المتقدم في الكهنة فكتور بوتابوف

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ.وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ. وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، كَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ.. لِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا (متى 14:6-21).

يُقرأ في القداس في هذا اليوم مقطع من عظة الرب على الجبل. في هذا المقطع، يخبرنا الرب أن نغفر زلات إخوتنا، وأننا إن لم نغفر لا نحصل على مغفرة خطايانا من أبينا السماوي. كما يتحدث عن الصوم، وعن جمع الكنوز السماوية.

في هذا اليوم، استناداً إلى هذه القراءة الإنجيلية، نحفظ العادة التقوية بأن نطلب من بعضنا البعض أن نغفر خطايا بعضنا، سواء ارتكبناها عن معرفة أو عن جهل، وأن نسعى ما بوسعنا للمصالحة مع مَن هم على خلاف معنا. هذه هي الخطوة الأولى على طريق الصوم الكبير. وعليه، يًشار عادة إلى هذا الأحد باسم أحد الغفران.

تدعو الكنيسة الأحد الأخير قبل بداية الصوم الكبير “أحد مرفع الجبن”، لأنه آخر يوم يمكن فيه تناول منتجات الألبان، قبل أن يبدأ الصوم الكبير. تذكّرنا الكنيسة بأن آدم وحواء قد طُرِدا من الجنة بسبب عصيانهما وعدم امتناعهما عن الأكل. كما أنه في الكنائس، بعد صلاة الغروب هذا الأحد، هناك طقس خاص للغفران، حيث يسأل الكاهن والمؤمنون المغفرة من بعضهم البعض، بحيث، بعد المصالحة مع إخوتنا، ندخل الصوم الكبير بضمير نقي.

إن طرد جدينا الأولَين من الفردوس بسبب عصيانهما وعدم امتناعهما، وفقدانهما لحالة البراءة المبارَكة، هي سبب دموع وتوبة. إن الكارثة التي أصابت الجنس البشري بسبب أهواء محبة الذات والاكتفاء الجسداني تعلّمنا أهمية الصوم وغيره من أشكال إنكار الذات لمسألة التقوى والخلاص، والخطر الذي تجلبه علينا اللذات الحِسيّة الخاطئة.

وبحسب المقطع الإنجيلي الذي تقرأه لنا الكنيسة، فإن الصوم الكبير هو الوقت الأنسب لنسعى فيه للحصول على كنوز روحية، تماماً كما توجد أوقات مناسبة لكسب الفوائد الوقتية وتجميعها؛ إنه حقاً وقت للأعمال الصالحة.

لن يسمع الرب التنهدات والصلوات التي نوجهها إليه، ونطلب منه أن يرحمنا ما لم ندرك كلمات المخلص: “فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ” (متى 14:6).

أحد الغفران هو يوم الفحص الذاتي الدقيق، يوم نتفحص فيه مدى نضجنا الروحي: هل نحن قادرون على أن نتبع المسيح، وأن نطيع كل وصاياه؟

كثيرون منا يعرفون جيداً من التجربة الشخصية أنه لأسهل بكثير أن نغفر من أن نطلب المغفرة ممن أخطأنا إليه بشكل أو بآخر، لأن كبرياءنا تتدخل في اعترافنا بالذنب.

تعلّمنا الكنيسة باستمرار أنه من خلال التوبة والجهاد الروحي والجهود التي نبذلها لتحقيق نسك أكبر، يمكننا أن نسعى إلى ما فقدناه بالخطيئة وأن نعثر عليه ونستعيده.

ولكن بعد بضع ساعات من صلاة الغفران على الغروب، نلاحظ جميعًا، وبشكل يثير دهشتنا، أن فينا ومن حولنا تغير شيء ما. شيء يعطينا تركيزًا وانتباهاً خاصين؛ هذا الشيئ هو وصول الصوم الكبير. نحن، جنباً إلى جنب مع الكنيسة بأكملها، يجب أن ننتقل الآن من الدعوة إلى التوبة إلى بذل جهود فعلية للتوبة، إلى جوهر التوبة الفعلية.

لقد بدأ الصوم الكبير.