ديمتري يوانو

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يمكن تلخيص كل فكر الشيخ أميليانوس السيمونوبتري الأثوسي في التعليم الذي ” نصِل إلى الله عبر أخينا”. هذا هو الموضوع الرئيسي لمؤلفاته. ولكن ما الذي يعطي تواصلنا مع الآخرين أصالة وصحّة؟ يجب أن نقول في البداية أنه من بين أشياء أخرى نعرفها بالفعل، يجب أن تكون علاقتنا مع أخينا مشبَعة بروح من “التلطف”، والحساسية الشديدة، حتى لا نسبب لهم ولا أي جرح. هذا “التلطف” ليس مجرد ضرورة أخلاقية أخرى، كمثل الكثير من الأشياء الأخرى. إذا أردنا أن نتعلم كيف نتصرف بلباقة، فيجب علينا أولاً أن نفصل أنفسنا عن الأرضيات، أشياء الجسد، التي يجب ألا يتم تصنيفها بالتأكيد مع “الأساسيات”. “الدنيوي” هو كل شيء فيه روح اللؤم أو ضيق الأفق أو عدم الاستحقاق.

في الإشارة إلى الحياة في الدير، على الرغم من أن كل ما يقول له ما يناظره في حياة الناس العلمانيين، يقول الشيخ: “إذا سأل أحدهم عن الوقت وقيل له السابعة وعشرين دقيقة، ومن ثم أتى آخر وقال: لا إنها السابعة وخمس وعشرون دقيقة، فالأخير خاطئ ولا يحق له المناولة. ما الفرق الذي تحدثه خمس دقائق إضافة أو نقصاناً؟ إن زماننا هو الأبدية”. ما يعنيه الشيخ هو أن الأخوين في الدير دخلا في محادثة سمعها الثالث، الذي لم يكن على علم بالسبب الأكثر عمقاً لمحادثة الأخوين بهذه الطريقة. لربما كانا يريدان أن يعودا إلى الحديث، وقد يكون أن أحدهما ببساطة أراد أن يساعد الآخر على التخلص من فكرة سيئة أو انشغال ما فأعطاه الفرصة لأن يقول شيئاً آخراً. لمَ نتدخّل في محادثات غيرنا ونقطع شركة النفوس هذه ونحن نجهل المنظار الأكثر عمقاً، أي في القلب. إن لم يكن الخطأ على مستوى عالٍ من الخطورة بشكل يهدد انتظام الأخوية فلن يكون مبرراً للتدخل. لكن ما هو مخفي وراء هذا “التصحيح” هو تناقض أساسي. نقرأ ما يلي: “أي شخص يناقض أخاه ويزعزعه لا يستطيع أن يتقدم من المناولة”. (تجدر الإشارة إلى أن “روح التناقض” هي شغف يخفي الجدل العميق والغرور).

بطبيعة الحال، في العالم خارج الرهبنة، الأمور مختلفة، ونحن بين الحين والآخر نصحح الآخرين. ولكن هذا ربما لأننا اعتدنا على إسكات الآخرين بحضورنا، المفنرَض أنهم فرحنا، لأننا ضمنياً نريد أن نسمع صوتنا وحسب. نريد أن يتردد صوت رفضنا بِلا تبدأ كتصحيح لدقيقة معينة وينتهي بها المطاف في تصحيحٍ كاملٍ لوقت إخوتنا من البشر. وهذه المحاولة لتنظيم وقت الآخرين، والتي عادة ما تكون في شكل ثرثرة، خوف، أو حتى هدوء، من “حب الرئاسة والكلام البطّال”، تجرح أشخاصاً آخرين بشكل طبيعي. وإلى جانب ذلك، باستثناء الحالات النادرة، نحن أنفسنا مذنبون بعدم الدقة عندما نتحدث. هل هذا يعني أنه يجب على الناس تذكيرنا بهذا إلى الأبد من دون تمييز؟

في مخاطبته للرهبان، تابع الشيخ قائلاً إن كلّ مَن “ينخرط في الدردشة البطّالة، وفتات الأخبار” يلحق ضررًا كبيراً بأخيه. ما قصده هو أن الراهب قد يكون صلّى بحرارة، وكان يسعى جاهداً لتحقيق هذه الشعلة وهذا الدفء في صلاته، ثم فجأة يأتي شخص ما ويقول: ‘هل سمعت؟ في العالم، تصرف هذا السياسي أو ذاك بشكل غير قانوني…” ولكن لماذا هذه الملاحظة خطيئة؟ لأنها، بطريقة ما، غير مناسبة، إنها محاولة لتحويل الشخص الآخر عن الأمور الجوهرية إلى التفاهات.

لدى الراهب (وكل شخص) جهاده الداخلي المستميت من أجل الخير. إنه يخوض في كل دقيقة معركة حول ما يسميه الوجوديون “القلق الوجودي”. إنه محبوس في “خزانة قلبه”. إنه يتمتع “بداخلية” خاصة به كامتياز شخصي منحه الله له، وهو بالضبط ما يجب أن نتعلم احترامه قبل كل شيء. إذا كان شخص ما في دير، أو حتى في كنيسة، وركع وأدار رأسه نحو أيقونة، فهذا يعني أنه بعون الله، تمكن من ترك اهتماماته واختار “النصيب الصالح”. ألا ينبغي أن نكون على علم بهذا السر؟ سواء كنا نجرؤ على الاعتراف بذلك حتى لأنفسنا، فنحن جميعًا نريد أن يكون هذا التميز والتنوع عندنا محترماً. بالطبع، لن نضحك أو نخبر النكات أو نستمتع بها. ولكن كل هذا يمكن أن يحدث مع معرفة أن الآخرين لديهم الداخلية الخاصة بهم.

هذا هو السبب في أنه من الخطأ من جانبنا تجاهل رغبة الآخرين في أن يكونوا أنفسهم أو حتى القضاء عليها. نحن نحاول خنق حساسياتهم – غالبًا خوفًا من أن فقدان الارتباط الحقيقي مع الآخرين قد يؤدي إلى تحطيم تصوراتنا الخاطئة. لذلك عندما يخبر هذا الراهب أخاه عن هذا السياسي وذاك، على الرغم من عدم إدراكه، هو يهاجمه فعليًا من وجهة نظر نفسية دينامية ويوجه ضربة له.