عبودية الموت والعبادة*

الأب أنطوان ملكي

الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين“. هل حاول أحد منّا أن يحصي كم مرة نقول هذه العبارة يومياً؟ في صلوات النهوض من النوم وقبل الأكل وبعده وصلاة النوم، وإذا شاركنا في سحرية أو غروب أو قداس، قد يتخطّى عدد المرات الخمسين. ما أهمية هذه العبارة؟ لا بدّ أنّها مهمة حتّى أننا نكررها كل هذه المرات؟

الآنهو هذه اللحظة التي نحن فيها. “دهر الداهرينهو الإسخاتولوجيا، الزمان المرجو الذي نصبو إليه، هو الأبدية. إذاً، بهذه العبارة نحن نصِل الآن بالأبدية، نربطهما. هذا الوصل هو أحد أهمّ أهداف العبادة. إنه تقديس الزمن بوصله بالأبدية بوجود الإله الذي نقرّ ببعض صفاته في كل إعلان ينتهي بعبارة الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين، ونثبّت ذلك ونؤكّد عليه بالردّ بآمين.

لكن طبيعتنا ساقطة، وأخطر مظاهر السقوط ونتائجه في آن واحد هو الموت. أكثر ما يزعج الموت هو العبادة لأنها ربط الحاضر بالأبدية. الإنسان الذي عينه على الأبدية، الإنسان المصلّي، لا يخيفه الموت. والذي لا يخاف الموت يغلبه. من هنا أن الموت يركّز على تقويض العبادة. وهذا يظهر في حياة غالبية الناس. فهم يصلّون، لكن ليس للإله الذي هو إله صالح ومحبّ للبشر، أو الذي يليق به كل مجد وإكرام وسجود، أو غيرها من الصفات التي نعلنها. إنهم يصلّون فقط من أجل الأمراض والتوفيق والصحة والمال والنجاح وغيره. بعبارة أخرى، موضوع الصلاة لم يعد غلبة الموت بغالب الموت بل التذاكي على الموت بالتهرّب من نتائجه. الأهمّ هو أن لا نمرض ولا نجوع ولا نتعب ولا نفقر حتى لا نموت. بتأثير الموت لم يعد التمجيد والعبادة الحقّة في رأس سلّم الأولويات.

يجمع أغلبية الآباء المعاصرين على أن أسوأ منتجات الحضارة هو تصويرها للحصول على اللذة على أنه سهل. طبعاً السعي وراء اللذة ليس سمة خاصة بعصرنا بل لطالما كان موجوداً كمسعى لتحدي الموت. لكن خبرة الكنيسة كما الخبرة البشرية بشكل عام، وهذا ما تؤكده العلوم الحديثة من علم نفس واجتماع وأنثربولوجيا، تثبت الخبرة أنّ السعي إلى اللذة لا يوصل إلى الفرح ولا إلى غلبة الموت وإذا أوصل إلى لذة فهي عابرة تطير بسرعة وتترك وراءها طعم الموت المر. أحد أهم وجوه سعي الإنسان إلى اللذة هو هذا الجشع على الحفلات وتنظيم المناسبات. فالأعياد صارت للحفلات والأعراس للحفلات وحتّى الجنانيز تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مناسبة للحفلات. والناس تتسابق إلى هذه الحفلات، فسهرة عيد الميلاد أهم من العيد وطبعاً من قداس العيد، وسهرة رأس السنة أهم من السنة كلها، وهلمّ جرّا.

وجد الموتُ في شهوة الاحتفالات وسيلةً جيدة لقتل العبادة التي يكرهها. فسلّط شهوته على المؤمنين الذين ضعفوا أمام إغرائه وظنّوا أنهم يغلبونه إذا أكثروا من السهرات والحفلات، حتّى على حساب الصلوات. ضعف الكهنة خوفاً من أن ينقص عدد الحضور في القداس، إذا تمّ في التوقيت الذي يحدده التقليد، والذي درجَت الكنيسة على الالتزام به، والذي تصفه الكتب الطقسية. بحجة التدبير صار كل كاهن يوقّت على هواه، وعلى هوى متطلبات عائلته والتزاماته الاجتماعية، كلّه إما بموافقة الأساقفة أو بقلة اهتمامهم. فصارت كل رعية لها تيبيكونها وتوقيتها، خاصةً في الأعياد. إنها عبادة الموت، ليتورجية الخوف من الموت. أن نخالف الآباء لنرضي أصحاب الحفلات وطالبي السُكْر، على انهم أبناؤنا. تخليّنا عن تقديس الزمن. الأوقات حددتها الكنيسة واختبرت تقديسها. التلاعب بأوقات الصلوات هو كالتلاعب بتركيبتها. ليس وجود الكاهن ولا المطران ولا حتّى البطريرك هو ما يجعل الخدمة تقديسية، بل إتمامها بحسب ما علّم الآباء في المكان والوقت والشكل المحددِين.

قد يخطر ببال البعض أن كاهننا متزمّت وأنّه ضيق الأفق لأنه لا يرضى بأن يغيّر أي توقيت. هذا هو التقليد. الكنيسة اختبرَت هذا التقليد لسنين طويلة ورأت أنه أنتج قديسين. التغيير الذي نشهده ماذا أنتج؟ الكثلكة غيّرَت حتّى تحوّلت إلى ما يطلبه المؤمنون، ماذا جَنَت؟

نحن نصلّي لنتقدّس. تذكّروا قول الرسول بولس: “إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضا إيمانكم“. على المنوال نفسه، إن لم تكن الليتورجيا للقداسة فلماذا تكون؟ إن لم تكن الليتورجية للتقديس فهي باطلة ومعها يبطل إيماننا. إن مخالفة التقليد، كما عدم الدقة في إقامة الخدمة، تبطِل عمل الخدمة ووظيفتها، أي التقديس الجاري من خلالها. إن لم تكن الخدمة للتقديس فلماذا يقيمها الكاهن؟ لذا الالتزام بالدقة ليس تزمّتاً ولا تعصّباً بل سعياً إلى القداسة، قداسة الكاهن وقداسة شعبه.

فليعطِنا الرب القدرة على التشبّث بتقليد كنيسته في كل شيء، في الليتورجيا كما في العقيدة، كما في محبتنا له، له المجد إلى الأبد. آمين.

* عظة في الأحد 24 كانون الأول 2017