أبناء النور وأعمال الظلمة

الأب أنطوان ملكي

اسلكوا كأَوْلاَدِ للنُور، فالمؤمن يولَد من الله ولادة جديدة، والله نور، فيصير ابناً للنور، لذا يطيع وصايا الله ولا يهرب من الله ويختبئ كما فعل آدم أو يتذاكى كما فعل قايين. ثمر الروح يظهر في أولاد النور لأن الروح يعطي الاستنارة. وبهذا يصير اختبار ما هو مرضي عند الرب. يستعمل الرسول كلمة مختبِرينلا بمعنى مجرِّبين بل مختبرين أي عائشين لهذه الخبرة، خبرة الراحة التي يشعر بها مَن يرضي الله إذ يمتلئ قلبه فرحًا وسلامًا ورضى. لهذا، الحزن والغم وفقدان السلام هي علامات على عدم رضا الله. ابن الله لا يشترك في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري يوبّخها. التوبيخ هنا هو بمعنى إظهار أعمال الظلمة وفضحها. هذا التفسير يضعنا أمام سؤال وجودي يقلق كلّ مَن يسأله لنفسه: أهذا ما يفعله المسيحيون اليوم، أفراداً أو جماعات؟ أهم يوبّخون أعمال الظلمة أم يغطّونها بحجة أنهم حكماء ومسامحون وسلاميون؟ الظلمة لا يكشفها إلا النور، ومتى كان أبناء النور سالكين بحسب النور الذي فيهم لا بدّ لأعمال الظلمة من أن تُفضَح. لكن متى ضعف النور في العيون تزداد أعمال الظلمة ويصير الضعفاء من المسيحيين يعتبرونها الحقيقة والبِرّ. طبعاً ذكر الأعمال القبيحة قبيح، لكن السكوت عنها أقبح. السكوت على العمل القبيح هو شهادة زور على المسيح. أن لا تدين الجماعة، أي الكنيسة، الخطأ المعلَن هو إنكار للنور وإخفاء للقنديل تحت المكيال.

أكبر ظلم يمارسه المسيحي، في أي موقع كان، إكليريكي أو علماني، هو إخفاء عمل الظلمة. إن مَن يخفي عمل الظلمة يصير شريكاً فيه. وأسوأ ما في الأمر أنه يمنع عن مَن قام بالعمل أصلاً إمكانية الخلاص، لأن هذا العاثر سوف يعتبر أن عمله عمل نور، فيكرره ويعتاده، إلى أن يصير جزءً منه. بينما لو توبخت أعمال الظلمة التي في إنسان ما لربما يخجل من نفسه ويتوب فيتحول إلى نور.

يقول الرسول: انظروا كيف تسلكون بحذر لا كجهلاء بل كحكماء. الترجمة الأدقّ هي بتدقيق. الذي يدقق لا يسمح بدخول الخطايا الصغيرة حتّى مع الوقت لا يسمح بالخطايا الكبيرة. المسيح هو الحكمة، وإتباع وصاياه هو منتهى الحكمة، لأن من يتبع وصاياه سيحيا في سلام على الأرض وتكون له حياة أبدية. والله يعطى لأولاده أن يكونوا حكماء.

مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة. الوقت غالٍ وحياة الإنسان على الأرض هي ثروته الحقيقية. حياتنا الحالية هي علة حياتنا الأبدية أو هلاكنا الأبدي. لأنّ مَن يسلك في النور، ويحيا حياة سماوية الآن سيكمل ما بدأه على الأرض في السماء ويكون نصيبه في النور في السماء. ما هو افتداء الوقت؟ إنه عدم تمريره في ما لا ينفع الإنسان. الأيام شريرة لأنها تخدع الإنسان فينجذب للزمنيات وينسى أنه سوف يموت.

أترى لو جاء الرسول بولس إلينا في هذا الزمان، هل سوف يجد أبناءً للنور؟ ليس بالأمر اليسير. فالناس في أيامنا اعتادوا التستّر على ما يرون من الخطأ، وصاروا أجبن من أن يوبّخوا أعمال الظلمة، حتّى يظن المرء أن البوصلة ضائعة ولا أحد يميّز بين النور والظلام. الذين يفتدون الوقت صاروا نادرين حتّى ومضطهَدين. الأيام شريرة وفاعلو الشرّ يتباهون ويستكبرون لأنهم يحصلون على ما يشتهونه وما من بارّ يمنعهم. نحن أغبياء من ناحية فهم مشيئة الرب، مع أن عِلمَنا طال الفضاء الخارجي. الرب ينادينا قائلاً استيقظ أيها النائم وقم من بين الأموات فيضيء لك المسيح، لكننا صممنا آذاننا ولم نعد نميّز بين الموت والنوم، لذا قيامتنا صعبة ومثلها معاينتنا لضوء المسيح.

* عن نشرة الكرمة، حول الرسالة إلى أفسس في الأحد السادس والعشرين بعد العنصرة