عبادة الذات

الأرشمندريت ييرونيموس نيكولوبولوس

كثيراً ما تكرر، على مدى القرون الماضية، بأن الناس أغوتهم النظريات الفلسفية والمشاريع الاقتصادية والنظم الاجتماعية، فنسوا الله وأعلنوا الاستقلال عنه. إذ نتعثر بوعود السعادة الأرضية ونتكرّس للسعي خلف السلع المادية، ليس لدينا لا القوة ولا الرغبة لرفع رؤوسنا من غبار طبيعتنا القاتلة والنظر إلى أبينا السماوي. وحتى عندما نكون عالقين في المستنقع المستمر من المشاكل المتعددة ونسمع الآخرين يقولون بسلطة بأنّ الأزمة ليست اقتصادية بل هي أساساً أزمة أخلاق وروحانية، فإننا نرفض عملياً تحويل هذه الموافقة إلى أفعال من شأنها أن تجلب قيامتنا الروحية وتوقف الانحدار الفوضوي نحو المزيد من التعاسة.

وعلاوة على ذلك، بما أن كل واحد منا يسعى إلى ما هو أفضل له شخصياً، فإننا نقصر ذواتنا على المسائل الشخصية ولا نبالي بشؤون المجتمع والبلد وإخوتنانعتقد أن رعاية المصالح الذاتية هي واجبنا الوحيد، ونتصرّف وكأننا مركز كلّ شيء. وفي النهاية، نتوصل إلى استنتاج مفاده أن وحدها آراءنا ونظرياتنا هي الصحيحة والدقيقة. هذا يكمّل عملية عبادة الذات عندنا، وهي عملية مختلفة جداً عن طريقة التألّه بالنعمة التي يدعونا إليها المسيح.

وقت الصلاة

يشير مثل الفريسي والعشّار إلى بداية أكثر فترات السنة روحانية، وقت إعدادنا للفصح، أعظم أعياد الكنيسة. هذه الفترة تأخذ اسمها من الكتاب الليتورجي، تريوديون، لأن استخدامه يبدأ في الغروب مساء يوم الأحد الذي فيه يُقرأ المثل ويمتد إلى سهرانية يوم السبت العظيم. وبالتالي فإن هذه الفترة هي فترة صلاة تصاعدية، من حيث الكمية والنوعية.

ولأن هذا الوقت هو بالضبط مناسبة لصلاة أكثر كثافة وحماسة فالكنيسة تبدؤه مع تعليم المسيح نفسه عن كيفية إرضاء الله بصلاتنا. ويأتي هذا التعليم في قصة، في هذا المثل الأكثر منفعة عن الفريسي والعشار، الذي تمّ تحليله على نطاق واسع على مرّ القرون، وأثار الكثير من النقاش والتفكير.

إن سمته الرئيسية هي الملاحظة البسيطة للمخاطر الروحية التي تبدد الصلاة وتجعلها إهانة للروح القدس، أو بل والأسوأ من ذلك، تدنيس المقدسات. ففي الوقت نفسه، يشير الرب إلى الطريقة التي بها تصل الصلاة إلى عرش الله، وتكون مرضية له، وتجلب نعمة لأولئك الذين يصلّون ويطئون طريق القداسة والتمجيد.

كان يصلي لنفسه

يبدو الأمر وكأن ناس هذه الأيام كانوا في بال المسيح عندما وصف الفريسي قبل ألفي سنة. ومن الواضح، وبدون تنميق كلمات، أن المسيح يشدد على أنه رغم وجود الفريسي في المعبد، فإنه لم يكن يصلّي إلى الله، بل لنفسه، التي كان يعبدها. هذا يفسر صلاته، التي كانت مفعمة بالغرور والخيلاء. “أنا كامل؛ كل شخص آخر عنده الكثير من العيوب. أنا أفعل ما عليّ، بل أكثر من ذلك؛ الآخرون لا يفعلون ما عليهم وهم مسؤولون عن كل العلل في العالم. أنا لا أرتكب أخطاءاً ولا أخطئ أبداً؛ الآخرون مملؤون بالخطيئة، هم دائماً على خطأ، والأسوأ من ذلك كله، أنهم لا يعترفون بأنني متفوق عليهم“. لا شيء عن احتمال مملكة السماء، لا شيء عن إمكانية الأبدية، لا إشارة إلى الآب وغيره من الناس، لا بل بالأحرى، فصل عام للآب واشمئزاز تجاه الآخرين، أو حتى أسوأ من ذلك، إدانة قوية للآب بسبب جميع أخطاء الناس الآخرين، الذين لا يمكن اعتبارهم بأي حال من الأحوال إخوة وأخوات.

لطالما صلّى الناس دائماً. ومع ذلك، فإن المشكلة هي لمَن يوجهون صلاتهم. وهذه المشكلة واضحة بشكل خاص هذه الأيام، إذ يتوجّه معظم الناس نحو أنفسهم وليس نحو الله. إنهم يحاولون إيجاد حلولهم الخاصة للمشاكل والمصاعب والضيقات، معتمدين فقط على حكمهم وعلى ما قد يكون لديهم من قدرات، في وقت لا يثقون فيه بالآخرين. كل ما يحققونه من خلال هذا، هو رفع الجدران التي تعزلهم عن الله وغيرهم من الناس والتي تحاصرهم في الوحدة واليأس.

لقد أصبح زماننا مدمّراً. نحن نُشَجّع على الاعتقاد بذاتنا غير الكاملة والضعيفة وحسب. نحن محرومون من خيار الحياة الروحية، كما من الاعتماد على الله ومحبته. نحن محاصرون في الهُنا والآن، ومثقلون بالمشاكل الشائكة، حتى نتورّط فيها باستمرار، ونضيّع الوقت من حياتنا ونُحرَم من الاتصال بمصدر الحياة وسبب وجودنا . في كل هذا، هناك حلّ واحد فقط من شأنه أن يتوفّر لنا: الركوع على ركبتينا أمام الأيقونات، بندامة العشّار وتوبته، مصلّين يا الله ارحمني أنا الخاطئ“.