السعادة

الأب بافل غوماروف

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هناك أفكار متضاربة عن السعادة. البعض يظن أنها مجموعة أشياء أرضية حسنة، أو نوعاً من حزمةِ رفاهٍ اجتماعي تجعل حياة الإنسان مريحة وبلا هموم، فيما كل واحد لذاته. ولكن في هذه الحالة أنت إما محظوظ وسعيد أو متروك لتجرّ الوجود المثير للشفقة في قلة الحظ. هذه الفكرة عن السعادة بدائية ومبسطة جداً.

السعادة غير مادية. إنها حالة في النفس. بالطبع، يفهم الناس السعادة بطرق مختلفة. البعض يجدها في عائلاتهم، غيرهم يذهب إلى دير ليكرّس كل حياته لله. بالنسبة للراهب هذه هي السعادة. البعض لا عائلة له لكنه يجد السعادة في العمل لخير الناس، لأن هذا العمل يجلب الفرح له وللآخرين. قد لا يملك إنسان ما شيئاً، لكنه سعيد، ربما لأن الطقس في الخارج جيد وهو بصحة جيدة في ذلك الوقت. هناك أنواع كثيرة من الناس. وعلى العكس، قد يمتلك إنسان ما كلّ شيء: الصحة، الثروة المادية، العائلة الجيدة، لكنه يبقى غير سعيد، ولا يقدّر كلّ ما لديه، ودائمَ الاستياء من هذا الشيء أو ذاك.

إذاً، السعادة ليست وقفاً على أوضاع الحياة المادية، إنها في داخل الإنسان، في نفسه: “لا يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ… هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (لوقا 20:17-21). كما ذكرنا، هذه حالة في النفس: القدرة على تقدير كلّ ما يُعطى لنا وشكر الله عليه.

يمكن أن يعطينا كلُّ يوم سعادةً، لكن ينبغي أن نكون قادرين على رؤيتها.

اعتاد أحد الكهنة أن يرشد ابناءه بأن ينهوا كلّ يوم بكتابة ما لا يقل عن خمسين شيئاً “يشكرون الله عليها”. من دون القدرة على رؤية شيء مفرح ولامع في كل يوم، لا يمكن أن نكون سعداء، ولا حتى أن نعيش حياة طبيعية. ألكسندر سولزنتسين كتب قصة ’يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش’ وفيها وصف يوماً عادياً لسجين في معسكر إعتقال تابع لنظام صارم. مع هذا، فالقصة ليست عن أهوال حياة المعسكر بل عن كيف نجح إنسان في رؤية بعض الأمور حسنة وإيجابية في وقت كانت تبدو ظلاماً مطلَقاً.

يتلقى قطعة إضافية من الخبز وبالكاد يمكنه تذوقها، ويفكر في الطريقة التي سيأكل بها. فجأة يجد وبشكل غير متوقع قطعة من منشار وهو قادر على تحويلها إلى سكاكين وكسب القليل من المال. إنه قادر على تجنب الحبس الانفرادي – وهذا فرح كبير. يجد إيفان دينيسوفيتش متعة في العمل. بادئ ذي بدء، يمكنه أن يدفئ نفسه عن طريق العمل، فلا يصل الصقيع إليه بشدة، وثانياً، إنه فلاح سابق يحب العمل، ويحب القيام بأعمال يجيدها. يحاول بطل القصة دائمًا أن يرى صفات إنسانية جيدة في كل مَن حوله. وهو يقدّر تقديراً عالياً دعم ومساندة رفاقه المساجين. حتى في السجن، في الحبس الانفرادي لا يفقد هذا الشخص الحياة، وكل يوم يجلب له السعادة.

ذهب مرة أحد الكهنة لزيارة الشيخ الأب نيقولاي غوريانوف وليخبره عن الأحزان والمشاكل التي يواجهها. استمع له الأب وقال له “افرح”، “ما هناك للفرح؟” فكّر الكاهن في نفسه. لكن الشيخ تابع: “افرح لأنك وُلدت، وافرح لأنك معمّد، وافرح لأنك في الإيمان الأرثوذكسي، وافرح لأنك ما زلت حياً!” هل أن قول الرسول بولس: “افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ. (1 تسالونيكي 16:5-18) هو صيغة السعادة؟ إنها القدرة على الفرح بالحياة، بالكون مع الله، وبشكره على كل ما يرسِل إلينا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “إذا حصل أمر حسن، بارك الله، وسوف يبقى حسناً. إذا حصل أمر سيء بارك الله، وسوف يتوقّف السوء. المجد لله على كل شيء”.

ليس علينا أن نعرف كيف نرى السعادة في حياتنا وحسب، بل علينا أيضاً أن نكون منتبهين من جهتها فلا نهدرها. هناك خرافة شرقية حول هذا الموضوع. سأل أحد الشباب أباه: “ما هي السعادة؟” فأرسله أبوه إلى رجل معروف بحكمته. فمضى الشاب إلى المعلّم الشهير متوقعاً إن يرى ناسكاً، فإذ بالرجل ثري يملك قصراً مملؤاً بالتحف الفنية. أتى الشاب إلى القصر وسأل الرجل الحكيم: “أيها المعلّم أخبرني ما هي السعادة”. فأعطاه المعلّم ملعقة صغيرة ملأها زيت زيتون وقال له: “تجوّل في قصري، انظر إلى كل الكنوز وأعمال الفن الجميلة في الداخل، وعندما تعود أخبرني ما رأيت. ولكن في هذا، تأكّد أن لا تهدر الزيت من الملعقة”. بعد قليل عاد الشاب وأخبر الرجل عن كل ما رآه، وأضاف بأنه أثناء تفرّجه على الكنوز، اندلق كل الزيت من ملعقته. فملأ الرجل الحكيم الملعقة من جديد بالزيت وكرر طلبه. عندما عاد الشاب سأله المعلّم عن ماذا رأى، فأجاب الشاب: “لم أستطع أن أرى أي شيء في قصرك لأني كنت منتبهاً ألا أسكب الزيت”. وفي الحقيقة أعاد الملعقة لا ينقص منها أي نقطة. فقال له الرجل الحكيم: “السعادة هي في هذا. في أن تكون قادراً على الحفاظ على الهبة التي تملك ولا تضيعها”. هذه القصة تخبرنا أنه في النظر إلى الثروة والجمال اللذين ليسا ملكيتنا، واللذين لم يُعطيا لنا، فلن نعجز عن رؤيتهما بوضوح وحسب، بل سوف نخسر ما نملك”.

بعض الناس (وهناك الكثير منهم) يقضون حياتهم راكضين وراء عصفور السعادة، المثال الذي لا يُبلَغ إليه، طالبين السعادة في زواج، ثمّ في زواج ثانٍ، ثم ثالث، حيث يخيبون ومن ثم يقعون في الحب مجدداً. إنهم يعبرون بسعادتهم وتعبر الحياة بهم. هؤلاء غير سعيدين بعمق…

في الحديث عن السعادة عامة والسعادة العائلية بشكل خاص، يستحيل عدم التوقف عند موضوع المحبة، لأن المحبة والسعادة أختان. هذان الأمران مرتبطان ببعضهما. قال أحد الحكماء: “السعادة لا تعني أنك أنت سعيد، بل أن تجعل الناس سعداء”. يمكن توسيع هذه الفكرة: “كل مَن يجعل الآخرين سعداء هو نفسه يكون سعيداً”. في النهاية، إمكانية المحبة، منح السعادة للآخرين، هي تجلٍّ لصورة الله فينا. بهذا نجعل أنفسنا على شبه الله نفسه. الرب يخلق العالم والإنسان من محبته بالذات. لا يستطيع الله إلا أن يسكب محبته ويهتمّ بالبشر لأنه هو نفسه المحبة.

وبالطبع الشخص الوحيد السعيد فعلاً هو الشخص الذي يعرف كيف يحبّ ويمنح المحبة والسعادة للآخرين. تقول إحدى الحكَم الشعبية: “الإنسان هو صانع سعادته”. للوهلة الأولى يبدو هذا الكلام متغرطساً بعض الشيء، لكن إن فكّرت به، فهو لا يتعارض مع المسيحية. بالنهاية، تتوقّف السعادة بشكل مباشر على علاقتنا بالواقع، على كيف نبني حياتنا، ونرتبط بالآخرين، ونقدّر كلّ ما يرسله الله إلينا.