الشيخ سرجيوس الذي في فاف (Vanves)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كان الشيخ سرجيوس الذي في فاف أحد الشخصيات الأكثر مواهبية في القرن العشرين في أوروبا الغربية. وُلد في هولندا سنة 1903 لكنه قضى غالبية حياته في فاف (Vanves) التي هي إحدى ضواحي باريس. كان تلميذاً روحياً للشيخ خاريطن آخر رئيس لدير برلعام قبل أن أغلقه الشيوعيون.

صحيح أن الشيخ سرجيوس قضى حياته في بلد ليس فيه إلا القليل من الأرثوذكسيين إلا إن تعليمه كان كثير المنفعة لأبنائه الروحيين في أوروبا الغربية العلمانية. كان رجلاً اجتمعت فيه تقاليد برلعام القديمة مع الغرب ما بعد المسيحي. كان أباً روحياً لعدد من الأشخاص اللامعين في القرن العشرين ومنهم فلاديمير لوسكي ونيقولا برداييف وراسم الايقونات الراهب غريغوري كروغ.

الشيخ سرجيوس كان مغموراً بروحانية الشرق الأرثوذكسي المنيرة. من أعماله أنه جمع كتاب فن الصلاة“. كان على اتصال مباشر بالقديس سلوان الأثوسي وقد أخذ في قلبه كلماته الأخيرة له: “اذهب وأخبر الناس على قدر استطاعتك: توبوا“.

في فرنسا كان المجاهدون من أجل الأرثوذكسية قليلون واللامبالاة بالدين كبيرة. إرشاداته لأبنائه الروحيين نافعة جداً لنا، نحن الذين نشترك معهم بالعيش في المجتمع الدهري، إذ هو يحمل شهادة لتقاليد الآباء. يذكّرنا الشيخ بأن الله ليس خياراً في حياتنا. إن أردنا الحياة فليس بإمكاننا أن نوقف الصلاة كما أنه لا يمكننا أن نوقف التنفّس. إنه يعلّمنا أن عالمنا، بالرغم من أنه يقدّم لنا الكثير من وسائل الراحة والرفاهية، وبالرغم من أن علم النفس يقدّم الكثير للتخلص من اضطراباتنا، يبقى أنه ما من سبب لاستمراريتنا سوى الله وما من شافٍ لجراحنا النفسية إلا الله وما من حافز للعيش إن لم يكن هناك أبدية.

الصلاة

لا ينبغي أن تعتمد الصلاة على مزاجنا أو نيتنا الطيبة. إذا كنا في حال محدد فهو أننا ممتلئون بالخطايا. لذا علينا أن نتوب. كل يوم افحصوا ضميركم وتوبوا. اجبروا أنفسكم على الصلاة يومياً. إن لم تريدوا ذلك، فعليكم أن تتوبوا على هذا. يجب أن تفهموا مدى ضرورة هذا الأمر. اعلموا أن الشيطان يتربّص ويريد أن يبيد نفوسكم، وأنكم دوماً في خطر. وحدها الصلاة تمنح نفسكم القوة للمقاومة.

لكي تربّوا عضلات روحية عليكم أن تذهبوا إلى النادي الروحي.

لا ينبغي أن تتحوّل الصلاة إلى طقس بالمعنى السيء للكلمة. وإن صارت عندنا طقساً فعلينا أن نتوب عن ذلك. يجب أن تكون الصلاة منتظمة بشكل مطلَق. تماماً كما تسقط الماء على صخرة وشيئاً فشيئاً تقطعها، كذلك الصلاة تخترق داخل نفوسكم.

من خلال صلاة يسوع، يدخل فكركم في قلبكم. إن الصلاة تتيح لنا أن نفهم الأمور بقلبنا.

صلاة يسوع من دون اتضاع هي كارثة.

التوبة

التوبة هي بداية ووسط ونهاية الحياة الروحية.

هناك نوعان من التوبة: 1) عن خطيئة محددة و2) عن حالة الخطيئة عامةً.

النوع الأول هو الأكثر حيوية.

هناك ثلاث مراحل نحو التوبة عن خطايا محددة. 1) التوبة عن الخطيئة في الفكر ما أن نرتكب الخطيئة. 2) في آخر النهار، عندما نفحص ضميرنا، نتذكّر الخطيئة ونطلب من الله المغفرة مجدداً. 3) اعترف بخطيئتك وتبْ عنها في سر الاعتراف.

المرحلة الأولى تتيح لنا الحصول على المغفرة من الله عندما نتعامل مع خطايانا الأخف وأفكارنا غير الطاهرة. إذا جاءك فكر شر وتبت عنه بالرغبة في أن تفكر أو تعمل بخلافه، فإن خطيئتك تُمحى مباشرة.

للتوبة في آخر كل يوم أهمية كبرى. في هذا الوقت علينا أن نشرَع بنقد روحي لكل ما قمنا به في ذلك اليوم مراجعين الشر والخير اللذين قمنا بهما. بعد تفحصنا لضميرنا علينا أن نطلب المغفرة من الله بإخلاص وندامة عن كل ما لم نكن فيه مخلِصين لله. يجب أن يكون ضميرنا حاداً حتى أننا في كل ليلة يمكننا أن نتفحّص ذواتنا وما قمنا به خلال النهار وأن نتوقف عند ما قمنا به من الخطأ، أيّ خير لم نعمله، وما هو الذي عملناه بشكل سيء. من ثم يجب أن نطلب المغفرة من الله على كل هذه الأشياء.

اثبتوا دائماً في التوبة ليس لأنكم بالضرورة قد قمتم بعمل خاطئ بل لأن طبيعتنا ضعيفة. علينا أن نتوب على ما نحن عليه. عندما نتوب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ليس ما قمنا به خطأً وحسب، بل كل الخير الذي لم نقم به.

الاعتراف أمام كاهن، أي المرحلة الثالثة، ملزِمة لأنها تؤهّلنا لتلافي البقاء مُثقَلين نفسياً وروحياً بالخطايا التي اقترفناها في الماضي.

النوع الثاني من التوبة يتعلّق بشخصيتنا. هناك خطايا كثيرة لا نعِيها وصارت جزءً من طبيعتنا. في الاعتراف، يجب أن نسأل الله: “اغفر خطاياي التي لا أعرفها والتي من دون وعي“.

يجب أن نتوب عن كل فشلنا وقلة كفاءتنا. لا ينبغي أن نعطي أنفسنا أعذاراً إذ لا يوجد أي سبب خارجي يمكن أن يبرر ضعفاتنا.

التوبة ضرورية للجميع إذ لا يوجد إنسان من دون خطيئة. مَن يعتقد أنه غير خاطئ يعيش في الوهم. التوبة هي موقف داخلي من خوف الله وذِكر الموت وقبل كل شيء التواضع. إنها مفتاح الحياة الروحية.

يفضّل الله شخصاً يخطأ ويتوب على شخص يظن أنه لا يخطأ أبداً ولا يتوب.

الذين لم يتوبوا منذ زمان، عليهم أن يطلبوا الغفران من الله على قدر توبتهم. الله يعرف جهادنا الخاطئ وحالتنا القابلة للموت وهو يغفر برحمة لامتناهية للذين يتوبون باستمرار.

إن موقفنا من ملكوت السماوات يجب أن يكون كمثل مسافر لا ينبغي به أن يكون مذعوراً من كل ما عليه فعله عند وصوله إلى مقصده، بل عليه أن يتابع مخططاً لرحلته الحالية. علينا أن ندرك أننا لا نعرف متى يأتي القطار الذي سوف يأخذنا إلى الملكوت حتى نكون مستعدين عند مجيئه. علينا أن نكون مثل العذارى العاقلات وأن نحمل الزيت دائماً في مصابيحنا. علينا أن لا نعتقد أن حالتنا الساقطة غير قابلة للإصلاح. بل أن نكون على ثقة بأن دائماً هناك مغفرة لنا. كل ما نحتاجه للغفران هو أن نطلبه.

التوبة كحالة دائمة هي حالة المسيحي الثابتة، وهي حالة جميع القديسين. لذا علينا أن نسعى نحو هذا الهدف بكل قدرتنا وبكل صلاتنا. ومن ثمّ سوف تكشف ذاتها لنا كقوة خارقة من التقدّم الروحي.

التوبة هي مفتاح الحياة الروحية. إنها تؤهّلنا للباس العرس الذي من دونه نُطرَح خارجاً.

* Elder Sergei of Vanves: Life and Teachings