مختارات

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

يخبرنا الآباء أن الإحساس بالخطيئة هو عطية عظيمة من الله، تتفوق على معاينة الرؤى السامية. عندما ندرك أن ظلمتنا الداخلية، والطبيعة الجهنمية المقرِفة للخطية قد انكشفت، هذا يؤدي إلى النفور منها ومن ثم تجلب النعمة الإلهية راحتها.

الكثير من الناس يطاردون اليوم الفرح والسعادة، ويسلكون في الطرق غير النظيفة، ويتصدّعون من تصرفات الشياطين. ولكن إذا كان الله الرب يتكلمفي قلوبنا، فينبغي أن نكون هادئين. يجب أن نلتفت إلى قلوبنا، وأن نتعلم أن نصلي صلاة يسوع، وأن نطهّر قلبنا بالانطواء على الذات، فمن ثمّ من دون أن نطلب ذلك ومن دون أن نسعى إليه سنكون مدينة مبنية على جبل“.

على الرغم من أن الله كان يعلم عن عصيان آدم وحواء في الجنة، إلا أنه لم يمنع ذلك. لو فعل ذلك، لكان قد تدخّل بحريتنا التي منحنا إياها بنفسه وقضى عليها. من دون الحرية، فإن الطريقة التي نعيش بها حياتنا، وحتّى خلاصنا، سوف يكونا مفروضَين. سنكون بلا شخصية وموجودين ككائنات سلبية. فضّل الله تغيير خططه لنا بدلاً من حرماننا من السمة الرئيسية لشخصيتنا أي حريتنا.

السقوط إذن هو مقاطعة ومغادرة أي كائن مخلوق للسبب الأول لوجوده أي الله. وبحسب الوحي الإلهي، فإن كل الأشياء هي نتيجة لسبب ما، ولا يمكن أن تكون قائمة بذاتها بل فقط من خلال المشاركةفي قوة الله وعنايته. إذاً إن كانوا معزولين عن قوة الله وقدرته المتماسكة فإنهم ينهارون ويحتضرون.

الذين يتبعون مسار وصايا المسيح يولدون من جديد روحياً ويتجلّون. ليس الأمر نفسه بالنسبة للجميع وعلى القدر نفسه، بل يعتمد على غيرتهم. إنهم يُصلبون مع يسوع المسيح وتجعلهم النعمة الإلهية على شبه مَن يحبون. هنا يكمن لاهوت الصليب، الذي يرنّم له القدّيس بولس على أنه نور المحبة الإلهية.

القلب المتواضع، الذي جُرِح أولاً بسهام العدو ومن ثمّ، بعد التوبة، بمحبة المخلص الأبوية، لا يملك طريقة للتعبير عن نفسه غير الدموع. من السذاجة أن تعتقد أن بإمكانك اتّباع خطوات المسيح دون دموع.

عندما نتحدث إلى الناس اليوم عن النوح يبدو الأمر غريباً عليهم لأنهم يخجلون من البكاء. إذا كنا نتحدث عن العَبَث وعن الأشياء العابرة فبالطبع إنها لا تستحق البكاء. فهذا النوح هو من نوع العُرف الاجتماعي. يرتبط النوح الروحي بعلاقتنا مع الله وهو نتيجة نعمة الروح القدس أكثر مما هو اختيارنا. إن الإحساس بالمسؤولية عن أفعالنا الشريرة هو هذا الثِقل في قلوبنا الذي يؤدي إلى حالة من الندم الأعمق.

إن كسر الوصية جلب السقوط الذي هو انفصالنا عن الله وعن كل ما يتعلّق به. قَبِل الله توبتنا وعودتنا وخضوعنا له بعدما أصلح علاقتنا بمحبته وقداسته. بحسب الآباء، إن الشكل الأكثر قبولاً للتوبة هو الدموع الساخنة التي تصل بذاتها من آلام القلب الذي يشعر بذنبه الكريه و خيانته لمحبة الله الأبوية.

كلما ازداد عمق شعورنا بأن خطيئتنا هي جرح مميت، كلما اقتربنا من السجود لله في صلاة التوبة. هذه الصلاة تطلقنا أحيانًا من روابط المكان والزمان، حتى نشعر بأننا مختلفون تمامًا.