المُحتَرَم

المُحتَرَم
الأب أنطوان ملكي

 

نسمع بعض الناس ينادون الكاهن بالمحترم بدل الأب أو “أبونا”. قد تبدو هذه الكلمة غريبةً عند الأرثوذكسي الذي تربّى في جو أرثوذكسي وأول ما يخطر بباله هو: لمَ يدعون الكاهن بالمحترَم، أليس كل الناس محتَرَمون، فلماذا لا يدعون غيره بهذا الاسم؟ وإذا كان الهدف من عدم مناداة الكاهن باسمه الخاص رغبةً بتوقيره، فما الذي تحمله من التوقير كلمة “محترم”؟ ألسنا نستعملها في حياتنا اليومية دون أن تعني الكهنوت؟

وقد نسأل الذين يستعملونها عن سبب استعمالها دون كلمة “أبونا” فنجد أن البعض لا يؤمنون بأبوة الكاهن، فيما غيرهم قد تربوا على استعمال هذه الكلمة التي دخلت إلى بلادنا مع مجيء البروتستانت إليها. فالكلمة بالعربية هي تعريب لكلمة “reverend” التي يستعملونها في الإنكليزية. الفرق هو أن البروتستانت لا يؤمنون بالكهنوت كما نؤمن نحن، وبالتالي مهمة القس عندهم، أو المتقدم، لا تتعدى كونها بعض الكلمات. البعد التقديسي عندهم لا ينبع من الأسرار التي تحتاج إقامتها شخصاً مكرّساً هو الكاهن.

أمّا مَن هم أكثر اطّلاعاً من مستعملي كلمة “المحترم” فيحيلوننا إلى الآية 9 من الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل متى: “لا تَدْعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماوات”. إن استعمال هذه الآية هو إخراج لها من إطارها وهو تطبيق لها حيث لا تنطبق. من المفيد أن نقرأ الإصحاح الثالث والعشرين كاملاً لتحصيل فهم مناسب لإطار هذه الآية. ففي هذا الإصحاح يؤنّب السيد للكتبة والفريسيين بسبب ريائهم وتركيزهم على الأمور الخارجية في الدين بدون توبة صادقة وتحوّل في القلب وليس بسبب استعمالهم كلمة “الأب” بطريقة عبثية وفارغة، ونفهم هذا من قوله في الآية 12: “مَن يرفع نفسه يتّضع ومَن يضع نفسه يرتفع”.

ضروري أن نتوجه بالكلام إلى الذين لا يرون في كلمة “أبونا” إلا امتيازاً اجتماعياً. الأكيد هو أن استعمال كلمة “الأب” في التوجّه إلى الكاهن ليس لإظهار مكانة عليا في جماعة المؤمنين بل بالأحرى هي عبارة مقصود بها أن تشير لعمق العلاقة بين الشعب ومرشده وهي علاقة قائمة على دور الكاهن في ولادتنا الثانية، أي ولادتنا في المسيح بالمعمودية وبالإنجيل، ولتجدد هذه الولادة و استمرارها في كل ذبيحة نقيمها ويؤمّها الكاهن. فكما أن لأبينا بالجسد دور مهم في ولادتنا وتربيتنا المستمرة، كذلك الكاهن، كونه هو عمّدَنا وهو يقيم الذبيحة التي تشركنا في الإلهيات، له دوره المهم في ولادتنا الثانية “التي من فوق… بالماء والروح” (يوحنا 3:3-5).

إن المجتمع الدهري هو مجتمع سطحي، أناني دون أن يكون شخصياً، وفردي دون أن يترك للأفراد مزايا. إن سطحية هذا المجتمع تنزع عن الكهنوت بعدَه التقديسي وتحوّله إلى مجرد وظيفة أهميتها هي في إقامة الخدم التي يسعى مجتمع الاستهلاك إلى تحويلها لمجرد أحداث اجتماعية، كالمعموديات والأعراس والجنازات. ما تبقّى من الكنيسة لا يهم هذا المجتمع. فكونه يقوم على الفردية والأنانية ليس للرعاية فيه مكان، كل يرعى نفسه، وكل يصنع لنفسه إلهه.

قد لا يكون الكاهن أحياناً على مستوى القامة المرجوة وعندها قد يصعب على البعض أن يرى فيه أباً. ينبغي بالكاهن أن يكون أكثر استنارة من الشعب ولهذا هو يطلب في القداس الصفح عن خطاياه وعن هفواتهم. فالمؤمن العادي قد يخطئ عن كسل أو عن جهل أو عن نسيان، أما الكاهن فقد أُعطي في السيامة نعمة عليه أن يفعّلها فتحميه. ولا يُنكَر أن خطايا الكاهن ظاهرة أكثر من هفوات الشعب وفيها الكثير من العثرة لهم. الكاهن معرّض في كل لحظة للوقوع في محبة المال أو المجد أو السلطة وعدم الترفع أو التعفف أو طول الأناة. لجهاده الشخصي كما للرعية دور في حمايته من الوقوع فيها والمؤسف أن وقوعه في هذه التجارب يجرّده من صفة الأبوة في نظر الكثيرين.

إن مَن يفهم أن في الكنيسة قديسون وتائبون ومجاهدون يسعون إلى التوبة يفهم أن الاعتراف بأبوة الكاهن لا يرفع الكاهن بقدر ما يدينه، لكنه يرفع الأبناء لأنهم يتواضعون. إن كلمة “المحترم” ترفع شخص الكاهن لكنها تُحدر الكهنوت والكنيسة، أما كلمة “أبونا” فتضع المؤمن والكنيسة والكاهن معاً وكلٌ في موقعه.

* عن نشرة الكرمة

Leave a comment