المتقدم في الكهنة يوحنا رومانيدس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

من الحقائق أن إنجيل يوحنا غير منشغل بإخراج الشيطان والأبالسة على طريقة الأناجيل الإزائية المنهجية. لا يبدو للوهلة الأولى أن الشيطان يحتفظ في الإنجيل الرابع بالمركز المركزي الذي له في الأناجيل الإزائية. ولكن هذا يمكن تفسيره إذا أُخِذَت في الاعتبار استنتاجات كولمن (O. Cullmann)[1] المتعلقة بميزة الإنجيل الرابع وإذا رُبِطَت هذه الاستنتاجات بممارسات الكنيسة القديمة المتعلقة بالموعوظين.

يقول كولمن بوضوح أن لإنجيل يوحنا ألغاز هي بمثابة أساس له وأن الغرض منه هو ربط حياة المسيح التاريخية بالحياة الأسراريّة الحالية في المسيح وخبرة الجماعة. عندما نأخذ في الاعتبار أن المسيحيين تجنبوا بعناية وبشكل منهجي كل المناقشات حول المعنى العميق للأسرار، ليس مع العالم الخارجي العدائي وحسب بل حتى مع الموعوظين [2]، عندها يمكننا فهم استخدام الأناجيل في الكنيسة الأولى، وحلّ المشاكل العديدة التي أثارها نقد الكتاب المقدس. نظرًا لأن المسيحيين المعمّدين لم يناقشوا الأسرار حتى مع الموعوظين، فمن الواضح بما فيه الكفاية أن الإنجيل الرابع قد استخدم في الكنيسة القديمة لاستكمال وإنهاء تعليم المستنيرين مؤخراً أي المعمّدين حديثاً. [3]

كان إنجيل يوحنا مناسباً لهذا الغرض بشكل خاص ومتميزاً عن الأناجيل الأخرى بشكل أساسي بسبب لهجته العقائدية السريّة الدفاعية الواضحة. لا نجد في يوحنا، كما في متى ومرقس، التحضير المنهجي للموعوظين للمعمودية.

هذا هو السبب في أن يوحنا لا يبدأ بمعمودية المسيح بل بـ “في البدء كان الكلمة… والكلمة صار جسداً.” [4] نظرًا لأن المسيحيين المستنيرين حديثًا هزموا الشيطان بالمعمودية، فلم تكن هناك حاجة إلى أن يكون موضوع هذا الإنجيل الرئيسي على علاقة بإخراج الشياطين. بدلاً من ذلك، فإنه يحرص على جعل المسيحيين المعمدين ثابتين ومرتكزين على عمق الإيمان والأسرار. هذا يفسر الفرق في تميّز هذا الإنجيل عن الأناجيل الأخرى.

تتدعم هذه النظرة عندما نعتبر أنه، بين الأناجيل الأربعة، يوجد واحد فقط غايته تقديم فهم أكثر عمقاً للأعمال الأسرارية ولعقيدة الكنيسة. تثبِت فرادة هذا الإنجيل التوافق الكوني لكل المسيحيين حول معنى الأسرار. تُفَسَّر الفروقات بين الأناجيل الأخرى بشكل كافِ تماماً بمتطلبات التعليم المختلفة التي عمل بها المعلمون الرسوليون. إن التهيئة للمعمودية المقدسة، بحسب ما يعلمنا القديس إيرينيوس، تختلف بحسب المتطلبات الدينية لكل من الموعوظين[5]. بعد معمودية الموعوظين، تصير طريقة التعليم وتفسير الأسرار واحدة[6].

إنه لَمهم بشكل خاص بالنسبة لنا أن للتعليم عن الشيطان والأبالسة النبرة نفسها في الأناجيل الإزائية الثلاثة. هذا يُظهِر بوضوح أن ممارسة الاستقسام قبل المعمودية متجذرة بعمق في المسيح نفسه. حتى ولو بدا أن في يوحنا ليس لموضوع الشياطين (demonology) نفس المكانة التي في الأناجيل الإزائية، ففي الحقيقة هي لها هذه المكانة، استناداً إلى فرضية لا غنى عنها لا في الإنجيل الرابع بل في كل حياة ولاهوت الكنيسة القديمة بأكملها.

[1]. Les Sacraments dans l’Evangile Johannique, La vie de Jesus et le culte de l’eglise primitive, Paris, 1951.

[2]. “Encyclical Letter of the Synod of Egypt in Defense of Athanasius the Great,” in Apology Against the Arians, 11, P.G. 25, 268. Cf. also J.N. Karmiris, Δογματικά Μνημεία, Vol. 1, pp. 41-42.

[3]. The oldest testimony to the use of the fourth Gospel at Pascha is by Meliton of Sardis (190). G. Dix attributes its Paschal use to even earlier times. Shape of the Liturgy, Glasgow, 1949, p. 338.

[4]. Jn. 1:1-14.

[5]. Op. cit., 4, XXIII, 2; and Fragment 28, Βιβλιοθήκη Ελλήνων Πατέρων, Athens, 1955, Vol. 5, p. 180.

[6] إن الاختلافات بين الأناجيل الإزائية وإنجيل يوحنا ليست خلافات كما يعتقد الكثيرون. على العكس من ذلك، إنها تتعلق بوضوح باختلاف في عمق احتياجات الكنسية التعليمية وتحقيقها. لذلك، فإن نظرية F. Loofs المتعلقة بوجود مدرسة مميزة في آسيا الصغرى لآباء وكتّاب الكنيسة على أساس الإنجيل الرابع وهي مختلفة عن لاهوت الكنيسة القديمة، هي أمر لا يمكن الدفاع عنه. (Op. cit., pp. 98f., 102f., 127, 139-151.). From The Ancestral Sin, Zephyr Publishing, 2002, pp. 72-74.