الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

ابتعدْ بكل ما أوتيت من قوة عن الناس الذين لا تعود معاشرتك إياهم بأية منفعة عليك، رهباناً كانوا أم علمانيين. هؤلاء، وإن بدوا شيوخاً كسا الشيب رؤوسهم وملأت التجاعيد وجوههم، فإنهم بزينة الجسد هذه (مظهر التقوى) يلحِقون الأذى بمَن يعاشرهم. أما أنت، ولو لم تتأثر بهم البتة، نظراً لطباعك الحسن، فسوف تتأذى من جيث لا تدري، يتراخى ذهنك وتتسلّط عليك الكبرياء العائدة من الهزء بهم.

عندما ينفصل عبد الله عن الأرضيات، فإنّه لا يعرف أن يتكلّم كلاماً غير ضروري لئلا يتشتت فكره. وهكذا، يجاهد بحسب قدرته على مماثلة الله في النقاوة والبِر، وبهذه الطريقة يجد الله دوماً حاضراً لسماعه.

إن الكلام البطال يسبب الأذى لعبد الله. فبمقدار ما يقترب فمه من العالم يبتعد عن الله الكلي القدرة. هذا ما أعلنه أشعياء النبي محقّراً ذاته أمام رؤية الملك رب الجنود: “ويحٌ لي، فقد هلكت، لأني رجل دنس الشفتين”. فمن أين اقتنى النبي هذا الدنس؟ فإنه يضيف: “وأنا مقيم بين شعب دنِس الشفاه” (أش 5:6). إذاً يستحيل ألا يتلوث الذهن من الكلام البطال. وكلما اقتربنا من اللقاءات الباطلة، كلما اعتدنا عليها وسررنا بها فتطبق علينا. وهكذا فالكلام البطال يؤدي إلى الكلام المؤذي، والكلام الخفيف يؤدي إلى الكلام الثقيل الذي يصمّ آذان الله عن صلاتنا ويتأخر عن تلبية طلباتنا لأننا تأخرنا عن حفظ وصاياه أو لم نحفظها مطلقاً. “من يصرف أذنه عن سماع الريعة، فصلاتُه أيضاً رجسة” (أم 9:28).

ثمّة مَن يقول لمحبي الله: اهرب من المدينة وفِرّْ إلى الجبال، فتنجو كالعصفور. أما اليوم، فأقول لمَن يسعى إلى خلاص نفسه: اهرب من وسائل التواصل الجديدة (الانترنت). لا تودّ أن تسمع، ولا تودّ تقصّي ماذا قيل. فالشياطين لن تترك أيّ كلمة صغيرة تسمعها، بل إنها بواسطة هذه الكلمة تُميت نفسَك. لا تودّ أن تسمع عن إساءات غريبة، لأن معرفة السيئات ستنطبع في نفسك. إن اقتضى على محبّ االله أن يغوص في صفحات التواصل، فليسرع في إنهاء عمله وليقف بد ذلك أمام الله بتوبة صادقة لئلا يخسر حرارة الصلاة والدالة في الطلبات. وفي جمعه للمعرفة، لا يغص من موقع إلى آخر، كالمتفرّج أمام واجهات المحلات، لئلا يسقط في نكبة البطالة، ويبتعد عن مجد الله مسلوبَ الحرية ومتعبَد دوماً للقاءات السرّية مجتنياً فضة وطيناً ووحلاً عوض عن الذهب. أمّا القابعون على الشاشات لوقت طويل، فإنهم يعانون من انكساف النور الإلهي في قلوبهم. فالبعض منهم تضربهم غربان على وجوههم، والبعض تعانقهم نسوة عاريات يتحدثن معهم على آذانهم، والبعض الآخر يصفعهم صبيان عراة ويوسّخون وجوههم ببراز بشري. ومنهم مَن يحملون سكيناً يقطعون لحماً بشرياً ويعطونها للرهبان ليأكلوا. وهكذا، كلّ بحسب هواه ترافقه شياطين مختصّة تعمل في ذهنه. هذا كله تجلبه اللقاءات الطويلة والقصيرة التي أصبحت اليوم ضرورة. مَن كان حكيماً استطاع أن يعبر ويخلص.

أما عن المقالات اللاهوتية وقراءة الكتب المقدسة وصور الليتورجيا والاحتفالات الكنسية (على الانترنت)، فإذا لم تكن حذِراً فكلها تقذف بك في جب حوت المجد الباطل. بهدف الرعاية والتبشير، تُباح القدسات ويعرَّض جسد المسيح ودمه في القداس الإلهي للمهزلات التي لم تعترض المسيح عندما صُلب وذُبح ومات. والذي كان سرّاً حميماً بين حبيبين يؤمنان ببعضهما البعض، يصير على الوسائل الجديدة بدافع الرعاية والإرشاد، مباحاً أمام الجميع فيفقد قسمته تماماً كالعذراء التي تتعرّى وتخرج من بيتها. طبعاً حسنٌ أن ننفع مَن يسألعن طريق الكلمة والصورة، ولكن الأجدى نفعاً أن نساعدهم عن طريق الصلاة والعمل (الفضيلة). “وليكن الكلام دوماً مطيّباً بملح إلهي” (كولوسي 6:4). ولنهرب من الدينونة ومن المجد الباطل كما يهرب الواحد من الأفعى؛ لأن مَن تلسعه الأفعى فإما أن يموت أو يتعافى بصعوبة. فلتكن حربنا أمام جبهة واحدة وليس أمام جبهات عديدة. كَم أراد أن يخلص، بعد أن كان أنكر الشيطان وكل أعماله وكل أباطيله، عليه أن يكون محترزاً على نفسه من كل ما يجعله يتطلع إلى الوراء ليعود وينكر المسيح. عليه أن يموت عن الكلام البطال الذي يدفعه إلى تدمير رحمة الله المسكوبة عليه، وعن المجد الباطل هروبه من الشيطان. لأن المجد الباطل يدفع بتلميذ المسيح لأن يكون عاصياً فيرفض “الوداعة وتواضع القالب”. وإذا كانت المساكن في القديم تتميز بين المدينة والصحراء، فاليوم كلنا نقطن “المدن”. فلنجعل منها صحراء لنعيش مع الله كما عاش الأنبياء في الطريق الضيق الصعب، حتى نحقق رغبة مسيحنا. وبهذا يأتي الروح القدس المعزّي ويسكن فينا ويجعلنا مخلَّصين ومخلِصين لمخلّصنا يسوع المسيح، له المجد إلى الأبد. آمين.