المحبة

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي


أخوتي وآبائي

بنيتي أن أحدثكم عن الأشياء التي تتعلق بمنفعة الروح. لكن، والمسيح هو الحقيقة التي تشهد، أنا أخجل أمام محبتكم لأني أعرف عدم استحقاقي. لهذا السبب كنت أود الصمت إلى الأبد، والرب يعلم، دون أن أرفع عينيّ لأنظر في وجه أيّ كان لأن ضميري يدينني. لقد انتُدبت لأكون رئيساً عليكم جميعاً مع أني غير مستحق بالكلية. لقد انتُدبت لأكون رئيساً وكأني عرفت الطريق، أنا الذي لا يعرف أين هو نفسه يذهب، ولا حتى يعرف الدرب الموصلة إلى الله. لهذا فالحزن المتملك بي ليس عادياً ولا قليلاً لكوني أختِرت لقيادتكم، أنا الحقير، وأنتم الأكثر استحقاقاً. كان ينبغي أن تكونوا أنتم مرشديَّ لأني الأخير بينكم بالعمر والأقدمية. لا تحتوي حياتي لا الخبرة ولا الشهادة التي بها سوف أنصحكم وأذكركم بما يتعلق بقوانين الله وإرادته. أعرف أن موضوعي لن يحتوي شيئاً من الخبرة وأعرف جيداً أن ربنا وإلهنا لا يدعو مباركاً ذاك الذي يعلم فقط إذ يقول: “من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات”[1]. عندما سمع الرسل هذا المعلم صاروا يتشوقون للتمثل به. ليس ما كسبوه من هذه الكلمات عظيماً كالذي كسبوه إذ حُرِّكوا بأعماله وعملوا مثلها. أعرف أن هذا لا ينطبق عليَّ وليس فيَّ أي شيء صالح. ولكن أرجوكم جميعاً يا إخوتي الأحباء، لا تنظروا إلى تهاوني في الحياة ولكن اهتموا بوصايا الرب وتعاليم آبائنا القديسين. فهؤلاء الأنوار المشعة لم يكتبوا شيئاً لم يختبروه أولاً وينجحوا بتطبيقه.

 

لنتبع إذاً هذا الطريق الوحيد الذي هي وصايا المسيح التي تقودنا إلى الله والسماء. مع أن الكلمة تصف لنا طرقاً مختلفة لكن الطبيعة الداخلية لهذه الطرق هي نفسها: يُحكى عنها كأنها تتفرع إلى طرق مختلفة بحسب مقدرة وموقع كل شخص. ننطلق من أعمال مختلفة كما ينطلق المسافرون من أماكن ومدن مختلفة، لكن مقصدنا الذي نشتاق إليه هو واحد: ملكوت السماوات. أعمال رجل الله وطرقه يجب أن تكون واضحة كالفضائل الروحية. على الذين يبدؤن السير عليها أن يجروا نحو هدف واحد كما أولئك الذين تحدثنا عنهم الآتين من أماكن مختلفة يجرون إلى مدينة واحدة، ملكوت السماوات. هناك يستحقون أن يحكموا مع المسيح ويكونوا خاضعين لملك واحد، إله وأب. في هذه المدينة الوحيدة سوف تفهمون ثالوث الفضائل المقدس وغير المنفصل[2]. فوق كل هذا، تلك الفضيلة التي تأتي قبل الأُخَريات وتُذكَر كالأخيرة بينها لأنها هدف كل الأشياء الحسنة وأعظم منها جميعاً: المحبة. ***كل إيمان يأتي منها ويُبنى على أساسها: عليها يرتكز الرجاء. بمعزل عن المحبة لا يكون شيء مطلقاً ولن يكون. أسماؤها وأعمالها متعددة وأكثر منها علاماتها. إلهية  صفاتها وكثيرة، لكنها واحدة في الطبيعة، فوق ما يستطيع  وصفه الملائكة والبشر، أو أي من المخلوقات الأخرى حتى التي لا نعرفها. العقل لا يستطيع فهمها، مجدها لا يُدرَك وقصدها لا يُسبَر غوره. إنها أزلية لأنها فوق الوقت، غير منظورة لأن  الفكر لا يفهمها مع أنه قادر أن يحس بها. كثيرة هي جمالات هذه الصهيون المقدسة غير المصنوعة بيد. من ابتدأ برؤيتها لا يبتهج بعد بالأمور المحسوسة: يتوقف عن التعلق بمجد هذا العالم.

 

بعد هذا التمهيد، دعوني أعالج الموضوع بإيجاز وأوجه نفسي إليه مكرساً له كل رغبتي. يا آبائي وإخوتي الأحباء، ما أن تذكرت جمال هذا الحب غير المشوّه حتى ظهر ضوؤه فجأةً في قلبي. لقد فُتنت ببهجته ولم أعد أعي أياً من الأشياء الخارجية. فقدت كل حس لهذه الحياة ونسيت الأشياء التي في يدي. ولكن مرة أخرى فقدته – وأنا خاسر – ومضى عني بعيداً وتركني أنوح في ضعفي. كم هو سعيد من عانقك أيتها المحبة المشتهاة، لأنه لن يتمنى أبداً معانقة أي حسن أرضي. مغبوط هو من يحركه الحب الإلهي ليلتصق بكِ. فهو سوف ينكر العالم كله، وفيما يعيش بين الناس يبقى بغير دنس. مغبوط هو من يعانق جمالك ويبتهج به برغبة لامتناهية لأنه سوف يتطهر بالماء والدم الذين ينبعان منك بكل طهارة. مغبوط هو من يعانقك بعمق لأنه سوف يتغير بشكل رائع. بالروح والنفس سوف يبتهج، لأنك البهجة التي لا توصف. مغبوط هو مَن يمتلكك لأنه سوف يحسب ثروات الأرض كالعدم، لأنك بالحقيقة الغنى الذي لا يفرغ. مغبوط ومُضاعف الغبطة هو من تقبلين، لأنه وإن يكن بدون مجد مرئي إلا أنه يكون أكثر مجداً من كل الممجدين وأكثر كرامة وجلالاً من كل المكرَمين. من يتبعك مستحق الثناء ويستحق ثناء أكثر ذاك الذي يجدك. مبارك أكثر ذاك الذي تحبين وتقبلين وتعلمين ويحيا فيك ويغتذي بك مع المسيح، الغذاء الأبدي، المسيح إلهنا.

 

أيتها المحبة الإلهية أين تقتنين المسيح؟ أين تخفينه؟ أين أخذت مخلص العالم وتخليتِ عنا؟ إفتحي ولو باباً صغيراً لنا غير المستحقين حتى نحن أيضاً نرى المسيح الذي تعذب من أجلنا، وبرحمته تكون لنا الثقة بأننا لن نموت إذا رأيناه. إنفتحي لنا لأنك صرت بابه حتى يظهر بجسده. لقد حرّكتِ قسراً شفقة سيدنا الطوعية الكريمة ليحمل خطايا وأسقام كل الناس، فلا ترفضينا بقولك “لست أعرفكم”. كوني معنا حتى تعرفينا لأننا مجهولون عندك. أسكني فينا لعل السيد يزورنا نحن الحقيرين أيضاً عندما تلاقينه لأننا غير مستحقين. فهو سوف يتوقف على الطريق ليتحدث معك، وهكذا يُسمح حتى لنا نحن الخطأة أن نسقط عند قدميه الطاهرتين. أنت سوف تتوسطين من جهتنا وتلتمسين أن تُنسى ديوننا من الأفعال الرديئة، حتى من خلالك نوجد من جديد مستحقين لخدمة سيدنا ونتغذى به. أن نهلك بجوع الفقر المدقع هو بمثابة عقوبة وتأديب، حتى لو لم يكن علينا ديون.

 

فلتغفري لنا إذاً، أيتها المحبة المقدسة، ولندخل عِبرَك فرح معونات ربنا. لأن أحداً لن يذوق حلاوتها إلا عِبرِك. من لا يحبك كما يجب، وليس موضع محبتك فسوف يجري ولكن لن يأخذ الجعالة[3]. من يجري يبقى غير أكيد إلى أن ينهي السباق، أما الذي أمسك بك أو بمن هو ممسك بك فهو أكيد من النصر لأنك أنت غاية الناموس[4]. أنت من يطوقني ويؤججني ويضرمني بعمل قلبي برغبة جامحة لله ولأخوتي وآبائي. أنت معلمة الأنبياء، رفيقة الرسل، قوة الشهداء، وحي الآباء والمعلمين، كمال القديسين جميعاً والآن براءتي للخدمة التي أمامي..

 

سامحوني يا أخوتي إذ انحرفت قليلاً عن تعليم موعظتي بسبب استطرادي عن المحبة. لأني إذ وعيتها فرح قلبي كما يقول داود القديس، وإذ حُرَِكتُ إلى إنشاد تسابيح معجزاتها، أتوسل الى محبتكم أن تتابعوها بكل قوتكم وتجروا وراءها بإيمان حتى تمتلكوها. لن يخيب رجاؤكم مهما يكن. مهما كان حماسكم عظيماً وأتعابكم في النسك كثيرة، فهي كالهباء أن لم تتوصل إلى المحبة بروح منكسرة. ليس بأية فضيلة أخرى أو بتطبيق آخر لوصايا المسيح يُسمى أي كان تلميذ المسيح لأنه هو نفسه قال: “…”.لهذا السبب “الكلمة صار جسداً وحل فينا”[5]. لهذا السبب تجسد. بإرادته واحتمل الآلام المعطية الحياة، لكي يخلص الإنسان خليقته من رباطات الجحيم ويعيده ويقوده إلى الملكوت. إذ حركتهم المحبة، خاض الرسل ذلك السباق المتواصل ورموا صنارة الكلمة وشبكته على كل الكون ليرفعوه من عمق الوثنية ويوصلوه سالماً إلى ميناء مملكة السماوات. إذ حركتهم المحبة، أراق الشهداء دماءهم كي لا يخسروا المسيح. محركين بالمحبة، آباؤنا المتوشحون بالله ومعلمو المسكونة طرحوا حياتهم بشوق من أجل الكنيسة الجامعة الرسولية. نحن بالرغم من عدم استحقاقنا دخلنا لقيادتكم يا آباءنا وأخوتنا لكي نتمثل بهم بكل الطرق بقدر ما نستطيع ونتحمل من أجلكم ونصنع كل شيء من اجل تنويركم ومنفعتكم وتقدمتكم كضحايا كاملة، ذبيحة عقلية على مائدة الرب لأنكم الأولاد الذين أعطانيهم الرب، أحشائي وعيناي. وبكلمات الرسول أنتم فخري[6] وختم رسالتي[7].

أخوتي الأحباء بالرب، فلنتلهف إلى استعمال كل الطرق بما فيها المحبة المتبادلة لخدمة الرب. فليكن مثالكم ذاك الذي اخترتم كأب روحي، مع أني بعيد عن أن أستحق لعل الله يبتهج من توافقكم وكمالكم. أيضاً أنا في حقارتي أبتهج إذ أرى تقدمكم المطرد في الحياة التي ترضي الله، إذ تزدادون في الإيمان والنقاوة ومخافة الله والوقار والندامة والدموع. بهذه يتنقى الإنسان الداخلي ويمتلئ بالنور الإلهي ويصبح بالكلية ملكاً للروح القدس بنفس منسحقة وفكر متضع. فرحي سوف يكون بركة لكم وزيادة في الحياة المباركة الخالدة في المسيح يسوع سيدنا له المجد إلى الأبد آمين.

 

 

 

 


[1] متى 19:5

[2] المقصود هنا: الإيمان والرجاء والمحبة.

[3] 1 كو 24:9

[4] رو 10:4

[5] يو14:1

[6] 2 كو 14:1

[7] 1 كو 9:2

Leave a Reply