الميتروبوليت ييروثيوس (فلاخوس)

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الفصح هو عيد الربيع، لكنه أيضاً عيد المسيحي الذي يعيش في جو الكنيسة. الربيع هو مهرجان الطبيعة الذي يوقظها من هجعة الشتاء ويهيؤها للإثمار. والفصح المسيحي هو ربيع هذه الحياة الذي يوقظ من ظلمة الموت ويهيء للتسامي. “الفصح هو فصح الرب، لأن المسيح إلهنا أجازنا من الموت إلى الحياة”.

الخُلُق الفصحي

إن الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة القيامة لأنها تعطي الأولية لانتصار المسيح على الموت. الفصح هو الانتصار على الموت، عبور الكلمة إلى القلب البشري فلا يتحوّل إلى المنطق والحواس البشرية.

عندما يتفحّص الإنسان خُلُق الأرثوذكسية يجد أنها تهب “الروح” والحياة الآتيين من القبر: “الحياة في القبور” كما نقول في الترنيمة. إنها بريق النور ونشوة الحياة. هنا يمكن أن نرى الفرق بين المسيحية الغربية والكنيسة الأرثوذكسية. القديس فرنسيس، في سيرة كازانتزاكيس، يبلغ إلى ذروة الحياة الروحية بإحساسه بالمسيح المصلوب في جسده. هو يصف ذلك: “إنه صليب أيها الأخ ليون، جسد الإنسان هو صليب، افتح ذراعيك وسوف ترى، المسيح مصلوباً عليه (الجسد)”. ومن ثم صلّى: “يا مسيحي، يا حبيبي، أطلب منك خدمة، خدمة واحدة قبل أن أموت، أن أشعر في جسدي ونفسي، بقدر الممكن، بوجعك وبألمك المقدس….” لقد بلغ نقطة رؤية جراح الصليب على جسده، وعندما سأل خبرة أخرى أعظم من الأولى، سمع صوتاً إلهياً يقول: “لا تطلب أكثر، هنا ينتهي صعود الإنسان، عند الصلب”.

من جهة أخرى، القديس الأرثوذكسي سلوان الأثوسي، رأى المسيح المصلوب واختبر الفصح في كيانه وفي الخليقة. بعد معاينة المسيح قائماً قال: “كنت أعيش في احتفال فصحي. كل شيء كان جميلاً؛ الكون كان رائعاً، الناس كانوا محبوبين، الطبيعة كانت فاتنة بشكل لا يوصَف، الجسد تغيّر وصار نوراً، القوة ازدادت… الروح طفحت بالفرح؛ تعاطفت مع الناس وصلّت من أجل العالم بأكمله”.

هذا الفرق بين التفكيرين الشرقي والغربي يظهر في الفرق بين جان بول سارتر والقديس سارافيم ساروفسكي. الأول (سارتر) في خيبته من المسيحية الغربية قال: “الآخر هو جحيمي”. الأخير (القديس سارافيم) كان يتوجّه إلى كل مَن يلتقيهم محيياً: “يا فرحي، المسيح قام”. كل “آخر” لم يكن “مختلفاً” ولا “غريباً” ولا “أجنبياً” بل أخاً. خبرة القيامة تتغلب على الموت وتبطل مفعول الأنانية وتبيد الجحيم. من دونها، يصير الإنسان مسجوناً في جحيمه الشخصي. كتب أفدوكيموف: “يمكننا تصوير الجحيم على أنه قفص مكوّن من مرايا: يمكن للإنسان أن يرى فيها وجهه فقط مضاعفاً إلى اللانهاية، من دون أي لمحة لأي وجه آخر. أن يرى الإنسان نفسه فقط معناه أنه متخَم بذاته حتى الغثيان، لا بل حتى الحازوقة الوجودية”.

معضلة قابلية الموت

في الاحتفال بفصحنا كعيد الأعياد وموت الموت والثمرة الأولى لحياة ثانية أبدية، نشعر في ذواتنا وحولنا برائحة الموت الروحي، بالحياة التي قبل قيامة المسيح. نحن نعيش هذه الحياة البيولوجية فقط للبقاء، وبالحقيقة كأشخاص قابلين للموت. نحن ننشد “المسيح قام”، نحتفل خارجياً، لكن مرارة الجحيم تسيطر في داخلنا، وحتى غالباً على الحياة الكنسية.

ذكر الموت مرّ، ومثله ألم الوحدة. هذه العوائق السامّة، حتّى في المسيحية، مُرّة. حتّى في الكنيسة نفسها التي هي استمرار لكنيسة القيامة ومعلّمة سرّ القيامة.

بالحقيقة إن ما يبعدنا عن مهرجان الحياة الوجودي هو الأهواء على اختلافها. الضغوطات المختلفة أيضاً تجعل الشعور بالحياة الكنسية مختلفاً عن ذلك. المسيحيون منقسمون بسبب اعتبارات سياسية متعددة، الأرثوذكسيون فيما بينهم في مزاحمات مختلفة. هذه الأمور لا تذكرنا أبداً بالمسيح القائم.

هكذا يستمر صلب الكنيسة الأرثوذكسية…

فصح الكنيسة الحقيقي

فصحنا، كانتصار على الموت وخبرة الحياة، نختبره اليوم بالرغم من القوى والميول الدهرية. الذين يختبرونه هم أولئك الذين يسلكون باتضاع ووجودياً ضمن الكنيسة، بعيداً عن الدهرية والعنصرية والاعتبارات السياسية. كما يمكن أن نراه بوضوح في رفات القديسين.

بشكل طبيعي، أجساد القديسين الراقدين، هي مجرد كتلة من الخلايا تضم فيما بينها خلايا الشيخوخة وينبغي أن تبلى. لكن، قوة ونعمة القيامة لا تتركها تتحلل، وهذا ما يثبت أن أصحابها تغلبوا على الموت. القديس إنسان يرقد منتظراً النداء الأخير ليقوم.

هذا هو إذاً فصحنا، كسرٍّ للقيامة، وليس كديانة مسيحية فيها أهواء محبة الأولية والانقسام والمنافسات. فصحنا لا يمكن استبداله بديانتنا التي تعيش تحت سلطان الموت. المسيح القائم لا يمكن أن يتشكّل من تعابير سياسية عن المسيحية، ولا قوة القيامة يمكن أن تتكيّف ضمن ما يُعرَف بالدول المسيحية. فصحنا يُختَبَر إيجابياً وهدوئياً كعشق وبتواضع.

* Ekklesiastiki Paremvasi, “Τὸ Πάσχα ἡμῶν”, May 2005.