عن الاستبداد

الأب أنطوان ملكي

«يقولون: الإستبداد يُليّن الطباع ويلطّفها، والحق أنّ ذلك يحصل فيه عن فقدِ الشهامة لا عن فقدِ الشراسة، ويقولون أنه يعلّم الطاعة والانقياد، والحق أنّ هذا فيه عن خوف وجبن لا عن إرادة وإختيار، ويقولون أنه يربّي النفوس على احترام الكبير وتوقيره، والحق أنه مع الكراهة والبغض لا عن ميل وحب، ويقولون أنه يقلّل الفسق والفجور، والحق فيه أنه عن فقر وعجز لا عن عفة أو دين، ويقولون أنه يقلل الجرائم، والحق أنه يخفيها فيقلّ تعدادها لا عددها».

هذا الكلام مُقتَبَس من كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعبادلعبد الرحمن الكواكبي الحلبي، الذي كتب ما كتب أواخر القرن التاسع عشر واصفاً ما كان يراه من العثمانيين. كتاب عُدتُ إليه مؤخّراً لأنه يساعد على فهم تفكير المستبدّ فيصير توقّع ما سوف يلي من أعماله أكثر دقة. فوجدت فيه الكثير من الوصف الذي ينطبق على حالنا. وكما نقول في العاميّة: “كأنّو قاعد معنا“.

نحن ليّنو الطباع لطفاء، لأننا فقدنا الشهامة، ولم يعد يستفزّنا ظلم ولا يثيرنا فساد. نحن مطواعون نُقاد بسهولة، فيظن أن مَن يقودنا أننا مطيعون، مع أنه يعرف أننا جبناء وخائفون على علاقاتنا وعلى خبزنا وعلى الغد الذي لسنا نملكه، ويبني على ذلك. نحن نظهر بمظهر مَن يحترم الكبير لأن مبدأنا تقبيل اليد والدعوى لها بالكسر. نحن طاهرون مشعّون، مَن لا يماشينا نرميه بالفسق ونخرجه، ومَن يماشينا نرفعه حتّى ولو جعلنا الليل نهاراً. نحن لا نعدّ أخطاء أحد، كي لا يعدّ أحد أخطاءنا.

آه أيها الكواكبي، وكأنّك بيننا في قولك “الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفَرّاش، إلى كنّاس الشوارع“.

الاستبداد لا بدّ أن يتفشّى لأننّا نسكت. نسكت إذا استبدّت الحكومة كما نسكت إذا استبدّ كنّاس الشوارع. و“تواسي فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين الأمةَ فتقول «يا بؤساء: هذا قضاء من السماء لا مرد له، فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور»

يا له من وصف دقيق. المتقدمون يدفنون رؤوسهم في الرمل، ويقولون أن السكوت عن الظلم، وعن الفساد، وعن العَبَث بالقانون، وعن التفرّد، وعن غياب الحق، كل هذا السكوت هو تواضع ومسكنة وتسليم إلى الله. لكن الناس تحسّ وتميّز. وحدهم المتملّقون إذا رأوا لا يرون وإذا أحسّوا يتخطّون إحساسهم. كثُر المراؤون المتحدّثون بالقانون ليبرروا أخطاء الحاكمين ويضفوا عليها هالة الحكمة. كثُر متعددو الوجوه الذين يصفّقون للظلم. كثُر روّاد الكنائس وفرغت من شعبها.

إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا” (جامعة 8:5).

هذا رجاؤنا والكلام لمَن يفهم.