشكي همومها لأب اعترافها، فيرشدها للتمسّك بالله، وتلافي أسباب المشاحنات والمشاكل قدر ما تستطيع. أطاعت الزوجة إرشادات الكاهن، ولكنّ هذا لم يمنع المشاكل إذ إن الزوج كان عنيفاً مزعجاً بتهديداته التي لا تنتهي.
أخذ الكاهن الورع يذكر الزوجين في كلّ قدّاس إلهيّ، كما صار يصلّي لهما صلوات خاصّة في بيته مصحوبة بسجدات كثيرة علّ الله يتحنّن على هذا البيت، ويبعد شيطان الغضب والخصام عنه، ويليّن قلب هذا الزوج العاتي. ولكن، وللأسف، استمرّت المشاكل، بل وازدادت أيضاً.
حاولت الزوجة أن تصطحب زوجها إلى الكنيسة لمقابلة الأب الكاهن ولكنّه رفض بإصرار أن يتدخّل أحد في حياته الشخصيّة أو العائليّة. إلى أن كان يوم اتّصل فيه الزوج بزوجته هاتفيّاً، وحدثت مشادّة كلاميّة بينهما، انتهت بأن هدّد الزوج بتأديب زوجته حالما يعود إلى المنزل.
شعرت الزوجة بالخوف والاضطراب، فأرسلت ابنها في الحال يستدعي الكاهن، ليحضر وينقذها من هذا الموقف. ولعلم الكاهن بمشاكل الأسرة ترك ارتباطاته، وأسرع لمساندة الزوجة، وحلّ الخلاف بينها وبين زوجها.
جلست الزوجة تقصّ على الأب ما حدث، فأخذ الكاهن يهدّئ من روعها. وفيما هو يتكلّم دخل الزوج، وفوجئ بالأب أمامه، فاغتاظ جدّاً من زوجته، ورمقها بنظرة مرّة لأنّها استدعت الكاهن، فصاح موبّخاً زوجته إذ تحدّته وأحضرت الأب وقال لها: ما دمت قد فعلت هذا، فلن أجلس دقيقة واحدة في الشقّة، وخرج للحال. فخرج الكاهن وراءه بسرعة. وهنا حدثت مسابقة قد تكون مضحكة للوهلة الأولى بين الزوج والكاهن، ولكنّها في النهاية برهنت كيف ينتصر الحبّ والتواضع ونكران الذات:
أخذ الزوج يسير بخطى واسعة والكاهن يلحقه بنفس الخطى، وكلّما نظر الزوج الكاهن وراءه كان يجدّ السير حتّى صار يركض والكاهن يركض وراءه. استمرّ هذا السباق لدقائق والناس ينظرون بدهشة ويتساءلون ترى لماذا يركض الكاهن بهذه القوة وهو يلهث والعرق يتصبّب من وجهه. إلى أن سمعوا صوت الزوج يهدر قائلاً: ليس من اللاّئق، أيّها الأب المحترم، أن تركض هكذا في الشارع احتراماً لكهنوتك. أمّا الكاهن فلم يردّ جواباً بل استمرّ بالملاحقة مستهيناً بكرامته وصيته.
وعندما عجز الزوج عن إيقاف الملاحقة، خطرت له فكرة للتخلّص من هذا الأب المحبّ، فجلس على رصيف الشارع وهو يضحك ظاّناً بأنّه تغلّب أخيراً على فضول هذا الكاهن المزعج بمحبّته. ولمّا وصل الكاهن إليه قال له الزوج باستهزاء: ها قد جلست هنا، ترى ماذا تستطيع أن تفعل الآن؟ ولكنّه لم يتلقّ جواباً بل فوجئ بالكاهن يجلس إلى جواره على الرصيف. فصاح الرجل: كلا. يا أبانا لا يصحّ، وأنت الكاهن الوقور، أن تجلس هكذا على الطريق كأحد العامّة. فردّ عليه الكاهن باتّضاع وقال له: إن كان معلّمنا وإلهنا يسوع المسيح قد جلس عند أرجل تلاميذه ليغسلها، أفلا أجلس أنا بجوار ابني المهموم والمرهق.
حاول الزوج بكلّ الطرق أن يصرف الكاهن، ولكنّ هذا الأخير أصرّ على الجلوس مع الزوج، وأخذ يكلّمه برقّة ومحبّة جعلتا الزوج يشعر بتفاهته وصغره أمام عظمة هذا الرجل المحبّ المتّضع. كلّمه الكاهن عن محبّة الربّ له، وجعل ينصحه لكي يقيم علاقة مع مخلّصه ولكي يشارك القدسات الإلهيّة التي من شأنها أن تقدّسه وتقدّس حياته وأعماله. لم يستطع الزوج مقاومة كلمات الأب القويّة بالروح، والتي كانت تصدر منه بكلّ هدوء، فاستسلم ووعد الكاهن بالحضور إلى الكنيسة، بل وعده بأن يعود إلى بيته ليصالح زوجته ويحتضن أولاده، ويبدأ حياة جديدة معهم. وهكذا وبمعونة الله واتّضاع هذا الكاهن ورعايته عاد السلام والفرح لهذه الأسرة، وتخلّصت من مشاكلها، بل صارت عضوا عاملاً في الكنيسة.

Leave a comment