نيكولاوس كويوس

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

لقد لوحظ من خلال البحث اللاهوتي في أكثر من مناسبة أنّ في الأرثوذكسية ارتباط بشكل لا ينفصم بين العقيدة والأخلاق، النظرية والتطبيق، والإيمان والحياة. كل دعوة إلى الجهاد الروحي لها أساس عقائدي قوي والعكس بالعكس: حياة لكنيسة المحبة والتواضع الروحية هي التي تنتج، بمعنى ما، الوجدان العقائدي لكل عضو على حدة وللكنيسة ككل.

يتبع الشيخ إميليانوس هذه القاعدة بدقة، كونه جزءًا من التقليد الآبائي في الروح القدس. يظهر هذا واضحاً في جزء كبير من تعليمه. ولكن يمكن القول بأن هناك نقطة واحدة يكون فيها هذا الرابط بين العقيدة والأخلاق أكثر وضوحًا وأكثر تفصيلًا. هذه هي بداية كتاب “خطاب حول اليقظة: تفسير القديس إيسيخيوس”[1]. في الصفحات من 4 إلى 6، قبل الولوج في دراسة معمّقة لجوهر الحياة النسكية واليقظة في الممارسة والنظرية، يتمكن الشيخ إميليانوس من اختصار التعليم الكتابي والآبائي حول الثالوث القدوس وخلق الله للإنسان .

إن آباء الكنيسة القدامى والحديثون يدركون بعمق أن حياة المسيحيين النسكية والأخلاقية هي ذات طبيعة وجودية وأخلاقية. ليست مطابَقَة للقواعد والأوامر وحسب، ولا هي حالة من التغاير الأخلاقي أو الخضوع من خلال الطاعة “العمياء” للوصايا الإلهية. إن جذور الخُلُق المسيحي هي في معرفة عميقة، تُحفَظ بتجربة جسم الكنيسة: أن خلق الشخص يتمّ ترتيبه وتحقيقه بواسطة أقانيم الثالوث الثلاثة أنفسهم.

يكتب الشيخ إميليانوس:

في لحظة استثنائية وفريدة من نوعها في التاريخ، رغب الآب السماوي في خلق العالم المادي. وبمجرد الانتهاء من ذلك، تابع إلى تكوين جسم الإنسان، بالتعاون مع أقنومي الثالوث الأقدس الآخرَين، ونفخ “نَفَس الحياة” فيه. وهكذا أصبحت خليقة الله “كائنًا حيًا” [2]. ثمّ توقف الله عن مجرّد الرفرفة فوق المياه [3] ودخل في العناصر المخلوقة والمادية والكائنات الحية. لقد سكن في كائن فريد سامٍ وهو أصبح ملك الخليقة وغايتها. الآن، سبب الخلق هو الله نفسه. منذ تلك اللحظة، صار لا مفرّ من التلازم، والسير نحو إدراك الله والاتحاد به، وصار من المستحيل الآن تصوّر الشخص البشري، صورة الله غير المرئي، بدون الروح القدس.

لذا، الروح القدس، كأحد أقانيم الثالوث القدوس، يعاون في ولادة كل شخص. جنباً إلى جنب مع الآب والابن، يعطي رحم الأم المواد المأخوذة من الأب والأم، فيكون الجنين الناشئ على هذا النحو جسداً وتراباً. نحن الناس نلد التراب: نحن تراب ونعود إلى التراب[4]. لهذا التراب، يعطي الوالدان كل قدرات وخصائص شخصياتهم، ويعطون أنفسهم صورة جسدهم.

ما فعله الآب السماوي مع أول شخص بشري، يفعله أيضًا عند ولادة كل واحد منا، والفرق هو أنه في حينه خلق التراب أولاً ثم نفخ فيه الروح القدس، بينما الآن يدخل الروح القدس الشخصَ بمجرد حدوث الحمل. لذا فمنذ اللحظة الأولى، يكون الجنين حيًا وشخصًا لأن فيه استنشاق الروح القدس. إن عنده تحكم عقلي، وهو صورة كاملة للألوهية، وحتى اللحظات الأخيرة، يحمل ملامح الطبيعة الإلهية والإنسانية بلا كلل وبلا هوادة. إلى هذا، يوجد اتصال في داخل الشخص بين الطبيعة البشرية والإلهية، كما هو الحال في المسيح.

ويترتب على هذا، أن عند ولادة كل شخص، هناك من ناحية أفعال إلهية، ومن ناحية أخرى مساهمة إنسانية، وفقًا لقول الله الرب وإرادته القديمة: ” أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا” [5]. الزوج والزوجة كجسد واحد “يَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” [6] يتواصلان مع الروح القدس فيجمع الابن الكلي القدرة كلّ شيء ويضعه في رحم المرأة، وبهذه الطريقة يوجد شخص كامل، إله وإنسان. الأشخاص الجدد، الذين خلقهم الله وخُلقوا له، يُوهَبون في المعمودية الألوهية مع الحياة المواهبية حيث يصبح الروح القدس ميراث وجودهم. ومن ذلك الحين هم في حالة تحدٍ داخلي دائم من الروح القدس دائمًا ويعكسون من ذواتهم شرارات نور الألوهية. بهذه الطريقة ، يصبح تراب الأرض حياة مشعّة باليقظة”.

[1] الأرشمندريت إميليانوس سيمونوبترا Λόγος Περί Νήψεως: Ερμηνεία στον Άγιο Ησύχιοـ أثينا، 2007.

[2] تكوين 7:2

[3] تكوين 2:1

[4] أنظر تكوين 19:3

[5] تكوين 28:1

[6] تكوين 24:2