الأب أنطوان ملكي

يعاني العالم الأرثوذكسي اليوم من تفكك عميق وعجز ينذران بأذى أكبر. هذا التفكك حذّر منه صاحب الغبطة بطريرك أنطاكية بقوله “لا يعقل أن ننهي إنشقاقاً على حساب وحدة الكنائس” في رسالته إلى البطريرك المسكوني مطلع هذا العام. تقتضي الدقّة قبل أن نخوض في تفاصيل موضوعنا أن نذكّر بأنّ أن الوضع في أوكرانيا لم يكن انشقاقاً بالمعنى الكنسي، لأن هناك كنيسة قانونية ومجموعتان الواحدة كانت منشقة إلى أن جُرِّد رئيسها وبالتالي فقدت كل الرباطات مع التسلسل الرسولي، أما الأخرى فليست حتّى من أصول كنسية. لهذا، فإن إصرار القسطنطينية على “توحيد” المجموعات الثلاث أمعن في شرذمة الكنيسة الحقيقية التي كانت تعاني أصلاً من ضغوطات سياسية وأمنية، تضاعفت بعد أن تمّ إعلان كنيسة أوكرانيا الجديدة من القسطنطينية.

يظهر التفكك الأرثوذكسي العمومي والذي ينذر بأخطار كبيرة من سلسلة أخبار من مختلف الكنائس. فلكي يكمّل البطريرك المسكوني ما بدأه، طلب من كافة الكنائس الاعتراف بالكنيسة التي أنشأها. هذا الطلب استدعى إما انعقاد مجامع هذه الكنائس أو إدراج هذه القضية على برامج المجامع للوصول إلى موقف واضح يتمّ التعبير عنه في رسالة إلى القسطنطينية.

الكنيسة الروسية هي الوحيدة التي رفضت الكنيسة المنشأة بشكل رسمي وبقرار من مجمعها. كنائس أنطاكية وصربيا وتشيكيا صدر كلام عن رؤسائها يقول بهذا الرفض ويبقى أن تصدر هذه القرارات عن مجامع هذه الكنائس. يبدو توجّه الكنيستين البلغارية والجورجية إلى رفض الاعتراف بالكنيسة المنشأة واضحاً، إلا إن جلسات مجمعيهما لن تكون هادئة، خاصة في جورجيا حيث التأثير الأميركي أقوى.

في اليونان انقسام واضح استدعى تأجيل مناقشة القضية إلى انعقاد المجمع العمومي الذي يضمّ أكثر من سبعين مطراناً. أيضاً جلسات هذا المجمع لن تكون هادئة، وسوف يظهر الانقسام بين مدرستي رئيس الأساقفة السابق خريستوذولوس (والكثيرون من أبنائه يسمّونه الشهيد) والمدرسة التي توالي القسطنطينية لأسباب قومية أو غيرها. ليس واضحاً إلامَ سوف تؤول الأمور، علماً بأن رئيس الأساقفة اليوناني ييرونيموس ميال بشخصه إلى عدم الاختلاف مع القسطنطينية، فيما الحكومة اليونانية الحالية “اليسارية” موالية لأميركا بشكل أعمى. مواقف الكنائس الأخرى الناطقة باليونانية ضبابية. ألبانيا واضح ميلها إلى السير مع القسطنطينية على الرغم من تحفظها على كل العملية. قبرص عبّرت بخفر عن توجهها نحو الرفض، دون أن يكون هذا موقفاً نهائياً وكررت الدعوة إلى انعقاد لقاء لرؤساء الكنائس. الاسكندرية زار بطريركها أوكرانيا معبراً عن تضامنه مع الكنيسة الأصلية في أيلول 2018، ولكن لم يصدر عنها أي موقف بعد إعلان الكنيسة الجديدة. أورشليم رفض بطريركها استقبال أي من إكليروس الكنيسة الجديدة مسمياً إياهم بالمنشقين، دون أن يصدر أي موقف نهائي عن المجمع.

تشير كل الأخبار إلى أن كنيسة رومانيا سائرة نحو قبول الكنيسة المنشأة. كنيسة فنلندا عبّرت عن أن الأمر شأن خارجي وبالتالي الموقف تأخذه القسطنطينية.

أما الأزمة الحقيقية فهي في ظهور التفكك جلياً في جبل اثوس الذي كان قبل ذلك صورة الوحدة الأرثوذكسية الفعلية في أعمق أشكالها. شرعياً يقع الجبل تحت سلطة البطريرك المسكوني الذي طلب من الجبل إرسال وفد إلى تنصيب رئيس الكنيسة المنشأة. اجتمع مجلس الجبل واتخذ قراراً بعدم المشاركة بوفد. هذا القرار لم يُتّخذ بالإجماع حيث أن 13 ديراً صوّتوا للمقاطعة فيما خمسة صوّتوا للمشاركة بغياب ديرين. من ثمّ قرر ديرا فاتوبيذي وكسينوفونتو المشاركة فذهب رئيساهما، حيث أصيب رئيس دير فاتوبيذي بنوبة منعته من المشاركة. الأخبار الواردة من الجبل تقول أن أفرام رئيس الفاتوبيذي شارك تحت وطأة التهديد بالتجريد إن لم يفعل. لم يتأخر امتحان الجبل حيث أن أحد “أساقفة” الكنيسة المنشأة جاء لزيارة الجبل ومعه طَلَب من بطريرك القسطنطينية للأديار باستقباله وإكرامه. زار الوفد الأوكراني أديار إيفيرون، ستافرونيكيتا، كوتلوموسيو، البانتوكراتور، فاتوبيذي، واسفيغمانو الجديد، وأقاموا الذبيحة الإلهية في اللافرا الكبير، فيما دير القديس بندلايمون، أي الدير الروسي، أغلق أبوابه في وجههم وكان ديرا فيلوثايو وكراكاللو قد أعلنا مسبقاً أنهما لن يفتحا الأبواب لأي من المنشقين الأوكران. ذكر خبر أن سبعة من رهبان دير الفاتوبيذي تركوا الدير على إثر استقبال الوفد الأوكراني وانتقلوا إلى دير القديس بندلايمون.

شكل آخر من التشرذم الناتج عن القضية الأوكرانية هو أن عدداً متزايداً من الرعايا في أوروبا وأميركا، ومثلهم عدد متزايد من الكهنة، يتركون كنيسة القسطنطينية وينتقلون إما إلى الكنيسة الروسية أو إلى الكنيسة الروسية خارج روسيا.

غالبية رؤساء الكناس الأرثوذكسية يرون ضرورة اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية لحلّ الخلاف بين القسطنطينية وموسكو. القسطنطينية لا ترى ذلك لأنها تعتبر أن كل ما جرى داخلي بالنسبة لها. قمة الخلل القسطنطيني عبّر عنه بطريركها في كلامه عن تمنّيه أن تحترم الكنائس الأرثوذكسية الأخرى القسطنطينية. منظِّرو أولية القسطنطينية ناشطون والأدب الذي يتحدّث عن أن بطريركها لا مساوٍ له يزداد انتشاراً. الكل، ما عدا القسطنطينية، يرى ضرورة الاجتماع، وما من أحد يدعو إليه. طبعاً، هذا كلام عن ظاهر الأمور، والمرجو هو أن يكون بين الرؤساء حركة في الكواليس، لكن لا إشارات إلى ذلك.

إن الكلام عن اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية يظهِر العجز الأرثوذكسي. نظرياً، يجب على الاسكندرية أن تدعو إلى هذا الاجتماع كون القسطنطينية طرفاً في النزاع وهي ترفض الاجتماع، وكون الاسكندرية تليها بالكرامة، لكنها لا تبدو في هذا الوارد. أن يتفق كل رؤساء الكنائس على أهمية الاجتماع دون أن يبادر أي واحد منهم إلى الدعوة إليه دليل العجز. عبّر أحد الشيوخ عن هذا الواقع، بطريقة لا تخلو من السخرية والمرارة، قائلاً: “لو أن بابا روما يبادر إلى الدعوة هاتفياً كنت لتراهم مجتمعين. ماذا يحتاجون أكثر من انشقاق جبل أثوس حتى يجتمعوا؟ وهل إذا اجتعوا سوف يضعون الأمور في نصابها ويصارحون البطريرك القسطنطيني بأن قوة الأرثوذكسية هي في مجمعيتها وأنها لا تحتاج إلى بابوية لتتقوى؟ وهل يستطيعون مواجهة تفرّد البطريرك المسكوني وهم في غالبيتهم متفردون في كراسيهم؟ هل يقدرون أن يدينوا تناغم القسطنطينية مع السياسة الأميركية وهم في كراسيهم يتناغمون مع أنظمتهم؟ ربّما لهذا هم لا يجتمعون. إنها اجتماعات الزمان الأخير”.