الخورية سميرة عوض ملكي

صحيح أنّ الله لم يشأ أن ينتدب امرأة لكتابة الكتاب المقدّس أو أن يختار منهن رسلاً مع أنّه كان محاطاً بنساء لم يكنّ أقلّ من الاثني عشر تلميذاً في المحبة والتكريس لخدمته والتبشير بتعاليمه. لكن الجدير بالانتباه أنّ عدداً من أسمى الترانيم في كلمة الله قد انسكبت من شفاه نساء مكرّسات وقدّيسات. فنشائد مريم أخت موسى وكذلك ديبورة وحنّة أمّ صموئيل ومريم أمّ يسوع تؤلّف كنزاً روحياً ثميناً.

نأخذ من بين تلك النشائد نشيد حنّة النبيّة الذي ورد في سفر صموئيل الأول الإصحاح الثاني. وتًعتبر قصة حنّة من القصص الكتابية في العهد القديم التي سجّلت تأثيراً على التقاليد المدوّنة إن كان بالقلم أو بالريشة في الشرق والغرب المسيحيَين. فالرسّام البارع يشوع رينولدز، على سبيل المثال، منها استوحى لوحته الشهيرة “صموئيل الصغير” وهو يصلّي.

ثمّة تفاسير عديدة كُتبَت عن هذا المشهد العميق ولعلّ أهمها تلك التي رأت فيها قصة نادرة في تصوير طباع الناس وغرائزهم وعرض بديع لإدراك أخلاقهم الخفيّة وذلك من خلال الأشخاص الملتفّين حول حنّة الحزينة ذات النفس المرّة التي كانت تسكب نفسها أمام الربّ بصمت وإيمان عميق إلا أن صلاتها الداخلية كانت صراخاً أمام الله.

مبدأ برئيس الكهنة عالي الذي ظنّ وشكّ بحنّة أنها سكرى (1صمو13:1) ، مع أنه يعلم أنّ السكارى يضجّون عكس ما كانت حنّة تفعله. إن هذا الظنّ يعبّر عن النفس القاسية لا لأن القسوة من طباعها بل لأنّها رغم ما قد تشتمل عليه من حبّ وعطف، إلا إنها تعوزها العين البصيرة المدرِكة لمنابع الألم وأعماقه، لهذا هو لم يميّز بين السكارى والمصلّين الحقيقيين. لكن ردّ حنّة الوديع كان سبب بركة لها ودعوة رئيس الكهنة لها واستجابة الرب لطلبتها.

أمّا فننة ضرّتها التي كانت تغيظها دائماً لعقرها، فقد بدت في صورة النفس البشرية الوضيعة الساخرة التي أضافت إلى حزن حنّة حزناً أكبر. وهي بعملها هذا تؤلِم الخالق والمخلوق معاً. تعيّر الخالق وتهين المخلوق. فكيف يكون هذا؟

نأخذ على سبيل المثال ولداً يتلعثم في نطقه ولسانه متعثّر، فتخرج الكلمات من فمه متقلّبه، فنضحك عليه وعلى كلماته. ألا يكون ذلك استهزاءً بالذي خلقه؟ أضاعت فننة بفعلتها هذه الرسالة التي وضعها الله أمامها وهي رسالة تشجيع المحروم، إعانة المعوَز وعضد الباكي… فمع أنها كانت تذهب مع زوجها كل سنة إلى شيلوه (المعبد) ولم تتغيّب البتّة ليسجدوا ويذبحوا لرب الجنود (1صمو3:1-4)، لم تتوانَ لحظة عن إغاظة حنّة ضرّتها. فلا يظنّ أحدٌ أن الذهاب إلى الكنيسة يصنع قديسين.

فلمَن تذهب هذه المرأة لتصلّي؟ كيف تستطيع أن تقترب من الإله العليّ؟ كيف سيقبل الربّ على مذبحه ذبيحة امرأة تتمتّع نفسها بألم وحرمان الآخرين؟

لنتأمّل لو أنّ فننة فعلت العكس، أي أنها كانت تصلّي وتشكر الله على النعم التي حُرِم منها كثيرون وأنّ بنيها وبناتها ليسوا سوى فضل النعمة المتنازلة السابغة عليها. لنتخيّل لو أنّها أتت هي وأولادها عند قدمي الله وصرخت لما أنا يا ربّ؟ لماذا خصصتني بهذه النعمة وأنا أصغر بني جنسي؟

إن الإحساس بالشكر يزداد عندنا متى كانت لنا عيون مبصرة تدرك ظروفنا وظروف الآخرين. عندما تشكر الله على صحتك بين المرضى، وعلى شبعك ساعة الجوع، وعلى خيرك حين ترى الشقاء والألم والحرمان والمذلة يتربّصون بملايين البشر.

لو ذكرَت هذا لعرفَت كيف تحمد الله وأن يتّسع قلبها فتدرك أن الله إذ يمنحها فليس لأجل استحقاقها ولا لأنها أفضل من حنّة بل لأجل جوده وصلاحه هو. أو أنها صلّت إلى الله قائلة: اغفر لي يا ربّ، لأنني لم أحبس في فمي صيحة الفرح والابتهاج وأختي أمامي متألّمة ودامعة أو قالت يا رب اعطِ لها ما أعطيتني…

لو فعلت فننة هذا لأضحت صلواتها مزامير وتراتيل خالدة في مسمع الله والإنسان كما أصبح نشيد حنّة في صلواتنا الليتورجية (كاطافاسيات السحر)، بمقابل نشيد والدة الإله (لو47:1-55). هكذا انكسرت فننة المتشامخة فتحطّمت قسيها، ذبلت بالرغم من إنجابها البنين، فقدت الحياة وصارت كَمَن هبط إلى الهاوية. افتقرت وانحطت إلى التراب (1صمو5:2-7). على عكس حنة التي تمنطقت قوة من يد الله بروح الاتضاع وشبعت بعد الجوع، وأنجبت الكثيرين بعد العقر، تمتّعت بالحياة بعد أن كانت ميتة، رفعها الله وأغناها ووهبها كرامة، ولا جعل رجلها تزلّ (2صمو9:2، مزمور 13:12) لأن لا شيء يجعل الرِجل تزلّ وتسقط إلا الكبرياء. بينما المحبة تحرك للسير والتقدم والصعود.

وهكذا إن حنة في موقفها من الألم درس إلهي وإنساني رائع، فهي لم تفتح فمها لتدين ضرّتها بل لتسبّح بخلاص الله إذ تقول: “الرب رفع قرن مسيحه، الربّ يدين أقاصي الأرض” (1صمو 10:2). إن انفتاح لسان حنّة الداخلي وبصيرتها الروحية وتجاربها العميقة مع عمل الله حمل انعكاسات على ابنها صموئيل الذي سمع صوت الرب الهادئ في الهيكل دون أن يسمعه عالي رئيس الكهنة.لقد أرضعت ابنها حياة التجاوب مع عمل الله ومع دعوته وكلامه. الأمر الذي يُحرَم منه الكثير من أبنائنا لسبب انغلاق قلب الوالدين وعمى بصيرتهم الداخلية وثقل لسانهم من الحديث مع الله والتسبيح له. بدأت حنة تسبحتها بإعلان فرحها لا لمجرد نوالها “صموئيل” كعطية وإنما لتمتعها بواهب العطية نفسها إذ تقول: “فرح قلبي بالرب”. لقد امتلأت أعماقها الداخلية بالله نفسه مصدر الفرح، وكما يقول الرسول بولس: “أمّا ثمر الروح فهو محبةٌ وفرحٌ…” (غلا22:5).

هذا الفرح الداخلي يهب للنفس قوة فلا تخور تحت أي ظرف أذ تقول “ارتفع قرني بالرب”. واستخدام القرن (قرن الثور) ككناية عن القوة يعتبر شائعاً في الأدب العبري. ثم تضيف “ليس قدوس مثل الرب”. إن كان الله هو وحده القدوس فقد جاء كلمة الله المتجسد القدوس (لو49:1) ليضمّنا إليه فنحمل حياة القداسة فينا.

* عن نشرة الكرمة