نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في أحد الايام كان القديس أرساني بوكا الروماني في الحديقة جالساً في كرسي يتأمّل الجبال المحيطة بالدير. لاحظ غيمة داكنة ضخمة فوق أحد رؤوس الجبال. ضجة كبيرة وضوضاء كانتا صدران من داخل السحابة. راح يحدّق باهتمام شديد، وإذ فجأة انفصلت السحابة إلى اثنين وظهر على قمة الجبل عرش ملكي محاط بالنار. على العرش كان يجلس عدو البشرية، الشيطان، ويحيط به عدد كبير من الأبالسة. تمكّن القديس أرساني من متابعة ما حدث بوضوح.

سمع الشرير يقول: “مَن منكم الماهر والذكي بما يكفي ليأتي بفكرة محنّكة خبيثة نهمسها في عقول الناس حتى نتمكن من استدراجهم وجذبهم إلى جانبنا؟ بهذه الطريقة يمكننا إنشاء مملكة أكبر من ملكوت الله إذ لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت …”

فظهر إبليس قدّم العبادة لزعيمه منحنياً إلى الأرض وقال: “يا زعيم الظلام البارز، أنا أرى من المناسب أن نهمس في آذان الناس أنه ما من إله”. فقال الشيطان: “إن شرَّك ليس الأفضل إذ نستطيع كسب عدد أكبر من النفوس بطريقة مختلفة. فليأتِ آخر بفكرة أخرى.”

جاء ثانٍ وقال: “يا قائد الظلام الباهر، أقترح أن يُهمس لهم أن هناك إلهًا ولكن لا يوجد شيء اسمه الجنة أو الجحيم، وأن حياتهم تنتهي ببساطة عند قبرهم”.

الشيطان، بعد تفكير عميق، قال: “هذا الفكر الشرير ليس كافيًا ولن يكسِبنا نفوساً كثيرة. سيتذكر الناس أن المسيح قال، قبل صعوده إلى السماء: <في بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا> (يو 14: 2-3). لسوء الحظ، إن إيمان الناس بهذه الكلمات قوي بما يكفي لمواجهة خططنا. سيستمر الناس في الاعتقاد بأنه سوف يكافئ الجميع بحسب أعمال حياتهم. فليأتِ آخَر ويقدّم اقتراحاً غيره.”

فجاء ثالثٌ وبعد أن سجد لزعيمه إلى الأرض، بادر إلى القول:”يا زعيم الظلام الأقوى، أقترح أنه من الأفضل أن نثني على الناس لإيمانهم بالله وبوجود الجنة والنار، وتوقّعهم للدينونة الأخيرة. لكن في الوقت نفسه، فلنهمس لهم: <لا تسرعوا إلى التوبة. فلتكن التوبة عملكم في آخر حياتكم. لا يزال الموت بعيداً. في الوقت الحالي، استمتعوا بحياتكم وتلبية جميع رغباتكم الجسدية إذ ما زال هناك وقت كثير>. وبالتالي، فيما نقوم بأعمالنا المغرية والساحرة، يشيخون دون أن يدركوا ذلك ويصلون إلى آخِر حياتهم قبل أن يتوبوا. فيصل الموت فجأة ويجدهم غير مستعدين فيكونون لنا إلى الأبد. “

فحرّك الشيطان رأسه معبّراً عن رضاه. ثمّ نخر وضجّ بفرح شيطاني ونادى بهم كلهم بقلق متسرّع: “بسرعة، كلكم اذهبوا وافعلوا بالضبط كما أشار زميلكم”.

هذه الرؤيا حصلت للقديس أرسانيوس في فترة كان فكره منشغلاً في أن الناس يعترفون بالخطايا ثم يعودون ويعترفون بها نفسها، وبأنهم عندما يعطيهم النصائح والتعليم لا يعملون بها. بعد هذه الرؤيا، فهم القديس أن سبب قيام الناس بواجباتهم المسيحية بطريقة باهتة هو ما تهمس به إليهم الشياطين الماكرة طوال حياتهم بطريقة مغرية تدفعهم نحو مباهج هذا العالم. ولأن الناس يسمعون للشياطين، فإنهم يرفضون تغيير طرقهم ويستمرون في إشباع رغباتهم وطبيعتهم الخاطئة، متجاهلين تعليم الكنيسة عن التوبة الحقيقية، حتى في سن الشيخوخة …

إنها رؤيا مفيدة لنا جميعاً.