إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

* عن الميتروبوليت نيقولاس مطران ميسوغيا والراهب إيلاريون من قلاية القديس خرالمبوس بتصرف

ما نعرفه عن الشيخ هيروديون أنه روماني رقد بالرب سنة 1990، عاش كمتباله للمسيح. كان القديس باييسيوس يقول عنه: “لو كان واقعاً في الضلال الروحي، لما عاش بتلك الطريق. إنه فاضل جداً”. تظاهر بالجنون بمهارة حتى شكّ كثيرون بأنه ليس متبالهاً بل فاقد العقل بالفعل.

يخبر الميتروبوليت نيقولاس أنه أثناء عيشه قرب القديس باييسيوس، بعد أن ترك أميركا التي عاش فيها ثماني سنوات (عاملاً في النازا – المترجم)، قال له القديس: إذهب إلى التاليا (دكان في كارياس) واشترِ كل ما تجده، بسكويت ومعكرونة وفاكهة، واذهب لزيارة الأب هيروديون. إنه، بنعمة الرب، يدّعي التباله بحضور الناس”.

“انطلقنا. قلايته كانت في كابسالا، على بعد حوالي العشرين دقيقة من كارياس. لقد زرت آباءً كثيرين قبل ذلك، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً جداً. فجأة وجدنا أنفسنا أمام كومة من الزبالة، فيها كل ما يخطر بالبال من تنك وعلب وبقايا مأكولات وقناني كوكا كولا. بتقديري أن سماكة القمامة حوالي الأربعين سم، مع ما يرافقها من الذباب والحشرات.

في الداخل رجل ذو شعر طويل يلبس شيئاً غريباً على رأسه، فقلنا له أننا أتينا لرؤيته. فسألنا بلكنة رومانية مَن أرسلنا فأجبناه الأب باييسيوس. أجابنا “الأب باييسيوس هذا رجل قديس. رجل قديس”. “وقد طلب منا أن نجلب لك شيئاً للأكل”. “شكراً لك أبونا باييسيوس. ماذا أرسل لي الأب باييسيوس؟” فأخذ حبة بندورة وضرب بها الحائط، ومن ثم راح ينثر البسكويت والمعكرونة والفاكهة كلها على الأرض قائلاً “فلتأكلها الطيور. شكراً ابونا باييسبوس! شكراً! الطيور سوف تأكل!” مكرراً نفس الكلمات. كنت أراقب باهتمام محاولاً أن أفهم سبب هذا التصرّف غير السوي. لقد نثر كل شيء.

“علينا أن نكفّر عن يهوذا”. لقد كان يحكي عن يهوذا وعن أن على البشر أن يكفّروا عن يهوذا. كلنا مثل يهوذا لأننا نخطأ. نحن مدعوون في حياتنا لأن نعمل عكس ما عمله يهوذا. ودعناه وتركنا. تطلعت خلفي ووجدتُ إنساناً يشعّ وسط كومة قمامة. لقد اجتاحني شعور قوي بالبهجة: كيف يمكن أن يختبئ المسيح المتواضع في شيء شديد القباحة (من وجهة النظر الدنيوية) في مظهر منفِّر وتصرف وقح بالشكل.

يشبه الأب هيروديون ناسكاً التقيته مرة بالقرب من قمة الجبل ولم أفهم ما فعله. فقد توقف ووجد قرميدة وكتب عليها “ΑΓΡΙΟΣ” (أغريوس أي متوحش)، ومن ثم محا “Ρ” فصارت الكلمة “ΑΓΙΟΣ” (أيوس أي قديس). ولكن لاحقاً فهمت أنه عنى أن كل متوحش، أي الإنسان، يجب أن يصير قديساً.

هذه القصص تعني أن الله يختبئ في مجانين هذا العالم (أنظر 1كورنثوس 18:3)، في الفقر “في التباله من أجل المسيح”، في المرضى… هذا الراهب هيروديون عظيم ليس لأنه رمى المأكولات بل لأنه عاش في حالة ثابتة من إنكار الذات. هو لم يخبِر ذلك بل أنا شهدته.”

مَن هو الشيخ هيروديون؟

اسمه في العالم يون مادوف مولود في 1904 لعائلة فلاحين في بيساربيا. في أحد الأيام توقف أحد المسافرين الروس في ضيعته أثناء عودته سيراً على الأقدام من الحج إلى الجبل المقدس. دعاه والد يون إلى بيتهم المتواضع وأحسن ضيافته. هو كان يخبرهم قصص ما رأى وشاهد فيما عيونه تفيضان دموعاً.

مرت السنوات وظهر أن ذلك الضيف قد أشعل جذوة في قلب يون الصغير. في ذلك الوقت كان رئيس دير الديونيسيو في رومانيا، فالتقاه يون وعائلته مستفسرين عن الرهبنة. في نهاية اللقاء اختار يون الطريق الرهبانية بمباركة أهله. وصل إلى الجبل بعمر الخامسة والعشرين وبدأ حياته الرهبانية في قلاية دخول السيدة. ومن ثم تنقل بين لاكوستيكي وبروفاتا ودير كاراكاللو وفيلوثايو وفاتوبيذي. سبب تنقله كان فقره. ففي ذلك الحين، كان الكثير من الرهبان سكان القلالي يعملون في الأديار ليعيشوا، خاصةً في الزراعة.

وفي مرة حين كان يعمل ويعيش في دير فاتوبيذي، اختلف عمال من جزيرة ليمنوس مع بعضهم البعض، وحاول الأب هيروديون تهدئتهم. أحد العمال، وكان يكنّ الضغينة للأب هيروديون لأنه كان محبوباً كثيراً، ضربه على رأسه مسبباً له اهتزازاً في الرأس. من بعدها سلك الشيخ كمتباله في المسيح، حيث كان يخدع البشر والشياطين محتملاً الإهانات والاضطهاد وحافظاً النعمة التي من الله.

يخبر الراهب إيلاريون من قلاية القديس خرالمبوس أن <أول لقاء لي مع الأب هيروديون كان في صيف 1987 وكنت أعيش في كارياس. الأب اسحق اللبناني هو مَن دلّني عليه. وقد زرتُه برفقة شماس من دير كيكوس القبرصي. عند وصولنا قلنا له “بارك يا أب!” أجب “الرب يبارك”. من ثم تابع “عندي طائرات! أنا أطير فوق كل البلدان. أنا الآن أحلق فوق قبرص… عندي سفن… لا تبتلعوا كل شيء. الثور يشرب كل الماء وينفجر.” ثم التفت إلى الشماس وقال له “أعطني يدك” فأمسكها زقال له “أصغِ إلى كهنتك بانتباه! انتبه إلى ما يقولون . أتسمعني؟” هذا الشماس هو اليوم أسقف في كنيسة الإسكندرية.>

آخر أعمال التباله من أجل المسيح

عند بلوغ الشيخ السادسة والثمانين من عمره لم يعد يقوى على العيش بمفرده في قلايته. فالتقدم في العمر وسنو الجهاد الطويلة ظهرت عليه: لم تعد قدماه تقوى على حمله وصار يقع على الأرض. عندها قبل عرضَ مواطنه الأب ملاتيوس الروماني وانتقل إلى قلاية القديس جاورجيوس. أعطاه الشيخ ملاتيوس غرفة منعزلة في الطابق الأرضي وصار يهتمّ به. بالرغم من ضعفه، طلب الأب هيروديون قطعة من الخشب ليتكئ عليها أثناء صلاته الليلية. في آخر شهر من حياته لم يعد يأكل إلا القليل وصار يطلب من المحيطين به أن يصلوا كي يأخذ الرب نفسه في أسرع وقت. على غروب عيد القديس إسبيريدون راح الأب ملاتيوس إلى الدير للاشتراك في السهرانية التي تمتد إلى الصباح، وبقي العامل كوستا في القلاية لوحده وهو كان يهتمّ بالأب هيروديون. في المساء سمعه يصلّي ويحاول أن يقوم ببعض السجدات. عند الفجر لم يسمع كوستا أي صوت من الغرفة فقرر الدخول ليرى ماذا يفعل الشيخ. لكن قبل أن يلِج استرقّ النظر من الشباك فرأى الشيخ ممداً على السرير عارياً وهو يغطي أجزاءه الخاصة بيديه، على حسب ما قال أيوب: “عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ” (21:1). لقد رقد الشيخ بالرب في 12 كانون الأول 1990. عندما عرف الشيخ باييسيوس بموته وكيف وُجِد قال: “كان هذا آخر أعمال التباله من أجل المسيح”.

دُفِن الشيخ في اليوم التالي لعيد القديس إسبيريدون ومعه العصا التي كان يتكئ عليها أثناء صلاته الليلية. بعد ثلاث سنوات تمّ الكشف عن رفاته فوُجدَت عظامه صفراء، وهذا في التقليد الأثوسي إشارة إلى أنه رجُل الله.