غيرة أم إدانة؟

الخورية سميرة عوض ملكي

إن التوق إلى تفسير ما يجري اليوم في كنيستنا من اضطرابات وتساؤلات محيّرة عن أيّ جواب وصراعات وأفكار لا سكينة لها، يمكنه أن يعمينا عن تذكّر مراحم الله الغزيرة، وعظمة ملكه وكلية اقتداره التي لا نهاية لها. فالنعمة الإلهيّة تعلّمنا أنّ السيّد يعطينا معرفة رحماته بالروح القدس وإلاّ لكنّا يئسنا بسبب خطايانا وبسبب كلّ ما يحيط بنا.

يقول القديس سلوان الأثوسي: “القلب المسيحي يخشى أدقّ حركة لفكره أو أي شعور عدواني أو سيء النيّة، يتألّم وينوح على كل شيء، وفي الوقت ذاته، لا يخاف أحداً أو شيئاً حتّى ولو «دخلت الأرض والسماء في تصادم»، حتّى ولو «هَوَت الجبال وأطبقَت فوق رؤوسنا بكلّ ثقلِها»، فإنّ قلب الإنسان العيق يبقى في سلام رصين، هادئ“. من هنا ينبغي على كلّ عضو من أعضاء الكنيسة أيّاً كانت مرتبته أن يحصّن نفسه من مرض الفصام الروحي أو ما يسمّى الشيزوفرينياالروحية المتفشّي منذ بدء التاريخ بدءاً بالسقوط إلى يومنا هذا. وهناك العديد من الأمثلة في الكتاب المقدّس بعهديه تشير إليه: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1ملوك 21:18)، لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1كورنثوس 21:10)، هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3).

وعن هذا يتكلّم غاندي بكلام جميل فيقول: “أنا مُغرَمٌ بمسيحكم، ولكنّي كرهتُ مسيحيّتكم، أعطوني المسيح وخذوا مسيحيّتكم، لم أجد في مسيحيّتكم المسيحَ الذي تتكلّمون عنه“. أنا لا أستطيع أن أقول أني مسيحي طالما مسيحيتي تنفصل عن المسيح. لا يمكنني أن أتناول الأسرار الإلهية وأمارس العبادة في الكنيسة، وأتأثّر بالكلمات الإلهية أو التراتيل، وعند خروجي من الكنيسة وعودتي إلى المنزل أو العمل أكون شخصاً مغايراً كلياً، استخدم أسلوباً عدائياً مع عائلتي أو على شبكات التواصل أظلُم وأشتُم وأُدين وأدخل في مخاصمات دائمة مع مَن حولي… فالمسيحي يجب أن يعيش بوجه واحد، داخل الكنيسة وخارجها، فيتقبّل عطيّة المحبة الروحية الأبدية للكلّ ومن أجل الكلّ. فلا يكون كالذين يصفهم الرسول بولس لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا” (2تيموثاوس 5:3) أو يصبح نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ” (1 كورنثوس 1:13).

الإنسان المؤمن تتركّز وّته في درء ومقاومة الشرّ الذي قد تتعرّض له الكنيسة وعليه أن يفرّق بين الحكم على الخطايا الشخصية والحكم على الأخطاء العقائدية أو الإيمانية. فليس من حقّ أحد أن يخوض في الحياة الشخصية لأيّ إنسان ويلوك سيرته بفمه أو على صفحته. وهذا ما تتعلّق به وصيّة الرب: “لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ(متى 2:7)، مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟” (رومية 4:14).

أمّا بالنسبة لأمور الإيمان فالدفاع عنها واجب مقدّس. هوذا يوحنا الحجبيب يقول من جهة اﻷمور الإيمانية كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا(2يوحنا 9:1)، وأيضاً الرسول بولس يذكّر في رسالته إلى تيطس اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ.عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (10:3-11). فعدم إدانة المنحرف هي تقصير من جهة المؤمن وتؤثّر على الجماعة. فالذين تزعموا إدانة المنحرفين اعتبرتهم الكنيسة من أبطال الإيمان إكليروساً وشعباً.

نحن بحاجة إلى موقف ثابت لا يعرج بين الفرقتين أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). لأن التقلقل هو وليد الخطايا وليس وليد المحبة. ولو حفظ المسؤولون وصايا السيّد وطبّقوها، ولو أطاع الشعب باتّضاع، اكان لنا على الأرض سلام عميق وفرح عظيم.