طاولة مستديرة: الوسائط الرقمية والرعاية الأرثوذكسية

مجموعة من الآباء

من ضمن المؤتمر الدولي الثاني حول وسائل الإعلام الرقمية والعمل الرعائي الأرثوذكسي، نُظّمَت ندوة بشكل طاولة مستديرة بعنوان الوسائط الرقمية والرعاية الأرثوذكسية“. أدار الندوة الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي، وشارك فيها كل من الأرشمندريت زخريا زخريو من دير أسكس، الأرشمندريت ألكسيوس يانيوس، والمتقدمون في الكهنة قسطنطين كومان، متياس خالاريس وجاورجيوس سخيناس*.

افتتح الندوة مديرها معبّراً عن ارتباكه لأنه ليس معتاداً على الندوات وخاصةً إدارتها ومن ثمّ طارحاً أسئلة حول إمكانية المساهمة الرقمية في علاقة المؤمن، المُعتَرِف تحديداً، والأب المعرّف أو الأب الروحي.

تحدّث الأب زخريا مشيراً إلى أن الوسائط الرقمية لا تتعدّى كونها وسائل، لهذا في حال كانت العلاقة قائمة بين المعترِف والأب المعرّف، فيمكن أن تساهم هذه الوسائط في التواصل في بعض الحالات، مع التشديد على وجوب اتّباع التمييز والدقة في تحديد هذه الحالات، على أن تكون في الاسترشاد وليس في الاعتراف. كما أورد الأب زخريا عدداً من الأمثلة عن آباء يلجؤون إلى الانترنت لمتابعة أبنائهم بعد الاعتراف. وختم مشدداً على أن الانترنت تنقل إلينا كلمات عن الله أو من الله، لكنها لا تنقل إلينا أو منّا الخبرة المعاشة.

المتقدّم في الكهنة ماتيوس خالاريس تحدّث عن إمكانية تحويل الوسائط الرقمية إلى أدوات أخروية، مورداً مثلاً من الليتورجيا. فعندما يقول الكاهن لنحنِ رؤوسنا للربفالهدف ليس الإحناء شكلاً بل وضع رؤوسنا تحت الله، هي وكل ما يخصنا، بما فيه الانترنت التي هي عطية من الله. وبالتالي، بوجود التمييز والفهم يمكن أن يُستفاد من الانترنت في توطيد علاقة الأبناء الروحيين بآبائهم.

المتقدم في الكهنة الأب جاورجيوس سخيناس رأى بدوره أن الإنترنت تمثّل الكثير من المشاكل والقليل من البركات، مشيراً إلى الملاحظات التالية:

1- بالدرجة الأولى توقّف عند المشاكل العائلية التي تعود بمجملها إلى مختلف استعمالات الإنترنت وشبكات التواصل، وخاصةً تلك المتعلّقة بالأولاد وتربيتهم وما يعرض لهم على الإنترنت.

2- أشار إلى أن الناس يتعاملون مع ما يحصلون عليه من الإنترنت على أنه معلومات كنسية لكن في الحقيقة غالبية ما يتمّ تداوله هو ثرثرة ونميمة.

3- كما توقف عند ملاحظته بأن قراءة الإنترنت تعطي شعوراً يعتبره البعض حياة روحية

4- التركيز على الشاشة أو على الصوت الصادر من الكومبيوتر يفتقد إلى التواصل البصري المهم في علاقة الأبناء الروحيين بالمعرّفين.

على ضوء هذه الملاحظات، اقترح الأب المعرّف ما يلي:

1- على المستعملين أن يجاهدوا لحفظ الصوم والانضباط، خاصةً مع الإنترنت

2- قبل نشر أي خبرة ـو الحديث عنها ينبغي التأكّد من تجذّر صاحبها في السلوك الروحي كما من أصالة الخبرة

وهنا توجّه بكلامه إلى الرعاة: لا يمكن حصر الخبرة في الإنترنت وحسب، لأننا نفقد التواصل الشخصي. لهذا على الرعاة أن يتعاملوا مع الشاشات على أنها الخطوة الأولى لتواصلهم هم أنفسهم مع الله، لأن مصدرهم الفعلي هو شعبهم قبل وسائط التواصل.

المتقدّم في الكهنة قسطنطين كومان، حكى عن خبرته، حيث حسّنت وسائل التواصل من تواصله مع أبناء رعيته، مشدداً على أهمية التمييز بين الاعتراف والاسترشاد. فالاسترشاد ممكن من بعيد إذا تعذر الحضور وإذا كانت المعرفة بين الأب والابن وطيدة وعميقة. لكن يبقى ضرورة توجيه الابن إلى أقرب أب معرّف ليعترف وينال الحلّ، الذي يتعذّر القيام به افتراضياً. من هنا، كرر ضرورة أن يكون الاعتراف والاسترشاد محدَّدين بوضوح. الاعتراف شخصي ووجاهي، أمّا التوجيه فيمكن الاستفادة فيه من وسائل التواصل. وهنا شدد على أهمية أن يذهب المسترشِدون عن بعد إلى الأب المعرّف عندما يطلب منهم المرشِد ذلك، وإلا تفقد العملية غايتها. إلى هذا أشار إلى إمكانية الاستفادة من أشخاص مختبَرين في الإرشاد عن طريق استعمال وصائل التواصل.

الشيخ أفرام الفاتوبيذي، رأى أن من الضروري أن تحقق الكنيسة رسالتها من خلال وسائل التواصل، كون هذه الوسائل موجودة وباقية. من هنا، أن المتكلّم مهم، لكن بنفس الأهمية أن يكون مسموعاً. إلى هذا، لا يحتاج الجميع إلى نفس الكلمة، فلكل حاجته في وقت ما، وهذا التمييز هو اختصاص الآباء الروحيين. فالآباء الروحيون ممكن أن لا يكونوا آباء معرّفين وحسب، بل ممكن أن يكون من الرهبان، لكن المهم أن يكونوا أصحاب خبرة روحية، والأهم أن يكونوا واعين للنعمة الإلهية وعملها. هناك الكثير من الخطيئة في العالم لكن هناك شوق ورغبة قويين لدى الناس للقاء أشخاص فاضلين. فالناس يأتون إلى جبل أثوس ليستمعوا إلى شيء مختلف، لذا لا يمكننا أن نقدم لهم ما يجدونه في كل مكان في العالم. والأمر نفسه ينطبق على كل الكنيسة.

الأرشمندريت زخريا ساهم بالتالي: “أنا الأقل خبرة لكني أريد أن أذكر أن سبب الحذر في التعامل مع وسائل التواصل هو في أن العالم ينمو ويقوى فيما العدائية نحو الله تنمو معه أيضاً. علينا أن نكون يقظين وإلا تأسر التفاهة عقلنا. لا ينبغي بنا أن نترك السخافة تبالغ في تقييم ذاتها. محبة الله ليست متجانسة مع محبة العالم. يجب أن نكون حذرين في استعمال وسائط العالم في الكنيسة كي لا يتسلل روح العالم إليها، بل أن يكون روح الله مخيماً على كل شيء في حياتنا.

عاد الشيخ أفرام للتذكير بأهمية الليتورجيا، حتّى يومياً. كما أشار إلى أن ردات الفعل في أثوس الجبل المقدس على استعمال وسائل التواصل متعددة ومختلفة. لكنه شدّد على أن الجبل المقدس موجود للخدمة، وخاصةً دير الفاتوبيذي، حيث يعتبر رسالته خدمة الكنيسة في العالم.

أعطي الدور لأسئلة الحضور. تقدّم أحد الحاضرين، من اليونان، ذاكراً أنه يعمل كصحفي لثلاثين سنة على مبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة. فتسائل هل إذا كانت الغاية مقدسة تتقدّس الوسيلة، أم يجب أن تكون الوسيلة مقدسة لتخدم الغاية المقدسة؟ كما توقّف عند اقتراح نيكوس غوراراس لإنشاء الاتحاد الدولي للإعلام الرقمي للرعاية الأرثوذكسية متسائلاً هل تستطيع الكنيسة أن تكون فاحصاً للأعمال؟

من ثم تكلّمت إحدى الحاضرات متسائلة أنها كأميركية كانت مهتمّة بمعرفة موقف الرهبان في اليونان من الإنترنت، وهي تشجّعت وتقوّت بما رأته من تعامل بمحبة وفرح ورجاء. وأشارت إلى أنها تعرف أشخاصاً كثيرين يجاهدون مع الأسئلة التي طرحها المؤتمر، ومنهم مَن هم غير مسيحيين، من هنا ضرورة أن يسمع العالم صوت الكنيسة لأنه يساعد هذا العالم.

علّق الأب زخريا بأنّ الرهبان اليوم هم في العالم بخبرتهم التي أوصلت إلى النتيجةالتي ينقلونها هم بدورهم إلى العالم.

ثم جاء تعليق حول الشباب الذين هم غالبية المستعملين لوسائل التواصل، وضرورة معرفة بعض المعلومات عنهم وعن ما يرسلون ويتسلّمون. لكن عدم انفتاح الشباب على الاعتراف هو المشكلة، فهل يمكن أن يُستفاد من وسائل التواصل كنوع من أدوية علاج الألم في هذه الحالة؟ وماذا عن تغيير الأب الروحي؟

ردّ الشيخ أفرام بوجوب أن يشترك المرسِل والمتلقّي لأي رسالة بالنيّة الطيبة. إن دور المعرّفين هو أكثر خطورة، لذا كما سبق ذكره، ليس سيئاً أن نستفيد من الإنترنت للإرشاد الروحي، لكن الحلّ والراحة اللذَين تحصل عليهما نفوسنا هما الأهمّ. الإرشاد مهمّ. أمّا تغيير الأب الروحي فممكن ولا يحتاج إلى إذن من أحد. وحدهم الرهبان يحتاجون إلى إذن أبيهم الروحي لتغييره، لأن الأب الروحي للراهب مرتبط بسيامته. لا ينبغي المزج بين ما ينطبق على الرهبان وما ينطبق على العلمانيين.

في مناقشة التمييز وحدود العلاقة بين الأب الروحي والأبناء، ذكر الأب قسطنطين قصة عن رجل أتى بمناسبة عيد زواجهما إلى زوجته حاملاً هديةً حجوزاتٍ لرحلة استجمام، فقالت له أنها لن تذهب إلى أن تسأل اباها الروحي، فكانت ردة فعله أن اذهبي إذاً وتزوجي أباك الروحي”. وتركها ومضى. مكرراً تعليق الشيخ أفرام عن وجوب التمييز بين ما هو للرهبان وما هو للعلمانيين، خاصةً في موضوع الطاعة.

علّق الأب زخريا مشدداً على أن الطاعة كَنِعمة وكموهبة هي للرهبان لأنها أحد نذورهم وأنها غير مطلوبة بالشكل نفسه من العلمانيين ولا حتّى من الكهنة. وذكر قصة عن شخص بقي ممنوعاً عن المناولة بأمر أبيه الروحي لمدة خمس عشرة سنة، مشيراً إلى أن أياً من القوانين الكنسية لا يورِد منعاً عن المناولة لمدّة مثل هذه. مؤكّداً أن هذا الأمر غير مقبول.

الشيخ أفرام رئيس دير الفاتوبيذي، قبرصي المولد، درس اللاهوت في جامعة أثينا ومن ثم انضم إلى أخوية الشيخ يوسف الهدوئي في الإقيط الجديد في جبل أثوس بداية الثمانينيات من القرن الماضي. بعد أن انتقلت الأخوية إلى دير الفاتوبيذي عملت على تحويله إلى دير شركة، ومن ثمّ تمّ انتخاب أفرام أول رئيس له. عمل أفرام على تنمية الدير الذي يضمّ اليوم أكثر من 125 راهب، ويُعتَبَر أفرام من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم الأرثوذكسي، خاصةً من خلال كثرة النشاطات التي يرعاها الدير في مختلف المجالات.

الأرشمندريت زخريا زخرو من دير أسكس: هو تلميذ الشيخ صوفروني سخاروف، وهو راهب في دير القديس يوحنا المعمدان البطريركي في مالدون، أسكس، بريطانيا. هو قبرصي المولد، انتقل إلى لندن لدراسة الكيمياء حيث تعرّف إلى الأب صوفروني وديره، فترك دراسته مستجيباً للدعوة الإلهية. درس اللاهوت في باريس وتسالونيكي. يجيد اليونانية والإنكليزية والفرنسية والروسية، وقد عمل على ترجمة أعمال الشيخ صوفروني من الروسية إلى الإنكليزية.

الأرشمندريت ألكسيوس يانيوس، متقدّم في كهنة كنيسة القديس جاورجيوس في باباغو، أثينا. أب معروف بنشاطه وخبرته وبكثرة أبنائه الروحيين وأعداد المعترفين عنده.

المتقدم في الكهنة قسطنطين كومان: هو دكتور في اللاهوت وبروفيسور في قسم اللاهوت الكتابي، العهد الجديد، والمستشار الخاص في دار النشر البيزنطية في بوخارست. هو كاهن في أبرشية Voivodes في بوخارست. لديه العديد من المشاركات في المؤتمرات والندوات حول مواضيع الكتاب المقدس والموضوعات اللاهوتية.

المتقدم في الكهنة متياس خالاريس: هو المتقدم في كهنة كنيسة القديس ديمتريوس في القديس ديمتريوس في أتيكا. من المعروفين بنشاطهم الرعائي حيث يوجد في رعيته مدارس تعليم ديني من كل المستويات، ومدرسة مسيحية للأهل، ونشاطات شبابية مكثّفة. كما أنه يذيع برنامج أرنم للرب مدى حياتيعلى محطة راديو كنيسة اليونان.

المتقدم في الكهنة جاورجيوس سخيناس، عميد كهنة كنيسة القديس نيقولاوس في فيلوبابو، وسط أثينا. الكنيسة هذه معروفة بهمة هذا الكاهن بالحجم الضخم من المساعدات التي توزعها على المحتاجين منذ قبل الأزمة الاقصادية في اليونان، حتى استحق الأب جاورجيوس اسم أبي الفقراء“. يهتمّ الأب جاورجيوس بالسهر على تأمين المساعدات وعدم انقطاعها للعاطلين عن العمل والعائلات والمشرّدين، كما الوجبات اليومية الثلاثمئة التي تقدّمها الرعية قرب الكنيسة على مدار السنة.