ماريَّا قباره

يبدو لنا بولس الرسول للوهلة الأولى، رجل متناقض عبر نصوصه المتعلّقة بالمرأة. فهو من جهة، يُعيد المرأة، التي عزَّز يسوع دورها الاجتماعيّ، إلى الوراء، مكتسبًا بلا منازع صفة مناهضها، وقد أصبحت هذه الصفة ملازمة لشخصه (1كورنثوس 11، 14). وهو من جهة ثانية، المناصر الأول للمساواة الاجتماعيّة. فما أن نطمئن إلى غلاطية (28:3) وإعلان نهاية التمييز الاجتماعيّ والدينيّ الذي كان يفرّق بين الرجل والمرأة – ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، حتّى يفاجئنا بولس بالقول: “لتصمت النساء في الكنيسة” (1كورنثوس 34:14)، وبالتأكيد على أنَّ “الرجل هو رأس المرأة” (1كورنثوس 2:11-16).

فمن هو بولس الرسول؟ هل هو قائد مسيرة تحرير المرأة أم أنَّه سيّد المحافظين الأول؟ وهل يكفي قوله: “لتصمت النساء في الكنيسة” كي يكون ألدّ أعداء المرأة؟ أم هل يمكننا أن ننسب إليه ازدواجيّة في مبادئه الأخلاقيّة، بحيث نتلمس جوهر إيمانه في غلاطية (28:3)؛ ونكتشف ميوله الرافضة للمرأة في 1كورنثوس (14)؟ أم أنّنا نستطيع أن نُعيد ما ورد في الرسالة إلى أهل غلاطية (28:3) إلى ثقافته اليونانيّة، وما ورد في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (14) إلى بيئته اليهوديّة؟

لا بدَّ لقارئ نصوص بولس من التوقف أمام التناقض في ما يتعلّق بموقفه من المرأة. ويبدو هذا التناقض من قراءة سطحية قد تقود إلى التساؤل عن تلك المواقف التي تبدو للقراءة الأولى مختلفة عمّا ينادي به بولس الرسول في المساواة بين الجنسين.

غير أنَّنا، قبل البدء في قراءة النصوص واستخلاص فكر بولس ونظرته إلى المرأة، لا بدَّ لنا من توضيح بعض النقاط الأساسيّة في قراءتنا نصوصه الكتابيّة هذه. أوّلاً، علينا الانتباه إلى المساحة الزمنيّة والاجتماعيّة التي تفصلنا عن نصوص العهد الجديد والتي تعود إلى ألفي سنة تقريبًا. ثانيًا، علينا الانتباه إلى اختلاف ثقافة عصرنا الحاليّ ومبادئه وقوانينه عن ثقافة عصر بولس ومبادئه وقوانينه.

بولس الرسول وحضارة عصره

كان بولس الرسول أو “رسول الأمم” مواطنًا يهوديًّا من مدينة طرسوس بآسيا الصغرى، وهي مدينة غير دينيّة من أعمال كيليكية (Cilicia) (أعمال 39:21). وكان يلمُّ إلمامًا تامًّا باللغة اليونانيّة، وقد اكتسب المواطنة الرومانيّة بحقّ المولد. وما عاد ثمّة شكّ في أنَّه تلقى تعليمه في المنزل قبل أن يسافر إلى أورشليم ليجلس بين يدي الحاخام غمالائيل (Gamalil). ما يعني أنَّه، عندما ذهب إلى أورشليم، جمع في شخصه وفي ثقافته تراث اليهود والهيللينيّين.

كان بولس، أيضًا، حبرًا من أحبار اليهود، تربّى في مدارسهم وتشبَّع من مبادئهم وعاداتهم، وحفظ طقوسهم وشعائرهم حتى قبل أن يصبح تلميذًا للحكيم الفريسيّ غمالائيل الذي واظب على دروسه في أورشليم طيلة خمسة عشر عامًا.

يشهد المؤرّخون والآباء على أنَّ القدّيس بولس، رغم ثقافته اللاهوتيّة والفلسفيّة، ورغم عبقريته كرسول للأمم، قد دفع ضريبةً لحضارة زمانه. يورد المطران جورج خضر في مداخلة له في برنامج المرأة لمجلس كنائس الشرق الأوسط، رأيًا للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يتعلّق بارتباط بولس الرسول بثقافة عصره، فيقول: “يشهد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم في أواخر القرن الرابع، مع قسوته في الحديث عن المرأة، أنَّ بولس كان على شيء من حضارة عصره. يوحنّا الذهبيّ الفم رأى أنَّ كلام بولس مرتبط بترتيب حضاري”[1].

تأثّر الرسول بولس إذًا وهو يهوديّ المنشأ، بالتبعيّة التي كان يتميّز بها وضع المرأة كما حددّته الأعراف اليهوديّة التي ذكرناها أعلاه. غير أنَّه في الوقت عينه تحرّر بفضل رسالة الإنجيل من وطأة الأعراف اليهوديّة. لذا نراه، على صعيد المبادئ، يعلن المساواة الأساسيّة القائمة بين الرجل بالمرأة في المسيح، كما يعلن مساواة الحرّ بالعبد، والبربريّ باليونانيّ، (غلاطية 28:3؛ كولوسي 11:3). ويطبق المبدأ ذاته على الزواج، مشيرًا إلى التساوي الكامل بين الزوجين في الحقوق والواجبات (1كورنثوس 3:7-5، 10-16)[2].

لكنَّ بولس لا يبدو منسجمًا بالكليّة مع المبادئ التي أعلنها. ولعلَّ التقاليد، التي تربّى عليها والّتي سادت محيطه، لا تزال تشدّه إليها وتقاوم في نفسه جدّة الإنجيل. فإنَّه، وبحسب قوله، كان يحمل الكنز في وعاء خزفي (2 كورنثوس7:4)، لذا نراه، في ما يتعلّق بالمرأة، متجاذبًا بين الموقف الجديد والموقف العتيق. فهو، مثلاً، يجاري محيطه بتوجيه المرأة نحو الخضوع لزوجها (أفسس 22:5؛ كولوسي 18:3)، لكنَّه يجعل من هذا الخضوع خضوع حبّ، لا خضوع عبوديّة، على غرار خضوع الكنيسة للمسيح “لأنَّ الرجل هو رأس المرأة كما أنّ المسيح أيضًا رأس الكنيسة، وهو مخلّص الجسد” (أفسس 23:5-24).

ولكن “كما تخضع الكنيسة للمسيح، كذلك النساء لرجالهنَّ في كلِّ شيء” (أفسس 23:5-24). يثبت بولس، على سبيل المثال، رئاسة الرجل في بيته، وهي رئاسة نادى بها المجتمع الأبويّ الذي عاش فيه. لكنَّه، في الوقت عينه، يدعو الرجل إلى أن يحوّل جذريًّا معنى السيادة هذه بأن يجعلها سيادة محبّة على طريقة محبّة المسيح للكنيسة. غير أنَّه، في المقطع الذي نحن بصدده (أفسس 22:5)، يبدو وكأنَّه تراجع إلى مستوى الأفكار والعادات اليهوديّة، وغاب عنه أنَّ كلّ شيء بالمسيح قد صار جديدًا كما أعلن هو نفسه في غلاطية (15:6). لكنَّه سرعان ما يستدرك، في الأسطر اللاحقة، إذ يعود إلى مبدأ المساواة بين الجنسين في الربّ. يكتب بولس قائلاً: “إلاَّ أنّه لا تكون المرأة في الربّ بلا الرجل ولا الرجل بلا المرأة، فإذا كانت المرأة استُلت من الرجل، فالرجل تلده المرأة، وكلّ شيء يأتي من الله” (1كورنثوس 11:11-12)[3].

لذا، شكَّلت نصوص بولس عند الكثيرين نقطة عثرة وجب تجاوزها، علمًا أنَّ الأدب المسيحيّ يراها كعمقٍ يجب سبر غوره بغية إيجاد لؤلؤته الحقيقيّة. ففي حين تساعد نصوص العهد الجديد وتعاليم وأفعال يسوع المسيح وحياة الجماعة المسيحيّة الأولى، كما تتبدّى في سفر أعمال الرسل، وقصص النساء اللواتي برزن في الأدب المسيحيّ في توضيح نظرة بولس الاسختولوجيّة لدور المرأة في الخلاص، تبقى نصوصه ترمي بعض الارتباك عند قارئيها، فيختلف المفسّرون في تأويلها وتتغاير وجهات نظرهم فيما يتعلّق بصورة المرأة فيها. ولعلَّ هذه العقدة تشكّل بالنهاية مفتاح حلّ المسألة، إذ يظهر عنده بعض التضارب والتناقض حول موقع المرأة في حياة الكنيسة. هذا التضارب خلق التباسًا حول ما كان بولس الرسول يريد التعبير عنه بالضبط. فهو، تارةً، يعتبر المرأة معلّمة للرجل، وطورًا، يدعوها رسولة وشمَّاسة (رومية 1:16)، وطورًا آخر، يأمرها بالصمت في الكنيسة (1كورنثوس 34:14).

إنَّ أقسى العبارات المتعلّقة بالمرأة وُجدت في رسائل بولس الرسول، وأنَّ أكبر عدد للنساء العاملات في خدمة الكنيسة ورد كذلك ذكرهنَّ في رسائله. وقد وصلَ به الأمر مرات عديدة إلى تفضيله النساء على الرجال وإعطائهنَّ سلطة عليهم، وهذا توضَّح في سلامه، أوّلاً، في الرسالة إلى أهل رومية على بريسكيلا ومن ثمّ على زوجها أكيلا (رومية 2:16).

رؤية بولس الرسول إلى الإنسان

بغية فهم رؤية بولس للإنسان ولصورة المرأة تحديدًا، يجب علينا هَهنا أن نطرح بإيجاز مسألة أساسيّة في الفكر المسيحيّ تتضح بالذات في كتابات هذا الرسول. ولعلَّ هذه المسألة تنحصر في التناقض القائم بين العالم الساقط وبين عالم الأصل، ليس من وجهة نظر أفلاطونيّة، بل من مبدأ اسختولوجيّ مسيحيّ.

لقد قلنا أعلاه إنَّ المسيحيّة تنظر إلى حالة عالمنا الراهن، على أنَّها حالة غير طبيعيّة. كما أنَّها تنظر إلى التدبير الإلهيّ كمحاولة لاقتلاعنا من هذه الحالة، ناظرةً إلى الأمور من منظار اسختولوجيّ على رجاء التقرّب من العالم الحقيقيّ المنشود. فالكنيسة تميّز بين الواقع والمطلوب، بين الراهن والآتي، بين الحالة الطبيعيّة والحالة تحت- الطبيعيّة، بين اللاهوت والمجتمع، بين الفكر والتنفيذ. هذا التمييز لا يعني فصلاً، بل يدعو إلى تسليط الضوء على مسؤوليّة المسيحيّين في خلق المجتمع المسيحيّ الذي يعمل على إلغاء التوّتر الحاصل بين الواقع والدعوة. وهذا الفارق ينعكس على وضع المرأة كما الرجل. ونحن نتناوله ههنا على صعيد وضع المرأة.

لقد قلنا إنَّه من أهم المواضيع الرئيسة في رسائل بولس الرسول موضوع صراع الجسد والروح، وعن هذا الأمر يفسّر المطران بولس يازجي في كتابه باللغة اليونانيّة “الاسختولوجيا والأخلاق”[4] نورد منه بإيجاز، حيث يقول: “قد أساء العديد من المفسرين الحديثين فهم رؤية بولس في الصراع القائم بين الجسد والروح، لدرجة اتهام بولس بانفصام أنثروبولجيّته عندما يقول: “لستُ أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإيَّاه أفعل” (رومية 15:7). ويصلّي لمن ينقذه “من جسد الموت هذا”، وهو يقمع جسده ويستعبده (1كورنثوس 27:9). فبحسب بولس “الجسد يشتهي ضدّ الروح، والروح ضدّ الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتّى تفعلون ما لا تريدون” (غلاطية 16:5-17)”[5].

إنَّ الجسد والروح عند بولس الرسول لا يعنيان البشرة والنفس الإنسانيّة وإنَّما لهما المعنى الخلقي. أيّ أنَّه يقصد بهذين المفهومَين السلوك الجسداني أو السلوك بحسب عالم الدعوة. لذلك حين يعدّد بولس الرسول أعمال الجسد يقول: “ظاهرة زنى، نجاسة، دعارة، عبادة وثن، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزّب…” (غلاطية 19:5-20). فإذا كان لدى البعض فكرة أنَّ الدعارة والزنى هما من أعمال الجسد، فهل عبادة الوثن والسحر وما يليهما، أيضًا، من أعمال الجسد؟[6].

ومن هذا المنظار يصبح ثمر الروح عند بولس الرسول “فرح وسلام وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان وكذلك وداعة وتعفّف” (غلاطية 22:5). فالصراع إذًا هو بين واقع يسمّى بحسب الجسد؛ عالم ساقط أو عالم خطيئة، وبين الدعوة المسمّاة الروح أو العالم المطلوب أو عالم الملكوت[7].

وبالتالي نجد ممَّا سبق، أنَّ وضع المرأة عند بولس يخضع، تمامًا، كوضع الرجل، لهذه الرؤية. ومنها سننطلق إلى طرح الحلول المسيحيّة مقارنة بالحلّ الإنسانيّ والاجتماعيّ لوضع المرأة عند بولس الرسول.

التناقضات الظاهرية في بعض آيات بولس الرسول في ما يتعلّق بصورة المرأة

يمكننا أن نشرح رأي بولس في ما يتعلّق بصورة المرأة بحسب الأدب المسيحيّ مرتكزين إلى ثلاث نقاط رئيسة:

  1. التناقضات الظاهرية في بعض آيات رسائل القدّيس بولس.
  2. نصّه الشهير في بريسكيلا وأكيلا ونصّه حول المرأة المؤمنة والرجل الوثنيّ.
  3. النصّ المعروف في الإصحاح الخامس من رسالته إلى أهل أفسس عن السيادة بالعلاقة بين الرجل والمرأة في الزواج.

أولاً: التناقضات الظاهرية في بعض آيات رسائل القدّيس بولس

نورد أدناه شواهد من الرسائل تظهر تناقضات بولس الرسول المتعلّقة بالمرأة

يقول الرسول: “على المرأة أن تتعلّم بسكوت في كلِّ خضوع ولا يأذن لها أن تعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت. لأنَّ آدم جُبل أولاً ثمّ حواء. وآدم لم يُغوَ لكن المرأة أُغويت فحصلت في التعدّي” (1تيموثاوس 11:2-14)

“ويجب على النساء أن يصمتن في الكنائس لأنَّه ليس مأذون لهنَّ أن يتكلمنَّ بل يخضعن كما يقول الناموس، ولكن إن كنَّ يردنَ أن يتعلّمنَ شيئًا فليسألنَ رجالهنَّ في البيت لأنَّه قبيح بالنساء أن تتكلّم في الكنيسة. الله ليس إله تشويش بل إله سلام” (1كورنثوس 32:14-36).

يطلب بولس من المرأة بشدّة أن “تغطي رأسها عندما تصلّي أو تتنبّأ” (1كورنثوس 5:11)

غير أنَّه في الوقت عينه يكتب معطيًا إيّاها دورًا قياديًّا مميّزًا

ففي رسائله يصف العمل الرسوليّ الذي كانت تقوم به نساء عديدات، كعمل فيبي، شمّاسة كنخرية (رومية 1:16)، والتي قد كلّفت بحمل رسالته إلى مسيحيّي رومية. ويصف بولس كذلك بإيجابيّة ملفتة عمل مريم التي يقول عنها أنَّها “أجهد تنفسها في سبيلهم كثيرًا” (رومية 6:16). ولاحقًا، يكرّر القول نفسه عن طروفانيا وطروفوسة، إذ يذكر أنَّهما “أجهدتا نفسيهما في الربّ” (رومية 12:16). وفعل “أجهد” يشير في لغة بولس إلى النشاط الرسوليّ. ففي رسالته إلى مسيحيّي فيليبي، يشهد لأفودية وسُنتيخة قائلاً: “إنَّهما جاهدتا معي في سبيل البشارة” (فيليبي 2:4-3).

ويورد بولس في رسائله كذلك أقوالاً إيجابيّة عن المرأة. ففي 1كورنثوس 5:11، ها هي المرأة تتنبأ وتصلّي أيّ أنَّها تؤدّي وتقود الصلاة. يكتب الرسول قائلاً: “الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الربّ، لأنّه كما أنَّ المرأة هي من الرجل هكذا الرجل، أيضًا، هو بالمرأة” (1كورنثوس 11:11). ويضيف “والحدثات عليهنَّ أن يكنَّ محبّات لرجالهنَّ (…) خاضعات لهم لكي لا يجدّف على كلمة الله” (تيموثاوس 4:5). وها هو يعبّر كذلك في كلماته الشهيرة برسالته إلى غلاطية عن أهمية دور المرأة وعمق إيمانها، إذ نقرأ “لأنّكم كلّكم الذين اعتمدتم بالمسيح المسيح قد لبستم، ليسَ يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر ولا أنثى لأنَّكم جميعًا واحد في المسيح” (غلاطية 27:3-28).

إنَّ هذا التناقض البولسيّ تجاه المرأة، والمعبّر عنه في عبارات قاسية وفي مواقف صارمة أو في رحابة إنسانيّة تعطيها مكانة مميزة تطرح علينا السؤال الآتي: ما سبب هذا التناقض؟

يبدو أنَّ هذا التناقض يشير إلى أنَّ بولس كان صارمًا في ما يتعلّق باحترام العادات الاجتماعيّة السائدة، لا سيّما تلك المتعلّقة بالعبادة والعمل الكنسيّ. ولعلَّ مبرّر صرامته، “لكيّ لا يجدَّف على كلمة الله” ( تيطس 2:2-6؛ 1 تيموثاوس 9:2-15؛ 1 بطرس 1:1)، من مجتمع لا يسمح آنذاك بغير هذه العادات. هذا يعني أنَّ بولس الرسول كان متشدّدًا في ما يتعلّق بالإيمان، ومتحفظًا بسبب من عادات المجتمع، حرصًا منه على الكلمة وبشارتها. لذا شكّل موقفه الصارم ردّ فعل على “تشييء” المرأة في المجتمع الرومانيّ وتحجيمها في صورة خليعة[8]. و يبدو لنا كذلك أنَّ قسوة الآيات البولسيّة التي تتحدّث عن المرأة كانت متأثرة إلى حدّ بعيد بمجتمع عصره.

ثانيًا: التناقضات الظاهرية في نصّه الشهير في بريسكيلاّ وأكيلا، ونصّ المرأة المؤمنة والرجل الوثني

من المواقف الأساسيّة التي توضح حقيقة فكر بولس المسيحيّ هو سلامه إلى بريسكيلا وأكيلا “تحيّة إلى بريسكيلا وأكيلا (…)”، وذكرهما كزوجَين في رسائله. وقد أورد الرسول ذكر بريسكيلا، كما أشرنا سابقًا[9]، قبل زوجها أكيلا في نصّه.

وفي كتاب أعمال الرسل (26:18)، يروي الكاتب قصّة اليهوديّ أبُلّوس الاسكندريّ، وهو رجل فصيح مقتدر في الكتب (…) لمَّا سمعه أكيلا وبرسيكيلا أخذاه “وشرحا له طريق الربّ بأكثر تدقيق” (2تيموثاوس 19:4). في تفسيره لهذا النصّ، يعتبر هارناك أنَّ الشخصيّة الأساسيّة في نصّ بولس إنّما هي بريسكيلا[10]. والذهبيّ الفم يؤكّد أنَّ المقصود بالمعلِّم هنا هو المرأة برسكيلا. لأنَّ بولس يعتبرها أولاً في رسائله، وهذا بيّن في سلامه: “سلّم على بريسكيلا ثمَّ على أكيلا والعاملين معه في المسيح” (رومية 2:16).

إذا قارنا مضمون (1تيموثاوس 12:2) مع (1كورنثوس 13:7-16) حيث، أولاً، يمنع بولس المرأة من التعليم، ثمّ ثانيًا، يسمح للمرأة المؤمنة المتزوجة من رجل وثني أن تبقى معه وتعلّمه لتخلّصه، نجد أنَّ هاتين الآيتين تبيّنان لنا أنّ بولس، وحسب توضيح الذهبيّ الفم في تفسيره للآية “وشرحا له طريق الربّ بأكثر تدقيق” (2تيموثاوس 19:4)، “يطلب من المرأة أن توجّه زوجها وتعلّمه، إذ إنّها سيّدة البيت”[11]. هذا يعني أنَّ الزوجة المؤمنة تستعيد تدريجًا السيادة والحريّة حين أضاع زوجها الإيمان والسيادة.

يتضح لنا مما تقدَّم، وعبر مثال بريسكيلا مع أبولّس؛ ومثال المرأة المؤمنة مع الرجل الوثنيّ، أنَّ بولس، وبحسب تفسير الذهبيّ الفم، يعطي أحيانًا السلطة والسيادة والتعليم للمرأة (1كورنثوس 4:7).

ثالثًا: السيادة بالعلاقة بين الرجل والمرأة في الزواج (أفسس 24:5-26)

قلنا إنَّ الرسول بولس يأخذ بعين الاعتبار القيود الاجتماعيّة السائدة في عصره. فتارةً يحظر على المرأة التعليم والتكلّم في الكنيسة، وطورًا يسمح لها بنعمة الإيمان أن تعلّم وتتنبأ.

ففي أفسس (24:5-26) يحدّد الرسول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، قائلاً أنَّ الرجل هو رأس المرأة كما المسيح هو رأس الكنيسة. لا يعني بولس بهذا القول أنَّ الرأس يفيد السلطان أو السيادة، بل أنَّه على الرجال أن يحبُّوا “نساءهم كما أحبَّ المسيح الكنيسة وأسلم ذاته…” (أفسس 24:5-26).

يعلّق الذهبيّ الفم، أيضًا، على هذا النصّ بالقول أنَّ بولس يبدو ههنا أكثر تطلّبًا من الرجل منه من المرأة. فإن كان وقع كلمة طاعة على مسامعنا أقوى من كلمة محبّة، إلاّ أنّنا نعرف كلّنا ماذا تعني محبّة المسيح للكنيسة. فبحسب الذهبيّ الفم “إنَّ الطاعة الكاملة عند المرأة تترافق مع المحبّة الكاملة، أيّ محبّة المسيح للكنيسة عند الرجل. وبما أنَّ الرجل يسير مع المرأة فعندما تطيع المرأة (كعبدة) من يعبدها حبًّا تصير هي سيدته. فالمحبّة حتى البذل تلغي الاستغلال والتعالي، ويلزمها الطاعة. والطاعة الكاملة، أيضًا، تلغي التعالي والاستغلال، ويلزمها المحبّة الكاملة. فالمحبّة حصن للطاعة، والطاعة حماية للمحبّة. والمحبّة بالطاعة ممكنة، والطاعة بالمحبّة مهمّة”[12].

ويتضح من قراءة الفكرة كاملة، أنّ الرسول يطلب خضوع المرأة “في كلّ شيء” لرجلها الذي يبذل ذاته من أجلها، كما المسيح بذل ذاته من أجل الكنيسة. والرجل يبذل ذاته وينصلب عندما يتخطّى أهواءه وأنانيّته ومشيئته الذاتيّة. فالمحبة حسب مثال المسيح التي يطلبها الرسول من الرجل تكون يإخلاء الذات، وهي تنأى بذاتها عن ميل الاستملاك والتنافس[13].

يقتدي الرسول بولس بجرأة الرب يسوع المسيح في معاملته المرأة بمساواة مع الرجل ومخاطبتها بالإنجيل متخطّيًا العوائق الاجتماعية التي كانت سائدة في العالمين اليهودي واليوناني. فبحسب ما كتبه في غلاطية 28:3 ” لَيْسَ يَهوديٌّ ولا يونَانيٌّ. ليس عبد ولا حرٌّ. ليس ذكرٌ وأنثى، لأنّكم جميعًا واحدٌ في المسيح يسوع”، أعطى الرسول بولس المرأة مقامًا في الكنيسة مساويًا للرجل، وعلّم بأنّها عضوٌ كاملٌ في الجماعة الكنسيّة شأنها شأن الرجل[14].

نستنتج إذًا ممّا سبق:

إنَّ السيادة مرتبطة بالإيمان بدلاً من الجنس. وقد دخلت لأسباب خلاصيّة ولغاية ضمان المحبّة والارتباط الحميم الذي مزقه السقوط.

إنَّ الرسول، كرجل عمليّ، يعي الفوارق المفروضة على الإيمان في المجتمع. لكنَّه يعي، أيضًا، في العقيدة، أنَّ الدعوة هي ذاتها للجنسين. لذا نراه يميّز بين وضع المرأة ودورها اجتماعيًّا وبين طبيعتها ودعوتها الإيمانيّة.

[1] المطران جورج خضر، “رؤياي في المرأة”، في “المرأة في اللاهوت الكنسيّ”، برنامج المرأة مجلس كنائس الشرق الأوسط، بيروت، 1980، ص 22.

[2] كوستي بندلي، “المرأة في موقعها ومرتجاها”، بيروت، منشورات النور، 2000، ص 117.

[3] المرجع نفسه، ص 117- 118.

[4] راجع باللغة اليونانيّة: Παύλου, Ιεροδ Yazigi, Εσχατολογία kαι Ηθική, Η εσχατολογική θεµελίωση της εν Χριστώ ζωής κατά τον άγιο Ιωάννη τον Χρυσόστοµο, ∆ιατριβή επί διδακτορία, Θεσσαλονίκη 1992.

راجع أيضًا، المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، مكتبة الحكمة، منشورات حلب، 2008، ص 223.

[5] Ibid, P. 88-103.

[6] المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، مكتبة الحكمة، منشورات حلب، 2008، ص 220.

[7] المرجع نفسه، ص 220.

[8] كوستي بندلي، ص 102.

[9] أعمال الرسل 2:18- 26، رومية 3:16، 1كورنثوس 19:16، 2تيموثاوس 19:4.

[10] Θρησκευτική και Ηθική Εγκυκλοπαίδεια, τόµ.∆’, Εκδότης Αθ. Μαρτίνος, Αθήναι, 1962-1968, σ.861.

[11] راجع باللغة اليونانيّة: Χρυσοστόµου, Εις το δια δετας πορνείας 3, PG 51, 212. Εις Γεν. Λόγος 5, 11, PG 54, 600.

راجع أيضًا، المطران بولس يازجي، عنصرة العصرنة بلسمة العصر الجريح، ص 227.

[12] انظر باللغة اليونانيّة:

Χρυσοστόµου, Εις Εφ.Οµ., 20, 4, PG 140-1, Αναλυτικό τεραγιατις θέσεις του Χρυσοστόµου.

انظر، أيضًا:

Παύλου, Ιεροδ Yazigi,Εσχατολογία και Ηθική, Η εσχατολογική θεµελίωση της εν Χριστώ Ζωής κατά τον άγιο Ιωάννη τον Χρυσόστοµο, ∆ιατριβή επί διδακτορία, Θεσσαλονίκη, 1992, σ. 229-324.

[13] الأرشمندريت يعقوب خليل،” كيف يكون الخضوع للآخر في الزواج، مقال منشور، http://www.jkhalil.com/index.php/publications/319-2013-12-08-22-38-24

[14] المرجع السابق.