القديس يوستينوس بوبوفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نحن البشر نجد أنفسنا على الطريق بين الجنة والجحيم، بين الله والشيطان. كل أفكارنا وتأملاتنا، وكل مشاعرنا، تجعل النفس أقرب إلى الجنة أو الجحيم. إذا كانت إحدى الأفكار أو التأملات عقلانية (أي من الله) وتوصلنا إلى كلمة الله، الذي هو أسمى من الفهم والإدراك، فهذه هي الجنة بالنسبة لنا. أما إذا كان الفكر يفتقر إلى كلمة الله ولا يتفق معه، فإنه يقودنا حتماً إلى العبثية والحماقة، أي إلى الشيطان، وهذا بالفعل هو الجحيم. ما ينطبق على الأفكار ينطبق أيضاً على المشاعر. لذا، بالنسبة لنا، كل شيء يبدأ هنا على الأرض، الجنة أو الجحيم. إن حياتنا على هذا الكوكب هي دراما هائلة: طوال الوقت يتصادم العابر مع الأبدي، الفاني مع الخالد، الخير مع الشر، ما للشيطان مع ما لله.

إن الفكر الإنساني يكون لعنة عندما لا يكون هناك رغبة في تحويله إلى صلاة، أو لجعله كاملاً بالصلاة. لا يمكن تصوّر وجود فكر لا يتحول إلى عجب وتوق صلاتيين في وجه أسرار الكون. لا يوجد شيء أكثر روعة من فكر يسكب نفسه بشكل تلقائي لمرأى الكون الذي من الله.

في كل شيء دنيوي هناك شيء من السماوي. في كل شيء طبيعي هناك ما هو خارق للطبيعة. في حبة القمح، هناك جزء من السماء، لأنها حتى تُولَد يجب أن تكون قد استوعبت الضوء والحرارة ورياح السماوات بالفعل. هناك شيء من النجوم في كل شكل من أشكال الحياة النباتية، والمعادن، وكل الكائنات الحية، وعلى وجه الخصوص، في كل كائن بشري. كل شيء في هذا العالم الأرضي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعالم السماوي. إن القناة بين الطبيعة إلى ما فوق الطبيعة والعكس باطنية وغير قابلة للاختراق، وبالتالي لا يمكن إخضاعها لأي تقييم يتبع أصول التحقيق البشري. من خلال البروتونات والفوتونات غير المرئية، يتغلغل ما فوق الطبيعة بشكل سريّ في الطبيعة، ويجتاح المرئي غير المرئي. ومن خلال فوتونات الروح السريّة، تنفخ طاقات الكلمة الإلهية المضيئة في وجودنا البشري. لذلك لا توجد حدود مختومة بين ما فوق الطبيعة والطبيعي، بين المرئي وغير المرئي. في كل شيء أرضي، هناك قدر كبير من السماوي.

علينا أن نبني ونزرع فينا كل ما هو أبدي وإلهي بشري، لكي نطوّر حساً غير محدود وادراكاً للحياة الأبدية. في الواقع، هذا هو سبب أن الله الكلمة صار إنساناً: لكي يعلّمنا كيف نحقق الحياة الأبدية في هذا العالم الزائل. إيماننا ليس سوى كفاح دائم للحياة الأبدية، اعتراف حَسَن بالحياة الأبدية (1 تيم. 6 ، 12). الأرض هي ساحة معركة المعاناة من أجل الحياة الأبدية. هذه هي دعوتنا. إذا كنت تفكر بخلاف ذلك، فأنت لست من شعب المسيح.

المعرفة والإيمان! بين نبضات الاثنين، تعاني الروح البشرية من التجارب والمحن ما لا يُحصى. إذا كان هناك من شيء يشكّل جهداً للروح البشرية، فهو المعرفة ؛ لماذا لا يكون الإيمان كذلك؟ بالطبع هو كذلك. إنه مكان وجود أرواح محطمة لا تُحصى، ولكن هناك أيضاً ناجون. يتساوى المعرفة والإيمان بالشرعية بشكل منطقي. في جوهرها تستند المعرفة كلها على الإيمان. في حالة الإيمان، يكون ضميرنا صحيحاً وعقلانياً وطبيعياً وجديراً بثقتنا. نحن نقبل العالم بالطريقة التي تقدمه لنا وتمثله أعضاء المعرفة عندنا، وذلك لأننا نثق بمعرفتنا البشرية، التي بطبيعتها هي غير مرئية وغير ملموسة. الإيمان، كأداة للمعرفة، يدرك أنه، بالنسبة للمعرفة البشرية الملموسة، هو فوق التفكّر والتصوّر. له عينه التي ترى غير المرئي. وبطبيعة الحال، فإن مجالات رؤية الإيمان والمعرفة مقيدة على حد سواء: لا يمكن تصور ما هو فوق الإدراك. ومع ذلك ، فإنها لا تزال تشغل في الشهادةالروح التي تحتضن صيغة ترتليان للدين المتّقد: “Credo quia absurdum est” ، “أنا أؤمن لأنه لا معقول” ، أو بالأحرى “هو يسمو على العقل والإدراك”. إن معرفة الله بعيدة عن العقل لدرجة أنه في الغالب يبدو لا معقولاً.