جورج مانتزاريذس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

المسيحية أصولية. وحيث لا تكون أصولية لا تكون أصيلة. أصولية المسيحية تؤثّر على كلّ ما يربطها بالعالم. هذا مردّه إلى أن جذور المسيحية لا تأتي من العالم، ولا هي تتغذى من روحه. إن طبيعة المسيحية المطلَقة هي ما يفرض أصوليتها على مستوى ما هو نسبي. لكن الأصوليّة على مستوى النسبيّ لا يمكن أن تتمّ من دون علاقة بالمطلَق ومن دون الإشارة إليه.

تأتي حقيقة المسيحية إلى العالم مثل “نار”. كل الحقائق العالمية اصطلاحية وقيمتها نسبيّة، بحسب درجة تجرّدها. تعمل كل هذه الحقائق على مستوى النسبيّ. يصير الخطأ عندما تُحوّل هذه الحقائق إلى مطلَقة وتحلّ محل الحقيقة العالمية. من وجهة نظر مسيحية، يصير الخطأ عندما تُبذَل محاولات لجعل حقيقة المسيحية تتطابق مع العالم، وذلك لأسباب تتعلّق بالحداثة.

لا تتطور الأرثوذكسية عندما تذعن لنسبية العالم والروح العالمية، إنما عندما تحفظ تقليدها حياً. إن مجمل محتوى التقليد المسيحي هو المسيح نفسه، الذي مات ويبقى في العالم بكنيسته. إن حِفظَ هذا التقليد هو خبرة الموت كعامل حياة. هذا يصير بأن يقدّم كل واحد من أعضاء الكنيسة ذاته قرباناً، ما يتيح إظهار حياة المسيح وأعضاء كنيسته الراقدين من خلال ملاءمة جديدة: ملاءمة حياة أعضائها المرتبطين بالعالم. وهكذا كل لاهوت الكنيسة مهتمّ دوماً بالملاءمة.

لذا طبيعي أن المسيحية سوف تبقى غريبة ومستغرَبة بالنسبة للعالم. المسيح نفسه أتى إلى العالم كغريب. ليس لأنه غريب عن العالم فعلياً، فهو خالقه، بل لأن العالم تغرّب وصار مغايراً من جهة المسيح. لقد أتى إلى خاصته وخاصته لم تقبله. والذين قبلوه أعطاهم أن يصيروا أبناء الله، أي أن يصيروا آلهة هم أنفسهم.

نحن لم نُخلَق لنبقى كما نحن. نحن مصنوعون لنصير كاملين وننمو إلى ما لم نكن عليه. نحن أتينا من اللاوجود ونحن صورة للكائن الحقيقي. نحن صُنِعنا كخليقة، ومدعوون لأن نصير على شبه الخالق غير المخلوق. نحن بطبيعتنا بشر وأعطينا القوة لنصير متألّهين. الله صار إنساناً لنصير نحن آلهة. هذه الحالة المنطوية على تناقض ظاهري، والتي تقبع في قلب المسيحية، تحدد طبيعتها وتشكّل شخصيتها الجوهرية. لأن بحسب طبيعتها وشخصيتها ليس من السهل على الناس قبول المسيحية بل بالحري هي منكَرة، تماماً كما أن يسوع صار علامة تُقاوَم، كما أنه كان لسقوط وقيام كثيرين.

إن رفض الشعب للمسيح، كما قبوله من كثيرين، هي ظواهر مستمرة يمكن ملاحظتها في زماننا هذا أيضاً. المسيح نفسه قال لتلاميذه: “إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ”. بشكل عام، يبقى العالَم غريباً عن المسيح وعن تعليمه. سبب هذا ليس موقف الشعب السلبي وحسب بل ايضاً أن المسيحية تُظَهَّر بشكل سيء على يد المؤمنين أنفسهم. هنا تكمن مأساوية العالم وأيضاً ضرورة شهادة المسيحيين الحقيقية في العالم.

منذ البداية، أحس المسيحيون الحقيقيون بغربة في العالم، أنهم “عابرو طريق”. ليس لأنهم نبذوا العالم أو لأنه لم يكن المكان الذي أعطاهم إياه آبُهم، بل لأن العالم ارتدّ عن الآب وتخلّى عن الهدف الذي من أجله خُلِق. يشعر المسيحيون بهذا لأنهم يضعون كل شيء ضمن منظور ملكوت الله، بقدر ما يفعلون هذا في الواقع. بهذه الطريقة، إنهم يبررون العالم وحياة البشر فيه. إنهم يحيون في العالم كعابري طريق، لأنهم يمارسون سلطتهم – بقدرٍ ما – لكي يعيشوا مثل “رَعِيَّة مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ”.

الحقيقة المسيحية معطاة للشعب من خلال الكنيسة. في العالم، تبدو الكنيسة كمؤسسة. لكن في الوقت نفسه، إنها شركة قديسين. يبدو هذان الأمران متناقضين. شركة التقديس مواهبيةبطبيعتها، بينما المؤسسة كيان مخلوق. ليست النعمة ممنوعة عن المؤسسات والمؤسسات ليست مطلَقَة بما يكفي في الحجم لتكون قادرة على إيواء النعمة. إن الحفاظ على شركة القديسين في التاريخ يجعل من مأسستها ضرورة. هذا يخلق الحاجة إلى تركيب للمؤسسة والنعمة.

إن الكنيسة تعمل ضمن التاريخ كمؤسسة مواهبية، كشركة مواهبية مُمأسسة أو كشركة قديسين. بهذا ينشأ توتر جدلي ثابت بين الكنيسة والعالم. على مستوى آخر، بالحقيقة، ضمن الكنيسة نفسها، انوجد توتر جدلي بين النعمة والمؤسسة تلطّفه الرهبنة إلى حد ما من خلال الحياة الهدوئية.