مناجاة

الراهب الصغير

ربّي،

أسألك أن بدموع أن ترحمَني، لأن رأس تطأطأ من خزي أعمالي، ونور عينيّ تناءى عنّي بسبب إهمالي، وتجرّحتُ من عثرات الشرير، ولم أحصل على دواء لجراحاتي.

تجرّحت رجلاي من سلوك الطريق الوعر المملوء تعباً وألماً.

أحاول أن ألتمس منك كنف الرحمة لأنّي أتلمّس طريقي في بلد الظلمة، فأصبحتُ بحقٍ من الضالّين، لأن ملجئي ضعيف.

فانزعْ عنّي بنعمتك ثوبَ الأهواء الجحيم المظلِموألبِسْني رداءَ نورِك القدوس. واطردْ من داخلي كلّ ما لا يسمح لك بالسكنى.

ليُقِمْني روحك وليهدِني إليك نورُك وأعِدْ خلقي على مثال حسنِك لأهرع إليك، قرّبني منك لأنّي أريد التضرّع إليك، لكي أصلح نفسي المذنبة، لأنّه عمّا قليل يأتي المساء ويعمّ الليل بظلاله عليّ فأتيهُ عن الطريق، فتتضاعف عليّ التجارب، وتوجَد خدماتي ناقصة أمامك. لأنّي لم أوقِد نارَك في نفسي ولم أطلب بتشوّق لتخرج إليّ. لأنّ عدوي قد رماني بسهم فنال منّي. فتمرمر طعامي في فمي من دمع التنهّد، وصرت عاجزاً عن القتال والعراك. أخاف الموت عن الحياة.

لذلك أستجدي محبة المتسوّلين. أبكي على بابك طالباً ملجأً. أركع على ركبتيّ ألتمس رحمة. فماذا عساي أفعل؟ سوى أن أطلب أن تمنحني ممّا لك ما لم أقتنِه، لأنّ أخرجتك بسبب عظم ألمي، فتتعذب نفسي بسبب لطختي بالعار والخزي أمامك.

أخاف أن تبعدني عن باب بيتك مثل متشرّد، وأُمنَع مثل الغرباء عن الدنو منه. لا أعرف إن كنتَ سمعتَ ما أعاني من ألم فارفع حقارتي وأخزِ أعدائي، حتى توصلني إلى ميراث الحياة، فأنجو من الحمأة النتنة ومن الشرور التي تستتر في حياتي قبل قيامة الأهواء التي فيّ.

لأن الظلمة ظهرت على وجهي، فتغرّبت عمّا هو لك، وخسرت ما كنت قد اقتنيته في نفسي. انكشف ظلم الضلالة التي في داخلي، فظهرت وفرة السوء واصطادني المتمرّد لذاته، وعلقت في أشواك هذه الحياة ولم أستطع أن أحرقها بنارك الإلهية. لأن الشرور والجرائم تملأ ذلك الجحيم، فتحرمني من الحياة الأبدية. ففارقتني نعمتك من زمنٍ لخطاياي، وحُرمتُ من نورك المقدس. فأصبحت نفسي قائمة بلا أمل على عتبة الفناء. فتغصبني أهوال الموت والأسقام للخروج منه أي العالمرغماً عنّي. فيأخذني العذاب والضيق وأصير متعباً ومَضنياً من كثرة ألمي. فاقترب مساء اكتمال عملي ولم أنهِ توبتي بعد، بل صرت أشد مرارةً وعنفاً.

فلا رجاء لنفسي المغلوبة ما لم تضطرم بالشوق إليك، لأني لن أجد معيناً ولا مَن يغمض عينيّ سواك، وأنا مرميّ على وجهي، يزأر الموت ضدي لأن لا بيت لي ولا ستر. أطلب المحبة. رجائي أن أنالها منك لأني محروم منها في هذه الحياة. أجدّ السعي في طريقي، ربما اصل قبل أن تغلق كل الآمال الموصِلة إليك، فساعدني حتى أخلع لباس ملذّاتي، فأخفف عني عبء الطريق لئلا أقيّد بحبل خطاياي وأذلّ بالشرّ.

زال عني مجدي وفسد جمال صورتي وانحطّ جبروتي، وجفّ حلقي، ولم تصعد أمامك صرخاتي، أركع على ركبتيّ وأرفع يديّ وعينيّ نحو السماء وألتمس منك عودتي قبل أن تمسكني يد الموت. لأن أعمال الضلال ليست بعيدة عني.

صرت في الأرض شارداً مرتعداً، ونُزِع إكليل مجدك عن رأسي فصرتُ بلا ظلّ ولا حماية منك. ولم تكن حياتي سوى مقبرة لأحلامي. فمرضت مرضاً شريراً ومن رائحة النتن لم يقترب مني إنسان، فطلبت الرحمة فلم تسمع لي لأني لم أسمع أنين الأبرار حين آلامهم. فصليّت وطلبت الرحمة لكني فنيت من العذاب ولم أستطع أن أعدّ زاداً في مسكني.