الأرشمندريت أبيفانيوس أيكونومو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ليس من المستغرب أن تكون رسالة قيامة المسيح قد أثارت مجموعة كبيرة من الشكوك والأسئلة. تم تسجيل الاعتراضات فور وقوع الحدث الخارق الذي تأسست عليه بنية الكنيسة المسيحية بأكملها. بالنسبة ليهود القدس في حينه، كان من تجديف المسيحيين المرتدين الزعم بأن مجرمًا مصلوبًا يمكن أن يكون المسيح. بالنسبة لليونانيين المثقفين، الذين آمنوا بالفعل بخلود الروح، مجرد فكرة قيامة جسد كانت مرذولة. حتى بالنسبة للمسيحيين الغنوصيين في القرن الثاني، كان الرأي المفضل هو أن المسيح كان روحًا خالدة تملّص من رباطه البشري.

صحيح أن قيامة يسوع هي اختبار حقيقي للعقل الإنساني. لا نريد أن ننظر بعيدًا: يكفي أن نفحص حاشية الرب ونرى الريبة والشك اللذين توغلا حتّى في دائرة تلاميذه المختارة، في ما يتعلق بهذا الحدث المذهل. حبس الاثنا عشر أنفسهم في الغرفة العلوية وفي الواقع كانت شكوكهم جدية حول الأخبار التي حملتها النسوة حاملات الطيب، ناسبين هذه الأخبار إلى الغلو الأنثوي والمبالغة. لكن في الطريق إلى عمواس، قام اثنان من التلاميذ بمشاركة يسوع القائم معهم ولم يتمكنوا من التعرف على وجه سيدهم الحبيب. بعقله الذي يعمل حصراً ضمن حدود العقل، رفض توما بإصرار تصديق خبر القيامة.

بالوصول الآن إلى عصرنا، فإن التعليم عن القيامة يبدو بعيداً عن الواقعية وسخيفاً. وذلك لأن عصرنا يؤلّه العقل، ويفتخر بالفتوحات والإنجازات التي حققتها المساعي الإنسانية وقد بدأ تدريجياً بتشكيل، داخل أدمغتنا المخدرة، الشعور بالاكتفاء الذاتي التام والقدرة الكلية. لكن هذه القدرة المطلقة تخلق ارتباكًا تامًا، لأنك ترى الكثير من الناس اليوم يعلنون أنهم مسيحيون بينما ينكرون حقيقة القيامة لأنهم لا يستطيعون فهمها. أي نوع من المسيحيين هم؟

تعلن الكنيسة أنه لا يمكننا مقاربة هذا الحدث بإجراءات عقلانية أو إنسانية. هو ليس حقيقة طبيعية، أو أقل من ذلك بكثير، حقيقة غير طبيعية، وليس حقيقة عقلانية ولا أقل عقلانية. إنه حدث يتجاوز الطبيعة، حقيقة فائقة للعقل وتتجاهل المنطق، وتتجاوز حدودها الضيقة والمتعثرة وترخيها قوة الإرادة الإلهية.

تشترط القيامة عنصر الإيمان للاقتراب منها وقبولها، إيمان بلا حدود وقيود، دون “نعم، لكن …”، إيمان يعطي معنى ورؤية لهذه الحياة وللقادمة، إيمان لا يناقش هذه الحقائق إذ لا يمكن مناقشتها، ولا يمكن فهمها، ولا يمكن إخضاعها لحجج واهية، ولا لمبادئ دنيوية، وبالتالي إنسانية عفا عنها الزمن، تحتجز الناس داخل حدود وجودهم الضئيل. “معرفة هذا العالم لا يمكن أن تعرف أي شيء آخر غير مجموعة الأفكار، ولا ما يمكن معرفته ببساطة العقل”. تشترط القيامة بساطة الذهن، بساطة الفكر، وإيماناً كإيمان الطفل، وبالتالي نقياً وغير مغشوش.

تمثّل قيامة المسيح النصر على الموت وتوطيد الرجاء بالخلود. هذا الرجاء يمكن أن يعطي الشجاعة، ويزوّد الناس بالقوة والتحمل لمواجهة مشاكل هذه الحياة وآلامها. القيامة هي ذروة، إنها الصورة التي تأتي مباشرة بعد مأساة الصليب. هذا هو بالضبط هذا الرجاء: حقيقة أن وراء الصليب الذي يحمله كل شخص، دون استثناء في هذه الحياة، هناك المسيح الذي يعاني معنا، الذي يعطينا جميعاً العتق، الفداء، الصلاح، قيامة الحياة والضمير، ونهاية الألم والمعاناة. كتب القديس يوستينوس بوبوفيتش: “بدون القيامة، لا يوجد شيء في السماء أو تحت السماوات أكثر سخافة من هذا العالم، ولا يأس أكبر من هذه الحياة، بدون الخلود”.

دعونا إذاً نؤمن بما لم نره ونجد صعوبة في فهمه. إن مكافأتنا على هذا الإيمان ستكون في يوم من الأيام أن نرى مَن آمننا به. المسيح قام!