الأب أنطوان ملكي

الفيلوكاليا بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية هي النص الروحي الرئيسي من بعد الإنجيل. يرِد على لسان الستاريتز (الشيخ) في كتاب “سائح روسي على دروب الرب”، أن الفيلوكاليا لا تفوق الكتاب المقدس سمواً ولا قداسة، بل تحتوي تفسيرات مستنيرة لما هو وارد في الكتاب المقدس. الفيلوكاليا هي مجموعة من النصوص القديمة التي جمعها القديس نيقوديموس الأثوسي (1749-1809) ومكاريوس الكورنثي (1731-1805) ونشرت لأول مرة في عام 1782. إنها مجموعة أقوال حول الصلاة والحياة الروحية لقديسين وآباء معظمهم من الرهبان عاشوا بين القرنين الرابع والخامس عشر. تعكس الفيلوكاليا أكثر من أي نص آخر تفسير الكنيسة الأرثوذكسية للكتاب المقدس وتطبيقه العملي.

صدر عن تعاونية النور للنشر والتوزيع كتاب “فيلوكاليا الآباء النبهاء”، الجزء الأول. يلحظ القارئ الذي يعرف النصوص الأصلية عدداً من النقاط التي تطال المحتوى والعنوان، والتي لا بدّ من تسليط الضوء عليها نظراً لأهمية الفيلوكاليا.

بداية، إن الترجمة عن نص متَرجَم لا يمكن أن ينتج عنها نفس الجودة التي تنتج عن الترجمة عن النص باللغة الأصلية، والكتاب الذي نحن بصدده مترجَم عن النسخة الفرنسية، فيما النص الأصلي باليونانية. لكل مترجم أسلوبه كما لكل كاتب أسلوبه، لكن الاجتهاد في الترجمة، والابتكار فيها، قد يؤديان إلى بعض الانحراف عن المعنى الأصلي.

بعض أجزاء الفيلوكاليا موجود أصلاً بالعربية وقد ترجمه أشخاص معروفون بإجادتهم للغة اليونانية، كالبطريرك الياس معوض والأب إسحق عطالله وصاحب الغبطة يوحنا يازجي وصاحب السيادة المغيَّب بولس يازجي مطران حلب. هذا الأمر يجعل المقارنة أكثر سهولة ولكنه يجعل المسؤولية أكثر حجماً على مَن يريد أن يعيد الترجمة.

في الكتاب الجديد عدد هائل من الأقوال التي لا تطابق الأصل اليوناني. ما يلي هو نموذج عن هذه الأقوال. ليس هدف هذا المقالة النقد للنقد. هذه العجالة جزء من دراسة مفصلة قُدّمَت إلى الناشر وكان الرد مخيباً. لكن الرجاء يبقى قائماً بأن تكون الملاحظات قد أُخذَت بعين الاعتبار، كون المترجِمة والناشر مصممان على متابعة العمل، على افتراض النية الصالحة للخدمة.

في الكتاب الأول من الفيلوكاليا، يرِد الجزء الأول من أقوال القديس مرقس الناسك. الفصل موجود أصلاً بالعربية في كتاب “فصول في الصلاة والحياة الروحية”، وهو الكتاب الخامس من سلسلة آباء الكنيسة، من منشورات النور في1983. هذا الجزء عنوانه “الناموس الروحي” من ترجمة الدائم الذكر الأب اسحق عطالله، ويشغل الصفحات 59 إلى 85. أما في الترجمة الجديدة فعنوانه “ماءتا فصل في الناموس الروحي” من الصفحة 275 إلى 297.

بهدف المقارنة سوف نورد النص باليونانية، من ثم ترجمة الأب إسحق، وبعدها الترجمة الحالية:

القول 3: باليونانية “εκείνος που πιστεύει έτσι δεν θα το χάσει ποτέ “، وفي ترجمة الأب اسحق: “مَن يؤمن هكذا لا يفقد هذا الصلاح”، أما في الترجمة الجديدة: “ثقْ أن الرب يعطي هكذا، فلا تندم”. يمكن للقارئ أن يلاحظ أن القولين في العربية لا يتشابهان أبداً، هذا فيما ترجمة الأب اسحق عن اليونانية شبه حرفية.

القول 5: باليونانية “Σε κάθε προσπάθειά σου, βάλε αρχή τον Θεό που είναι η αρχή κάθε αγαθού, για να γίνει κατά Θεόν εκείνο που αποφάσισες να κάνεις.“، وفي ترجمة الأب اسحق: “اجعل سيد الصلاح سيداً لك في كل نواياك، حتى تتم غايتك بحسب الله”، أما في الترجمة الجديدة: “سلّم كل إعمالك ومشاريعك إلى نبع الصالحات، حتّى يدشنها ويباركها فتتمّ حسب ما يرضيه”. من دون الخوض في تحليل الترجمة، نكرر الملاحظة السابقة بأن ترجمة الأب اسحق مطابقة لليونانية أما الترجمة الجديدة فلا.

القول 17: باليونانية “Η κακία, όταν την μελετά κανείς με την σκέψη του, αποθρασύνει την καρδιά. Εκείνος που σκοτώνει την κακία με την εγκράτεια και την ελπίδα, δίνει στην καρδιά του συντριβή.”، عند الأب اسحق: “ الشر الذي يراود الذهن باستمرار يجعل القلب صلباً، أما إذا نزع منه بالإمساك والرجاء فإنه يسحقه“، وفي الترجمة الجديدة: “إن هذذتَ بالرذيلة بالفكر، يتصلّب قلبك. لكن باﻹمساك والرجاء يعود ليلين وينسحق”. هنا الفرق كبير جداً، فالقديس يحكي عن سحق الشر وهذا ما يظهر في ترجمة الأب اسحق، بينما في الترجمة الجديدة فالفعل ‘ينسحق’ يعود إلى القلب وليس إلى الشر.

إن اللائحة طويلة جداً، وإحصائياً عدد الأقوال غير المطابقة للأصل اليوناني وللموجود بالعربية سابقاً يفوق الثمانين بالمئة، والنسبة نفسها تتكرر مع الأقوال الأخرى غير الموجودة في العربية.

شكك أحد الأشخاص في ترجمة الأب اسحق عطالله، لكن الدقة العلمية لا تتيح حرية التشكيك بترجمة الميتروبوليت بولس يازجي. فهو قد ترجم كتابات القديس كاسيانوس الرومي، منشورات مطرانية اللاذقية، مجموعة فيلوكاليا، الرقم 3. عنوان الرسالة الأولى بحسب ترجمة الميتروبوليت بولس “إلى أسقف كاستورا في ‘الأفكار’ الثمانية الشريرة”. الرسالة نفسها موجودة في الترجمة الجديدة ص. 218 بعنوان “من القديس كاسيانوس الروماني إلى الأسقف كاستوريوس في الأفكار الثمانية الشريرة”. إن غُضّ النظر عن الفرق بين الرومي والروماني، كيف يُغضّ عن أن كاستورا هي المدينة في اليونانية كما عند المطران بولس، بينما في الترجمة الجديدة الأسقف هو كاستوريوس؟

إلى هذا، تذكر المترجِمة في مقدمتها بأن “أولاً، كان لا بدّ من أن نقوم بعمل تنقيبي هائل من أجل إنجاز الترجمة بكل أمانة”. ما غاية التنقيب إن لم يوصِل الذين قاموا به إلى منشورات النور، وفي حال وصلوا كانت الأمانة تقتضي أن يُذكَر أن بعض النص موجود بالعربية مترجماً عن النص الأصلي. المسؤولية الأكبر هنا يتحمّلها الناشر، لأن بحسب علمنا أن تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع هي امتداد لمنشورات النور الأرثوذكسية التي عنها صدرت سلسلة آباء الكنيسة.

في الختام، الجهد الموضوع للترجمة كبير جداً، ومن المؤسف ألا يكون كمال النتيجة على نفس الحجم، خاصةً أن العمل يتناول الفيلوكاليا التي لا يوازيها في تقليدنا أي كتاب آخر، ولا يتقدّم عليها إلا الكتاب المقدس نفسه.