الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم

الأب أنطوان ملكي

هل يمكن الحديث عن الديموقراطية في الكنيسة الأرثوذكسية؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي التوقّف عند المعنى الحقيقي للكلمة. فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين. وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي.”

إذاً واضح أنّ لا مكان للحديث عن الديموقراطية في الكنيسة لأن آلياتها الفعليّة لا تنطبق على الجسم الكنسي البشريالإلهي. أصلاً يظهر هذا الاختلاف من الاسم بحد ذاته. قراطية (Κρατία ، kratia ) في اليونانية تعني حكم. ديمو من ديموس (Δήμος ، Demos) وتعني عامة الناس. في الكنيسة لا نحكي عن حكم ولا عامّة الناس بل عن الخدمة وعن الشعب (Laos، Λαος).

إذاً الديموقراطية معنية أكثر بالطبقية، وتستند أصلاً إلى تصنيف الناس إلى درجات. بينما المثال في الكنيسة هو الثالوث. لهذا يصحّ الكلام عن الشركة. لا مكان للطبقات لأن المفهوم الصحيح هو المواهب. طبعاً هنا تدخل مفاهيم إضافية لا بدّ من التمعّن بتأثيراتها، كالتراتبيّة (hierarchy) والطاعة. تبقى الشركة محفوظة طالما النظر مركّز على المثال، والاستناد هو إلى المواهب لا إلى الطبقات. أمّا متّى اهتزّت الشركة فتتحوّل التراتبية إلى طبقيّة وتصير الطاعة عرضةً للاستغلال.

في الديموقراطية تصدر القرارات بالأكثرية. هذه آلية حوّلتها الصراعات السياسية والفلسفات الحديثة إلى حقّ شبه إلهي. في الكنيسة القرارات تأتي بما يحسن للروح القدس وللجماعة. ولا تقرأ الجماعة الروحَ القدس إلا إذا تكلّم فيها القديسون الذين استناروا وتطهروا. في زمان الرسل، الآلية كانت القرعة.

فالحق في الكنيسة ليس في القانون. بل في الحق الذي هو يسوع المسيح. قوة القانون هي الخطيئة، ولولا الخطيئة لما كان القانون. هذا يظهِر هشاشة كل القوانين.

هناك قوانين للمجلس المليّ ومجالس الأبرشيات ومجالس الرعاية والمجالس التأديبية والمجالس الاقتصادية ويمكن كتابة الكثير غيرها. لكن أين الشركة؟ أين هي هذه المجالس التي قد تؤمّن الحد الأدنى من الشركة؟ في عدم استقبال عامة المؤمنين؟ في الصور التذكارية على موائد الأغنياء فيما الفقراء يعجزون عن إيصال رسالة إلا عبر الفايسبوك؟ في عدم تسلّم الرسائل في البريد المضمون؟ صحيح أن الشركة هي في الكأس الواحدة، لكنها من هناك تمتّد إلى كلّ أوجه الحياة، وإلا فهي تحوّل القداس الإلهي إلى طقس لا شركة فيه.

يعلّم صاحب الغبطة يوحنّا العاشر في الرِّسَالةُ الرِّعَائِيَّةُ الثَّانِيَة” التي أصدرها في عيد رقاد السيدة 2017، أن المطران يُنتَخَبُ في المَجْمَع، وَيَعِيشُ في المَجْمَعِ حَيثُ يُراقِبُ ويُراقَب، وَيُحاكَمُ في المَجْمَعِ مَتى خالَفَ الإيمان.” عدة أسئلة يثيرها هذا التعليم: هل الكلام عن انتخابه في المجمع إلغاء للدور الذي تعطيه القوانين للشعب في تسمية المرشحين؟ ما معنى يعيش في المجمع؟ التقليد والحاجة أنه يعيش في رعيّته ويموت فيها كل يوم. ما معنى أن المجمع يراقبه؟ أليس لرعيته أي دور في المساءلة؟ لماذا يُحاكَم متى خالف الإيمان؟ أليس التمسّك بالكرسي بعد العجز مخالفة للإيمان؟ أليس العيش خارج الأبرشية والتنقّل هنا وهناك أغلب الوقت مخالفة للإيمان؟ أليس الامتناع عن استقبال أبناء الرعية مخالفة للإيمان؟ أليس التفرّد والتسلّط والبطش مخالفة للإيمان؟ هذا التعليم بحاجة إلى توضيح وإلى ربطه بأمثلة. الخطر كبير في أخذ هذا الكلام كتفويض لفصل الشعب وحتّى الإكليروس عن المطارنة. مجمعٌ بكنائس فارغة أو شبه فارغة هو شركة توصية بسيطة لا شراكة فيها.

إن في تقليدنا الكثير مما نهمله فيما يمكننا أن نتعلّم منه. يذكر القانون 26 من مجمع خلقيدونية المسكوني الرابع: “بما أنّه قد بلغنا أنّ بعض الأساقفة يديرون مصالح الكنيسة المالية بدون إيكونومس، فَلاحَ لنا أنّه يحسن بأن يُعيّن مدبرٌ لكلّ كنيسة فيها أسقف ينتخبه الإكليريكيّون عنده، ويُعهَد إليه بالاعتناء بمصالح الكنيسة المالية وإدارتها بموافقة الأسقف ومراقبته لمنع حدوث تلاعب أو تبذير في أموال الكنيسة مما يسبّب اللوم على أرباب الثوب الإكليريكي. وإذا رفض الأسقف العمل بموجب 1ذا القانون يكون عرضة لما تفرضه القوانين الإلهية من عقوبات“. هذا كلام كتبه آباؤنا سنة 451، أين كان حينئذ المتحدّثون عن توزيع السلطات؟ وأين كان المنظّرون عن الرقابة والشفافية؟ لكن أين واقعنا من هذا الكلام؟ الوكيل اليوم يُعيّن والشرط هو أن يكون متبتّلاً. مَن ربط التبتّل بالتعفف عن المال والسلطة؟ وأين الإثبات على ذلك؟ الوكيل ينتخبه الإكليريكيون. مَن يستمع للإكليريكيين اليوم في تعيين الوكلاء وترقية الكهنة وانتخاب الأساقفة؟

قد يكون كل هذا الكلام سبباً للقنوط والتأفف. لكن هناك ما يبعث بعضاً من الاطمئنان ويساهم في خلق حافز للتمسّك بالتقليد لأن القائمين على الكنيسة يدركون ذلك. أفضل تعبير عن هذا الكلام جاء في رسالة صاحب الغبطة المذكورة أعلاه حيث يقول: “لَقَد حالَتْ أَوضاعٌ كَثِيرَةٌ، هُنا وَهُناك، دُونَ تَألِيفِ الهَيئاتِ الّتي نَصَّ عَلَيها النِّظامُ الدّاخِلِيُّ لِلكُرْسِيّ بِشَكْلِها الكامِل، مِمّا قَلَّصَ مِنَ المُشارَكَةِ الفاعِلَةِ لأَبناءِ الكَنِيسَةِ في إدارةِ شُؤُونِ رَعاياهُم وَأَبْرَشِيّاتِهِم. ولَقَد دَفَعَ هذا الأَمرُ بِالكَثِيرِينَ إلى التَّشَكِّي مِن هذا الواقع، أَوِ التَّكَتُّلِ في هَيئاتٍ مُوازِيةٍ لِلتَّعبيرِ عَن رَأيِهِم. لِذلِكَ لا بُدَّ لَنا كَكَنِيسَةٍ مِنْ أَنْ نَتَجاوَزَ هذا الخِلافَ على القَوانِين، الّذي تَعْرِفُهُ كَنِيسَتُنا مُنذُ الخَمسِينِيّات، وَأَنْ نَنْصَرِفَ الآنَ إلى تَوطِيدِ وَحْدَتِنا وَتَوحِيدِ كَلِمَتِنا مِن خِلالِ إنشاءِ الهَيئاتِ الّتي تَنُصُّ علَيها أَنْظِمَتُنا، وَمِن خِلالِ وَضْعِ قَراراتِ المُؤتَمَرِ الأنطاكِيِّ الأَخِيرِ مَوضِعَ التّنفيذ. لَقَدَ مَرَّ على إقرارِ أَنْظِمَتِنا ما يُقارِبُ الخَمسِينَ سَنَةً، وَقَد أَصْبَحَتْ بِلا شَكٍّ بِحاجَةٍ إلى تَعدِيلٍ وَاسْتِكْمالٍ بِحَيثُ تُواكِبُ النّهضةَ الّتي نَرْنُو إليها جَميعُنا على صَعيدِ الكُرْسِيِّ الأنطاكيّ. وَلكِنَّ مِحَكَّ صِدْقِنا جَميعاً يَبقى في الْتِزامِنا الآنَ تَنفِيذَ الأَنْظِمَةِ المَعمُولِ بِها وَمُراكَمَةِ الخُبُراتِ الّتي تُفِيدُنا في أّيِّ تَعدِيلٍ نَقُومُ بِهِ في المستقبل، لأنَّ القَوانينَ إنّما تُوضَعُ لِتُخَلِّصَ الجَماعةَ مِنَ المِزاجِيَّةِ وَالفَرْدِيّة.”

الكلّ يتطلّع إلى أن يرى هذا الكلام في التنفيذ فنرى الشركة زاهرة مثمرة ولا تبقى الظروف والأوضاع تتحكّم بمسيرتنا بل نحن نسيّرها إلى لقائنا الكبير بوجه المسيح.