السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

خريستوس كاراذيموس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

[الروح هنا هي Ethos وهي كلمة يونانية تعني الشخصيةالتي تستخدم لوصف المعتقدات أو المثل التوجيهية التي تميّز المجتمع أو الأمة أو الأيديولوجياالمترجم]

كلمة السر عند المؤمنين الأرثوذكس هي المسيح هو الكل وفي الكل” (كولوسي 11:3) ، إن لم يكن كل جانب من جوانب حياتنا غارقاً في المسيح، يكون منقسماً بطريقة غير مقبولة إلى ديني وغير ديني. يوجد مثل هذا الانفصال في الديانات الوثنية. التدين هو اقتصار الحياة على زمن الهيكل والتقدمة والعبادة. هذا التدين هو أحد جوانب أسلوب حياتهم. ما تبقى من حياتهم، الفردية والاجتماعية، مستقلّ. وبالتالي يمكن تقسيم نمط حياتهم إلى ديني أو غير ديني، تماماً كما تنقسم حياة الناس الذين يشغلون مناصب عامة إلى عامة وخاصة.

يؤدّي هذا الانقسام إلى فكرة الواجبات الدينية، وهي التزامات تجاه العنصر الإلهي، ولا علاقة لها بالتزامات تجاه الآخرين. إن هذا التديّن المتشرذم المفكك يولّد شكلِيّين، يؤمنون بأن الحياة الدينية محصورة فقط بالهيكل، ليس بالمنزل أو بمكان العمل أو بالسوق أو محاكم القانون أو سرير المرض أو زنزانة السجناء، إلخ. من الناحية الأخرى، الروح الدينية الأرثوذكسية هي تألّيهكلِّ حياتنا وتقديس كلّ جوانبها وتجميلها تحت التأثير المجدّد للمسيح بنور السماء.

لتحقيق ذلك ، نحن بحاجة إلى دراسة مستمرة وصلاة غير منقطعةوحياة الأسرار المقدسة. أول اسم للمسيحيين كان التلميذ” [discipulus = student]. يجب أن يكون المؤمنون الأرثوذكسيون اليوم أيضًا تلاميذ يسعون لتنوير مشاكلهم اليومية من خلال دراسة كلمة الله والفكر الآبائي. على وجه الخصوص، ينبغي أن تحفِّز الصلاة جميع جوانب حياتنا.

إن النعمة الإلهية المعطاة لنا بالأسرار يجب أن تدعونا كل يوم لنصبح حقاً ملح الأرضو نور العالم“. لا يمكن تصوّر مسيحيين حقيقيين لا يحاولون أن يتزيّنوا بالفضيلة، أقلّه، على سبيل المثال، فضيلة العدالة والنزاهة. هذا يجب أن يمسّ جميع علاقاتنا وتفاعلاتنا. يجب علينا جميعاً أن نجوع ونعطش إلى البِرّ، ليس فقط بالمعنى التقني، بل أيضاً بالمعنى الخاص للخضوع للعدالة، لقوانين الدولة.

إن الناس المتشظّين بالمعنى الروحي لا يهتمون بشكل خاص بالتوافق مع قوانين الدولة. إنهم يعتبرون الدولة شيئًا خارج نمط حياتهم الديني وبالتالي خارج احترامهم. وبالطبع ، فإنهم يحترمون القوانين التي تهدف إلى الحفاظ على الوصايا العشر، لكنهم لا ينخرطون بشكل خاص في قوانين أخرى كالضرائب أو الإدارة إن النزاهة والاجتهاد مفتقدَتان أحيانًا إلى حدٍ لا يتحمله حتّى الوثنيون“. الضمير المهني، بمعنى أن على المسيحيين أن يعطوا قدر استطاعتهم في عملهم، ليس متطوراً إلى حد كبير ويطغى عليه الاهتمام بالشبث والكمون، ويرتبط بالصلاة والضمير [ 1].

ثم ماذا نقول عن فضيلة المحبة؟ تاريخ المسيحية في هذا الموضوع هو الأكثر تنويرًا. هذه الفضيلة هي السمة المميزة للمسيحيين الأرثوذكسيين على مر القرون. منذ العصور القديمة ، سلّم الكثير من المسيحيين أنفسهم للخدمة مقدّمين ثرواتهم، وأطعموا الآخرين [2]. في كثير من الأحيان ، وفّر المسيحيون الأموال المتراكمة بالعمل الصادق ، واستخدموها لشراء [حرية] القديسين وإنقاذ العبيد والسجناء والأسرى والمظلومين والمدانين ومَن مثلهم [3]. عندما، على سبيل المثال، في زمان ماكسيميان، تفشّى الطاعون والمجاعة، المسيحيون كانوا الوحيدين الذين قدموا رعاية المحبة من دون تمييز لجميع الذين كانوا يعانون إلى درجة أن الوثنيين أنفسهم مجّدوا الله بسبب المسيحيين.

أهكذا يشتعل قلبنا بمحبة القديسين باسيليوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، يوحنا الرحوم، ثيوذوسيوس، أفرام السوري، أولمبياذا، فيلوثاي وغيرهم من أبطال وبطلات الإيمان والحياة الأرثوذكسيين؟ أم أننا نحصر النظرة الأرثوذكسية بالمشاجرة حول الاختلافات في المواضيع التقليدية من دون مضمون؟ لا يمكن أن نكون مؤمنين أرثوذكسيين حقيقيين إذا كنا نحتمل محنة الأطفال الذين يعانون من نقص التغذية وكل أشكال التعاسة الأخرى في محيطنا. لا يمكن أن نرتاح بسهولة عندما يعيش الآخرون بعيدًا عن المسيح، ويحصدون الاضمحلال والفساد بينما نحن لا نبالي بهم. “مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌإِنْ قَالَ أَحَدٌإِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1يوحنا 8:4 و20)

المسيحيون الأرثوذكس هم أناس اجتماعيون متّزنون جدًا، أصحاب شجاعة مسيحية وجرأة متواضعة. ليسوا غرباء عن المجتمع، لديهم مشاعر المحبة من ناحيته. عندما يحين الوقت للاعتراف المسيحي الجريء والشجاع، فهم لا ينظرون إلى المجتمع بشعور بالهزيمة أو شعور بالدونية. إنهم لا يخجلون بالإنجيل أمام المجتمع، بل يريدون إظهار قوة الإنجيل. إنهم يشعرون بمسؤولية القيادةنحو الطريق الذي يتبعه المجتمع.

علينا جميعًا أن نتذكر أن السمات الرئيسية للروح الأرثوذكسية هي حياة تتمحور حول المسيح وولادة روحية جديدة. نحن مدينون لأنفسنا ولجيراننا ولله أن نعيش بالإيمان والحب والرجاء.

[1]. P. Melitis, Για ν’ ανοίξει ο δρόμος, Athens 1957, p. 180.

[2]. Clement I Cor. LV, 2.

[3]. Apostolic Constitutions IV, 9.