ملاحظات حول الشفاعة

إعداد الأب أنطوان ملكي

الشفاعة هي إحدى نقاط الاختلاف بين المسيحيين، وقد تكون نقطة الخلاف الأعمق، وعليه العائق الأكبر أمام أي وحدة بين الأرثوذكس والبروتستانت. فالأرثوذكس والكاثوليك أو الشرقيون قد يختلفون على اعتبار هذا الإنسان قديساً أو ذاك لكنهم ليسوا مختلفين على قبولهم للقداسة وإمكانية الوصول إليها. في المقابل، البروتستانت، في تفسيرهم المجتزأ للكتاب المقدس، لا يميزون بين القداسة والإيمان وبالتالي لا يعود الجهاد أو النسك مبرَراً ولا مطلوباً.

شعبنا الأرثوذكسي يتأثّر بالفكرين المذكورَين أعلاه، الكاثوليكي وسلوكه القانوني الحرفي في تحديد القديسين وصوغ العلاقة معهم على أساس من النفعية القائمة على الخوف، والبروتستانتي في إهمال العلاقة مع القديسين والانتفاخ بأن الإيمان لوحده يخلّص. من هنا تمّ تجميع هذه الملاحظات البسيطة من دون تعقيد لاهوتي.

شفاعة القديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، أي الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء وهم يعملون. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وبأننا نكرم القديسين لأن الله نفسه يكرمهم. لهذا، الشفاعة هي بركة المحبة بين أعضاء الجسد الواحد، الكنيسة، التي هي جسد المسيح الواحد الذي هو رأسه. المسيحيون أعضاء هذا الجسد سواء في هذه الحياة أو في الأخرى. من هنا أنهم يتبادلون المحبة والصلوات والشركة، فالأحياء يصلّون من أجل الراقدين والراقدون يشفعون بالأحياء. هذا هو المعنى الحقيقي لكلام السيد في صلاته إلى الآب: “ليكونوا واحدًا كما نحن“. الوحدة هي وحدة إيمان وصلاة.

من هنا أن الذي يؤمن بالشفاعة ينتفع برابطة المحبة التي بينه وبين القديسين وبينه وبين أرواح أحبابه الراقدين، ويُزاد إلى صلاته صلوات أقوى وأعمق لأجله. أما من ينكر الشفاعة فإنه يخسر هذه الصلة وهذه الصلوات. وعلى هذه النقطة يقول أحد الآباء المعاصرين: “بأي وجه سيقابل منكرو الشفاعة القديسين في الحياة الثانية، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟

إن الإيمان بالشفاعة هو إيمان بسيط غير معقد نلاحظه في كل الذين يحتفلون بأعياد القديسين ويزورون كنائسهم ويطلبون صلواتهم. فالشفاعة تعكس تواضع القلب لأن الذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متواضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله. على العكس، منكر الشفاعة غالباً ما يسأل بانتفاخ: ما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ ما بيني وبين الله أقوى من وساطتهم!! إذا كان بولس الرسول يطلب الصلوات من أجل نفسه (عب18:13) ومن أجل جميع القديسين (أف8:6)، كيف يستطيع مَن يدّعي معرفة الكتاب المقدس رفض الشفاعة، لولا غروره؟

ثم إذا كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجرّبهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة ويضايقهم (أيوب ويوسف الخطيب والسيد وغيرهم). فلماذا لا يقبل بالمقابل صلوات القديسين الشفعاء والملائكة الحارسين وتدخلهم ومساعدتهم للناس؟

أخيراً، بحسب تقليدنا، الشفاعة واقع نعيشه. ليست شفاعة القديسين مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، بل هو واقع شركة معاشة. إنه تاريخ حي على مدى أجيال، يروي الرابطة العجيبة التي بين المؤمنين من منتقلين وأحياء على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا، وبإشفاق حقيقي. حتى أن الكثير من مشاكلنا تُحَل أحيانًا بتَشَفُّعَاتهم فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهماً وتطبيقًا لقول الرسول بولس فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو15:12).

فالشفاعة دليل علي الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء، الكنيسة المجاهدة والكنيسة الغالبة. إنهما يتبادلان الصلاة.

إن رفض شفاعة القديسين ليس مجرد انحراف في التفكير النظري اللاهوتي، بل هو تجاهل للعشرة الطويلة التي يحكي عنها الناس قصصاً كثيرة ويحيون على هذه القصص وما فيها من معجزات عجيبة يشهدون بحدوثها بصلوات القديسين وفي أعيادهم وكنائسهم ومن خلال رفاتهم وذخائرهم. إن رفض الشفاعة هو إنكار للواقع والتاريخ القائمَين على النسك وعلى الجهاد، تهرباً منهما. إن التذرّع بأننا بالإيمان مخلّصون هو إنكار لكل وصايا السيد التي يدعو فيها إلى الصلاة والصوم والجهاد. رفض الشفاعة هو تعلل بعلل الضعف والكسل لتبرير الذات التي بَرَد إيمانها وتبلّد.

Bebis, George. “The Saints of the Orthodox Church” (Greek Orthodox Archdiocese of America, http://www.goarch.org/en/resources/saints/

Reader Christopher Orr. “On the Intercession and Invocation of the Saints”, http://orthodoxinfo.com/inquirers/invocationofsaints.aspx

Ορθόδοξος Συναξαριστής, http://www.saint.gr