النضال المشروع

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما كان يوحنا السابق في السجن، أرسل اثنين من تلاميذه يسأل المسيح: “«أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟». فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَااذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.”(متى 4:11-5). تاريخياً هذه العلاجات أجريَت للمتألّمين، ولكنها اكتسبت أيضاً معنى مختلفاً في السياق الأوسع للكتاب المقدس. أمراض طبيعتنا ترمز إلى أهواء النفس، حيث يقيم قانون الفساد. هناك عدد قليل من العميان في البشرية جمعاء. ألا نكون كلّنا عمياناً روحياً عندما لا نكون قادرين على تمييز هدفنا الرئيسي ومقصدنا؟ كل من يعلّق رجاءه على مصالح العالم هو أعمى؛ وهو لن يستعيد نظره إلا إذا وضع إيمانه ورجاءه في الرب. وعلى المنوال عينه، إذا سمح لنفسه بأن يكون عبداً لطرق الحياة غير الطبيعية الأخرى، ووضع أمله واهتمامه فيها فقط، فهو يكون أصماً ومجذوماً ودائم الحدبة ومسكوناً من الشيطان.

ربنا يسوع الذي أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا” (متى17:8) هو المعالج الحقيقي لطبيعتنا الفاسدة. كل من يؤمن به ويتبعه يشفى. إن لألمه الأكثر نقاء، الذي احتمله طوعاً لخلاصنا نفس المعنى، لأنه لا يوجد في المسيح أي هوى شرير. “ لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (بطرس الأولى 22:2). يسمح الرب بعذاب أكثر أعضائه قداسةً من أجل علاج طبيعتنا الفاسدة: إنه يسلّم كل واحد من أعضائه المقدسة إلى ما يتوافق مع كل جزء من جسدنا الخاص الذي عصى الوصية وارتكب الخطيئة. مدّ آدم ذراعه ليلتقط ثمار العصيان؛ فبسط ربّنا ذراعيه على الصليب. لقد جرّدوا ربنا من ثيابه وهو شفى فراغ الأجداد من النعمة الإلهية. لقد رفعوا صدر ربنا وهو شفى حواء التي نُحِتَت من ضلع آدم. ثُقبَت ساقاه حتى يتمكن من علاج أقدام آدم المتّجهتين نحو ارتكاب الخطيئة. لقد بصقوا عليه وصفعوه، من أجل تطهير عار حواء من التألّه الكاذب، الذي كانت تسلك فيه بتحريض من العدو. كان يمسك عصا السخرية في يديه لكي يتمكن من التوقيع على حلّ الذنب البشري وإلغاء صكّ تجاوزنا. لقد ذاق الخل والمرّ لكي يبصق طعم الخطيئة الممتع. لقد اتّخذ في كل جزء من أجزاء جسده المقدس القانون الملائم لتجاوزاتنا.

تشير الكتب المقدسة رمزياً إلى الطرق والوسائل التي تنفع نوايانا، وتحضّنا على تبنّي عقلية حماسية. “لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً” (لوقا 35:12) يقول ربّنا. يتم وصف الاعتدال الشامل مع التواضع بأنه حزام مفيد حول منطقتنايجعلنا على استعداد للمعركة غير المنظورة.

لماذا يأتي ضبط النفس قبل دخولنا في المعركة؟ بما أن عدونا يبدأ الهجوم باستخدام أسباب الخطيئة، فإن ربّنا، كقائد، يبيّن لنا كيف نعفي أنفسنا ونتحرر. “يأتي رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (یوحنا 30:14). إذا لم یجد العدو الأسباب والمواد التي يغوينا بها، فلا یمكنه أن ینتصر علينا. “المصابيح المشتعلةترمز إلى الصلاة العميقة التي ترافقها المحبة، والتي تشكل الدرع الذي يدمّر الأسهم النارية التي يرسلها الشرير. “فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ” (غلاطية 16:6). “مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ.”(لوقا 36:12-37).

إن نواة نضالنا هي تسكين الأهواء ومن ثم الانتصار عليها بنعمة الله. ثانياً، يجب أن نستبدل الأهواء القديمة بالفضائل، حتى لا تبقى نفسنا عارية ومن دون ملابس روحية. ثالثاً، يجب أن نكون متأهّبين حتى لا نفقد الكنز. وهكذا، فإننا نحقق الوصية اعْمَلْهَا وَاحْفَظْهَا“. من خلال العمل الفعلي يمكننا أن نخضع الرغبات المتّقدة عموماً ونضع ظفيرة على الغضب، الذي هو الشكل الخارجي للإنسان العتيق“. ومع ذلك، يُثار العقل نحو الله ويتحرر من هيمنة الأشياء المادية عن طريق المعرفة الروحية والتأمل. آباؤنا محقّون في التأكيد على أن الإنسان لا يستطيع أن يجد راحة ما لم يحوّل فكره نحو الله بشكل كليّ، بشكل يفتكر فيه أنه ليس في الوجود إلا هو والله فقط. هذا يبدو غريباً للذين لم يختبروا هذا العمل. لكن، أولئك الذين احتملوا القليل من المتاعب وحوّلوا الأمر إلى مهارة، فإنهم يتمتّعون بتأمّل الأشياء الإلهية وهم متحررون من الأفكار الشريرة وفقا للقول: “اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي“(مزمور 8:63).

كما هو الحال في الحقول الاجتماعية، يحتاج المرء لأن يكون ذا دهاء ومثابراً وصاحب نظام، ومثله مَن يحب مؤامرات خلاصه“. من يؤمن بالله يخشى الحكم. كل من يخاف الحكم والانفصال عن الله، يحاول الانتباه إلى الوصايا. طاعة الوصايا هي المقصود بها المسار الضيق والوعر، وبالتالي فهو يصرخ بصبر في مواجهة المصاعب. إن ثمرة مثابرة المريض في مواجهة المصاعب هي رجاء النعمة التي لا تخزي أحداً. هذا الرجاء يفصل العقل عن الأشياء المادية والآمال، من ثم تأتي محب الله كجائزة.

لقد نصحنا شيخنا المبارك: “أولاً، الشياطين الماكرة تزعزع سلام العقل بحجج لا توصف. ثم تحرّك شغف الرغبة لدى جميع الذين لا يحرسون عقولهم. هذا لكي يبعِدوا العقل عن التأمل في السماوات، وهو ما يجاهد من أجله المؤمنون ويسرعون نحوه بشكل خاص، فإنهم ينشرون أمامه صورة المتعة، ويثيرون فيه العملية البيولوجية مقدمينها كضرورة. بهذا، إنهم يسلبون عقله من الطاقة الروحية. إن الخطيئة السابقة والمشاعر المستبدّة تحملنا على تمييز الشرور النشطة في داخلنا. من هذه يبدأ إحسان الله بعلاجنا، مقدّماً الدواء المناسب على قدر حجم الأذى“. كان الشيخ الدائم الذكر يقول أن هناك علاج مناسب واحد، وهو أسهل طرق العلاج، لا بل هو الطريقة للتحرر مسبقاً. انه التواضع ولا شيء سواه. إن السلاح الوحيد والوسيلة التي تساعدنا على غلبة العدو وتجعلنا منيعين هي الفكر المتواضع الذي لا يجرؤ الزهو الشيطاني على التطلع نحوه. إن التحدّث باستخدام الكلمات المتواضعة هو أمر، بينما التواضع هو أمر آخر، وتواضع القلب أمر مختلف تماماً. الكلام بتواضع والتواضع يولدان من المحبة للعمل الجادّ، من المعاناة بألم من أجل الوصايا ومن الفضيلة. إنها جزء ممّا يسمى بالجزء الخارجي العملي“. ومع هذا، التواضع الحقيقي هو عطيّة إلهية قويّة تمنحها النعمة الإلهية لجميع الذين تخطّوا العملية وارتفعوا إلى التأمل بالله بنعمة المسيح.