الغيرة المقدّسة

الخورية سميرة عوض ملكي

غالباً ما يتحدّث الناس عن الغيرة السلبية النابعة من دوافع أنانية وقد تتراوح بين الحبّ النزيه والحسد الرديء. ولكن ثمّة نوع من الغيرة المقدّسة يتحدّث عنه الكتاب المقدّس، وهذه هي موضوعنا.

إحدى الصعوبات التي يواجهها المؤمن الغيور على الكنيسة أنّ كلامه يُفهَم على أنّه إدانة. فالغيرة المقدّسة عندما تتّقد في قلب المؤمن تكون كالنار تُلهِب. وكثيراً ما يندفع بحماس وبكلّ جهد لأجل الكنيسة ولأجل خلاص الناس. هوذا داود النبي وغيره من الأنبياء تتملكه الكآبة من أجل الخطأة الذين انحرفوا فيقول: “أَهْلَكَتْنِي غَيْرَتِي، لأَنَّ أَعْدَائِي نَسُوا كَلاَمَكَ” (مزمور 139:119). وهذا للأسف قد لا يفهمه حتّى الآباء الروحيون أنفسهم حين يشتكي المؤمن من وضع الكنيسة والقيّمين عليها أو من الإخوة المقرّبين منهم، فينعتونه بالديّان. إن الذي يحبّ الله يريد أن يكون الكلُّ لله، وأنّ الكلّ يخلصون، وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس بقوله: “مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كورنثوس 29:11). وقد يعتبر البعض أنّ الغيرة تنفي الوداعة والتواضع، فهل السيد المسيح، وهو المثال في الوداعة والتواضع، قد فقد هاتين الفضيلتين حين طرد الباعة من الهيكل؟ (أنظر متى 12:21-13)، أو هل كلن الرسول بولس ديّاناً حين احتدّت روحه لرؤيته مدينة أثينا مملوءة أصناماً (أعمال 16:17)؟ أم كيف نفسّر غيرة النبي موسى التي بلغت أن يحطّم لوحَي الوصايا عند رؤيته شعبه قد رفع العجل الذهبي؟ وماذا نقول عن إيليا والأنبياء في العهد القديم والرسل والقديسين في العهد الجديد؟

لكن مما لا شكّ فيه أن الغيرة المقدّسة لا تؤثّر في الناس ما لم تصحبها سيرة صالحة، لأن أفضل دفاع عن وصية الله وتقاليد الكنيسة هي في أن يراها الناس مُعاشةً في المدافعين عنها، وإلا فباطلة هي هذه الغيرة ومعثِرة. الكلام بغيرة عن وصايا الله من دون السيرة الصالحة هي كالجرس الذي يدعو الناس إلى الكنيسة ويبقى هو خارجاً.

يخطئ مَن يتعاطى مع الغيرة المقدسة كتحزّب أو كثورة من أجل الإصلاح، وأنّ هذه الثورة تكون بالشتائم والتوبيخ والخروج عن اللياقة، تماماً كما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي حيث لا ضوابط إلا تلك التي يضعها الإنسان لذاته.

إن هذا النوع من الغيرة يوبخه الرسول يعقوب في قوله: ” وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقّ.ِ لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ. لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ. وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ” (يعقوب 14:3-17).

ليست الغيرة مجرّد كلام، إنها كالنار التي تُنضِج لا كالنار التي تحرِق. إنها بذل، مثلما فعل السيّد من غيرته لخلاص الناس. فهو كان وديعاً ومتواضعاً لكن أيضاً قوياً وشجاعاً. وهكذا يجب أن يكون كلّ مؤمن على صورة سيّده، قوياً في الدفاع عن الإيمان والحق، فالغيرة من الصفات والأسماء الإلهية، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لإِلهٍ آخَرَ، لأَنَّ الرَّبَّ اسْمُهُ غَيُورٌ. إِلهٌ غَيُورٌ هُوَ.” (خروج 13:34).

لقد تذكّر التلاميذ أنه مكتوب غيرة بيتك أكلتني” (يوحنا 17:2) بعد أن صنع الربّ سوطاً من حبال وطرد الجمع من الهيكل. هذه الغيرة دفع ثمنها على الصليب ومات عنها. إنها الغيرة التي فيها الحبُّ والبذل. إنها الغيرة التي تطلبها منّا صورة الله التي فينا، والتي نحقق مثاله في اكتسابها.

* عن نشرة الكرمة