الراهب الصغير

ربّي

امنحني أن أمكث معك لكي أستقر وأستريح فيك. لكي أطمئنّ إلى وجودي بك، لكي تقودني لآتي إليك. ساعدني لأثبّت قدميّ على صخرتك. امكثْ معي ونجّني من المخاطر التي تحيق بي لأني اعتمدتُ على اسمك. فأنا غريب في هذه الحياة، ضيف عابر يمرّ، لا مبيت له. فاجعلْ لي من ثروتك عوناً لي في السفر لئلا أتعوّق عن الوصول إليك. جدد قواي لأكمل طريقي نحوك.

دعوتَني فها أنا أتوسّل إليك، خذني إلى ما وعدتني به. أنعِشْ فيّ شوق العودة إليك، لأن زمن حياتي سباق إلى الموت يلاحقني. فامنحني أن أسير على خطاك أتّبعك حيث تسير، فأعود إلى نفسي ولا أتخبّط في ظلماتي. لأن أيامي ملأى بالتعب والعرق والفساد. كوّنتها بجسارتي حين تخليّت عنك، قبلتُ ظلمات الجهل وقيود الموت، أنتظر شروق نورك عليّ لأعود عن ضلالي.

فابسطّ إليّ ذراعك وشدّني صوبك، وانتقمْ لي من خطاياي، دافع عني أمام خصمي حتّى أتحرر من الأفكار الشريرة وأظفرعلى عدوي وأرتاح من سهامه الملتهبة ضدي. فتختم آثار جراحي لأني رزحت تحت وطأة الاثم، شوّهتُ نفسي وبعتها إلى الإثم، وقبضتُ ثمنها لذّة عابرة وموتاً أكيداً وحياةً دنسة.

لذلك أريدك أن تحررني من أسري وتمنحني ما أسألك: كنْ حياتي! أطِلْ أناتَك ورحمتَك عليّ فأطمئنّ. استدركْ حياتي بنظرة منك، لأن في نفسي ألماً يعذّبني ويقضّ عليّ مضجعي. فكيف آتي إليك؟ أو كيف أدعوك إليّ؟

أتوسّل إليك لأني عاجز عن أن أنزع من قلبي ما يمنعك. فكيف لي أن أدعوك لكي تدخل؟ شيئاً سألتك راجياً أن أناله منك. أللهمّ اذكرني بحسب رحمتك. أتمنّى أن تأتيني حسب وعدك. لأني سأعتذر لمّن جبلَني ونسيتُه، ولمَن مات عنّي ولم أسمع له. أيّ عذاب أستحق، أو كيف ستكون مراحمه عليّ، إن لم أتُب. إني أعرف أنك طبيبي لأنه ليس فيّ عافية رجوتك فاشفِني. اتركْ لي ديوني. رحمتك ضرورية لي. لقد هربت وها أنا أعود باحثاً بعد أن خرجتُ من سجن الموت. أبحثُ لكي تعفيني.

صغير أنا. فاسترني بظل جناحيك، لأني قلق من همّ خطيئتي. فكيف سأذهب إلى النار بدونك، كيف سأحتمل إن لم تكن حمايتي؟ لأنك بذاتك صرتَ لي طريقَ خلاص أسافر عليه وأسلكه فلا أضلّ، ولا أعثر ولا أقع. بل افتحْ لي بابك الذي أوصدته بوجهي لسوء أخلاقي، حتى تبعد عني متاعب الحياة وتخففها وتودي بي إلى الخلاص والحياة. لأني كنت تائهاً أبحث عنك بعيداً عنك. فانزع عني ما تشاء ولا تتخلَّ عني. كنْ ميراثي فإني بحاجة إليك. لأني في أرض الأموات وأنا راحل عنها لا أعرف إلى أين أرحل، كيف أتوجّه، أخشى أن أتوه وأن لا أجد ملجأ أعود إليه، لأن بيتي سقط خراباً في غيابك.

أكلت خبز الدموع لفقدانك وصارت نفسي في اليبوسة والجفاف قاحلة أمامك. فتعثّرت في سيري وتأخرتُ في الوصول، وجنحتُ نحو هاوية سحيقة. ففاتني مجدك ولم أستطع أن ألتقي بك. حُرِمت عونك ومساعدتك. فخسرت كلّ ما اقتنيتُه منك، خسرت صداقتك، واعتدت الخطأ ودُفِنتُ في أغلال عادته.

فكم من حواجز تمنعني من المثول أمامك؟ لم أجد راحةً في غيابك. هل ستفوز عيناي بعذوبة تأمّل سعادتك، لأني أجهل ما ستكون نهايتي. هل سأفوز بالجلوس بقربك وتقبيل قدميّ إلهي، والتخلّص من عبء الماضي لأن القلق الدائم يلازمني والغصّة لا تفارقني لأني محروم من قربِك.

فامنحْ السلامَ للسائل المتضرّع الجريح القلب بالإثم. يحملني شوقي للخلاص إلى أن أدعوك. انظر إن جهلي يقف عثرة في طريقي، فاعتنِ بي، لأني اسيرٌ عارٍ في هذه الطريق، مريض أبكي وأنتحب لأني أبحث عن الحياة الحقيقية التي فيك ومنك، وأتألّم من غربتي. أحاول أن أجدّ السعي للوصول إلى الوطن هرباً من منفاي.

رجوتك ربّي أنا الواقف ببابك، الفقير المستعطي أن افتحْ لي. دعني أمرّ في هذا الطريق الموصِل إلى الحياة الأبدية. دعني أعبر ولو بقربك فأشعر بوجودك، لأني تعب. أشهد رحيلَك أبحث عن الطريق التي سلكتَ وأحصي خطواتك في سفرك. أحاول أن أتبعك لتحيي الأمل في داخلي، في أعماقي، وفي كياني.

هبْني أن لا أخشى بعد اليوم رحيلَك، بل أن يكون حضورك دائماً في داخلي. رجائي بكليّته قائم على رحمتك الواسعة.

لك المجد يا إلهي.