الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس (بتصرّف)

إعداد الأب أنطوان ملكي


كلمة ميستاغوجيا Mystagogy تعني التلقين، وهي بالأصل تُطلَق على الفترة التي كانت تتبع المعمودية مباشرة، حيث يتمّ تلقين المستنيرين حديثاً حول الأسرار الكنسية. كتب القديس مكسيموس المعترف كتاباً عنوانه “الميستاغوجيا” وهو غاية في الأهمية في التقليد الأرثوذكسي.

كتب القديس مكسيموس المعترف هذا الكتاب (الميستاغوجيا) نزولاً عند طلب قديس معروف يسمّيه “الأكثر وقاراً من الجميع”. متسلِّم هذا العمل التفسيري غير معروف لكننا ندين له بالامتنان لخلق الفرصة لكتابة هذا النص المميز والمهم.

يظهر من مقدمة الميستاغوجيا أن القديس مكسيموس المعترف كان يتكلم شفهياً عن الكنيسة والإفخارستيا المقدسة، محللاً رؤى القديس ديونيسيوس الأريوباغي السرية ومعلقاً عليها. وقد أثّر كلامه بالسامعين فطلب منه “الأكثر وقاراً من الجميع” أن يكتب ما رواه شفهياً حتى يكون النص الذي يرسله له “دواءً للنسيان وعوناً للذاكرة”.

تردد القديس مكسيموس أولاً عن القيام بهذا العمل. سبب تردده كان كما يذكر هو، أولاً أنه لم يكن مهيأً ابداً “لفن الحديث”، ومن جهة أخرى لأنه كان يخشى من أن تواضع كلماته وحقارتها سوف يكونا بمثابة إهانة لـ”سمو ومعنى الأمور الإلهية” التي عند القديس ديونيسيوس الأريوباغي الذي كتب عن “التراتبية الكنسية”. في مطلق الأحوال، اعترف أنه سوف يركز على بعض الحقائق العظيمة والشريفة التي يقدمها القديس ديونيسيوس الأريوباغي في العمل الذي أشرنا إليه، وبالواقع، كما يقر هو، “هذه الأشياء أتذكرها وأفهمها بشكل معتم وأتحدث عنها بأكثر تعتيماً”. هو يبدأ هذا العمل بتواضع عظيم وشعور بأنه لا يستطيع تخطي المفسر الكلي القداسة والإلهي حقاً ديونيسيوس الأريوباغي الذي يدعوه شيخاً مباركاً.

بعد هذا، يسأل الله أن يكون مرشداً موثوقاً في هذه الرحلة. يسأل القديس الله ليقود أفكاره وأقواله لأن الله هو “النوس الوحيد للمخلوقات المفكرة والأشياء المفهومة، المعنى الكامن وراء الذين يتكلمون وما يقال، حياة الذين يعيشون والذين يتلقون الحياة، الكائن والذي سيكون لكل الكائنات، به كل شيء كائن وسوف يكون”. في الكلام عن الله، بإمكاننا استعمال التعبيرين الإيجابي والسلبي لأننا بالإيجابي نؤكد وجوده وبالسلبي نظهر سموه على أعماله المخلوقة. لا يوجد أي تشابه بين المخلوق وغير المخلوق، بين الله ومخلوقاته. كيان الله بسيط، غير معروف وغير مدرك من البشر ويستحيل تماماً تفسيره لأنه فوق كل إثبات أو نفي.

يظهِر تحليل ميستاغوجيا القديس مكسيموس ثلاثة أقسام: الأول هو تعليمه عن الكنيسة، الثاني هو تفسير مقتضب للإفخارستيا المقدسة، والثالث هو مراجعة لما قيل في هذا العمل مع بعض النصائح. تنبغي الإشارة إلى أنه إن كان صعباً على القديس مكسيموس أن يفسّر القديس ديونيسيوس الأريوباغي، فإنه أكثر صعوبة عرض كل تعليم القديس مكسيموس عن الكنيسة والإفخارستيا المقدسة، لذا ما يلي هو بعض النقاط ذات الدلالة.

النقطة الأولى هي أن محتوى الميستاغوجيا مرتبط بشدة بكل تعليم القديس مكسيموس اللاهوتي الذي بحسبه العالم مخلوق من الله وبالتالي يجب أن يتوجه إليه. فالعالم لم يوجد من نفسه، الخليقة كلها تحتوي ما نسميه المخلوقات (logoi)، أي عناية الله غير المخلوقة وقوته التنفيذية. بقواه غير المخلوقة، لا يسمح الله للطبيعة بأن تعبر من الوجود إلى العدم. إذاً في كل الخليقة يوجد حركة نحو الله. لا يميز القديس مكسيموس جدلياً بين الحسي والروحي، هذا التمييز الذي ينتهي بالحكم الثنائي (diarchy) والمانيخية. عندما يرى الإنسان العالم بهذه الطريقة يغيّر موقفه تجاهها فيقف باحترام دون أن يعبدها، يقدم الشكر والامتنان لله.

النقطة الثانية هي أنه يربط بشدة بين الكنيسة والإفخارستيا المقدسة. فهو يعالج في الميستاغوجيا سر الكنيسة على نفس مستوى معالجته للإفخارستيا المقدسة. هذا أمر يظهر الأهمية التي ينسبها إلى الارتباط بين هذين السرين، كما يظهر أن الإفخارستيا المقدسة الحقيقية تتم في الواقع في الكنيسة وبالطبع لا يمكن تخيل الكنيسة بدون الإفخارستيا المقدسة.

النقطة الثالثة هي أن القديس مكسيموس في تحليله لما يجري خلال الإفخارستيا المقدسة يصنع تأويلاً موجزاً. يجب أن نذكر أن هناك فرقاً بين المجاز والإيجاز. التفسير المجازي ينطلق من مقطع واحد وحقيقة واحدة لكي يصيغ حقيقة أخرى وواقعاً آخراً بينما التفسير الموجز يظهر بشكل رئيسي المعنى الأعمق لما قيل، ولنقل أيضاً بشكل أعم، المعنى الأعمق للأمور كما هي. إنه ينظر إلى جوهر الأمور الذي لا يظهر للحواس وللعقل. إذاً، في تحليل الإفخارستيا المقدسة يجب أن نرى القديس مكسيموس يقدم تفسيراً موجزاً، معيناً إيانا لنرى، بالمقارنة مع الهيكل المقدس، حقائق أخرى تفلت من حواسنا الجسدية ومن حواسنا العقلية الميالة نحو الشهوات.

“ميستاغوجيا” القديس مكسيموس المعترف هي نص لاهوتي كنسي (اكليسيولوجي) تعليمي (ميستاغوجي) ونسكي “بإمتياز”، حتى يمكن القول أنه خلاصة كل تعليم الكنيسة عن التأله.