الأب منيف حمصي

لأسباب عدة يتعامل كثيرون مع الصليب الكريم كأنه مجرد خشبة. وآخرون يستخفّون به على أنه لا معنى لموت الله، اذ لايمكن للألوهة أن تموت. والإلهي بولس أدرك هذا قبل ألفي عام فقال: “الصليب عند الهالكين جهالة. أما عندنا فهو حكمة الله وقوة الله”. الكلام عن الصليب يعود بنا إلى حدث الميلاد. لماذا وُلد الرب من مريم البتول وبدون زواج طبعاً؟ الجواب بسيط للغاية: كي يتجسّد. ربنا أخذ من مريم امه بالجسد جسداً كجسدها قابلاً للموت. ولماذا فعل ذلك؟ كي يصعد به على الصليب ويموت. وعندما يموت ويقوم لكونه الله، يسحق الموت الذي كان يرعب البشر منذ القديم. الرب بموته على الصليب أسلم الروح في اللحظة التي حددها بألوهته، فمات وقام. وبقيامته سحق الموت مرة وإلى الأبد.

هذا الكلام فائق الأهمية لأنه بدون سحق الموت لا يكون الانتصار على الخطيئة امراً ممكناً. وبولس الإلهي نفسه يعلّمنا أن شوكة الموت هي الخطيئة. فإذا مات الموت تُكسَر شوكتُه وقوته ورهبته. في الحقيقة، هذه الكلمات ليست من عندي بل هي من آبائنا القديسين والكتاب المقدس.

وهكذا يصير الصليب أداة خلاص، كما نردد في صلواتنا وليتورجيتنا الارثوذكسية. ولكن ما علاقتنا بما فعله الرب بموته على الصليب؟ بموت الرب خرج الانسان من قمقم الأرض. وبالأحرى بإمكانه أن يكون حراً بحق. بات بإمكانه ان يتمتع بإرادة حرة وقوية تختار بحسب كونه مخلوقاً على صورة الله. بموت الرب على الصليب ندعى للسير وراء الرب، من أراد أن يتبعني يقول الإنجيل.

كيف نعيّد للصليب الكريم؟

علينا من أجل ذلك، أن نطيع وصايا الرب ونحبه من كل القلب. لابد أن يكون يسوع المسيح الأولوية الأولى في حياتنا وهذا ندعى إليه من تأملنا في رسالة معموديتنا. إن كنتُ لا أحب الرب كيف لي أن أصل إلى حيث صار هو بعد الموت بالجسد حبّاً بي؟

كيف أعيّد للصليب اليوم؟

كي أكرم صليب الرب علي أن أصعد على صليبي أنا. لا بدّ لي أن أصلب خطايا حبّاً بِمَن أحبّني ومات عني. إن لم أمُتْ عن خطاياي الشخصية فأنا لا أحبّ الرب. إن بقيت حسوداً حقوداً غضوباً شهوانياً… إن بقيت كسولاً مهملاً محبّاً لحواسي وعبداً لها … إن بقيت حاملاً انساني العتيق ومهملاً الإنسان الجديد الذي أُعطي لي بالرب وذبيحته على الصليب سوف أبقى في خطاياي.

الصليب حررني واعتقني، اطلقني وفكّ عقالي . صليب الرب ليس مجرد خشبة مات عليها إله لا يموت. الصليب هو اختراع إلهي أعطى للبشرية بقوة الله يسوع المسيح. مَن لايعرف صليبه ويلتزم به يبقى شهوانياً لحمياً حتى القبر.

أن يدرك المرء صليبه عليه أن يبدأ جهاداً عنيفاً ضد شهوات اللحم والدم فيه. بدون الصليب لن يذوق أحد العتق والحرية، ولن يذوق معنى الحياة. وعلينا إن كنا نتطلع إلى رجولة أصيلة وحياة بهية أن نكفّ عن حسد إخوتنا أن نتوقف عن كرههم وبغضهم. مَن كان يتوق حقاً إلى تكريم صليب الرب عليه أن يكفّ عن انكماش قلبه أمام الإخوة. علينا أن نحب الآخرين كي نهزم الإنسان العتيق فينا. علينا أن ندرك حسد قلبنا ونبدده إن كنا نتوق إلى الاقتداء بالمسيح ونحبه.

اليوم، يمكننا القول أن المسيحيين ليسوا مسيحيين إن كانوا لا يعرفون محبة القريب والبعيد من الناس. الذي لا يحب هو إنسان لا يقتدي بما فعله المسيح على الصليب. ومَن لا يقتدي بالمسيح لا يمكنه أن يكون قدوة لأبنائه وكل الذين يلوذون به.

أخي المؤمن وأختي المؤمنة إن كنّا نريد أن نعيّد للصليب الكريم اليوم علينا أن نقرأ كلمة الله في الإنجيل كي نعرف ارادته. وبغير هذا سوف نبقى حثالة العالم ووسخ الأرض وعبيداً لكل ما في إنساننا العتيق من أوساخ.

خلصنا يا ابن الله يامن صُلب بالجسد نحن المرتلين لك.