أعمال الرحمة

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أيها الإخوة والآباء

لا ينبغي بي أن أغامر أبداً بالتوجه كمعلم إليكم أو أن آخذ مكان معلم في حضرة محبتكم. لكن كما تعرفون جيداً، فالأرغن الذي يصنعه الحرفي لا يعزف لوحده. بينما عندما تمتلئ أنابيبه بالهواء وتلامسه أصابع العازف بالترتيب المناسب،فيصدر صوته ويملأ الآذان بموسيقاه العذبة. وهكذا الآن معي، تذكّروا أي آلة حقيرة أنا، ولا تتعاطوا بفظاظة مع ما سوف أقول. بالمقابل انظروا إلى نعمة الروح التي من فوق والتي تملأ نفوس المؤمنين “بأصبع الله”[1] الذي ينقر على أوتار الفكر ويحثنا على الكلام. أصغوا بخوف ورعدة[2] إلى صوت بوق السيد، وبكلام أصح، إلى ملك الكل عندما يكلّمنا بأدوات. اسمعوا بفهم وهدوء عظيم.

على كلّ منّا أن يكون متنبّهاً ومنتبهاً لنفسه، سواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، عظماء أو حقيرين. إذا كنّا غير مؤمنين، علينا أن نؤمن لكي نصل إلى معرفة الله الذي صنعنا وإلى الإيمان به. وإذا كنا نؤمن فلكي نحيا بحق ونرضيه في كل عمل صالح. فالرهبان المبتدئون يجب أن يكونوا مستمعين للمتقدمين من أجل الرب، والمتقدمون يجب أن يعاملوا المبتدئين كأبناء حقيقيين. أعطى الرب وصية: “كل ما صنعتموه بإخوتي هؤلاء الصغار فبي صنعتموه..”[3]. الرب لم يقل هذا فقط عن السالكين في الفقر والعوز بالنسبة للطعام الجسدي، بل أيضاً عن كل إخوتنا الآخرين الضالّين بعيداً، لا من مجاعة الخبز والماء بل من مجاعة نسيان وصايا الله والفشل في إطاعتها. بقدر ما هي الروح أهم من الجسد، هكذا الطعام الروحي أهم من الجسدي. أظن أن الرب، في قوله “كنت جائعاً فأطعمتموني…”[4]، قصد الطعام الروحي أكثر من الطعام الجسدي الذي يفنى، لأنه هو نفسه عانى العطش والجوع لخلاص كل منا. إنّ خلاصنا يكون بالتخلي عن كل خطيئة ويستحيل بدون ممارسة الفضيلة وتنفيذ الوصايا جميعاً. نحن نُطعم ربّ الكل، سيدنا وإلهنا، عندما ننفذ وصاياه. يعلمنا آباؤنا القديسون أن الشياطين يتغذون بأعمالنا الشريرة ثم يثورون ضدنا. وهكذا عندما نتخلى عن الشرّ يضعفون من الجوع وينهزمون. لذا أفتكر أن ذاك الذي أصبح فقيراً من أجل خلاصنا، يتغذّى بنا ويعاني من الجوع عندما نتخلّى عنه. هذا ما تعلمنا إيّاه سير القديسين الذين يفوقون رمل البحر عدداً. لهذا سوف أترك الكثيرين وأعلّم محبتكم من خلال امرأة واحدة.

أعلم أنكم سمعتم سيرة مريم المصرية عند تلاوتها، ليس كما رواها شخص آخر بل كما روتها هي نفسها. إنّ تلك المرأة المساوية للملائكة أظهرت فقرها بشكل اعتراف عندما قالت “حتى عندما كان الرجال يعطوني ثمن الخطيئة، كما يحصل عادة، لم أكن آخذه. ليس لأني كنت مكتفية من حاجات الحياة، فأنا كنت أحيا من نسج القنّب، إنما ليكون لي عشاق كثر مستعدين لقضاء شهوتي”. عندما أرادت أن تأخذ السفينة لتذهب إلى الإسكندرية كانت فقيرة لدرجة أنها لم تملك لا ثمن البطاقة ولا تكاليف الرحلة. لكنها بعد أن نذرت نذرها لوالدة الإله الفائقة الطهارة وقصدت الصحراء، اشترت رغيفين بقرشين أعطاها إياهما أحدهم وجازت الأردن ومكثت هناك إلى حين موتها. لم ترَ وجه أحد غير زوسيما. وبالتالي هي لم تطعم أحداً من الجياع، ولا سقت عطشاناً، ولا ألبست عرياناً، ولا زارت سجيناً أو استقبلت غرباء. على العكس، هي قادت كثيرين إلى جهنم واستقبلتهم زواراً في مساكن الخطيئة. إذاً، كيف سوف تخلص هذه المرأة وتدخل الملكوت مع الرحماء؟ إنّها لم تنبذ الثروة ولم تعطي مالها للفقراء، كما لم تمارس أيّ عمل رحمة بل بالمقابل أصبحت سبباً لضياع الآخرين. انظروا كيف نصل إلى نهاية منافية للعقل. نحن نطرح كثيرين من القديسين خارج الملكوت إذا اعتبرنا أن أعمال الرحمة تكون فقط بإعطاء المال والطعام الجسدي، وأن الرب يغتذي فقط بهذه وأنه لا يخلّص إلا الذين أطعموه وسقوه وقدّموا له العبادة وأن الذين لم يفعلوا هذا يهلكون. إن هذا مستحيل.

كلّ الأشياء والممتلكات التي في العالم مشتركة للجميع: النور والهواء الذي نتنفسه، كما مرعى الحيوانات في السهول وعلى الجبال. كلّ هذه الأشياء صُنعَت ليستعملها الجميع ويتمتّعوا بها. ومن حيث الملكية هي ليست لأحد. لكن الشهوة تسلّلت، مثل طاغية، إلى الحياة وبطرق شتى قسّم عبيدها وتابعوها ما أعطاه السيد ليكون مشتركاً. حبستهم بالخديعة وأغلقت عليهم بالأبراج والأقفال والأبواب. حرمت كل البشر الباقين من التمتع بعطايا السيد الحسنة متبجحة بأنها تملكهم ومدّعية أنها لم تخدع أحداً. لكن أتباع هذه الطاغية وعبيدها أصبحوا بدورهم عبيد الشيطان وحفظة للمتلكات والأموال الموكلة إليهم. حتى لو تأثروا بالخوف من العقوبات المخبأة لهم أو بالأمل باستعادة هذه الأملاك مئة ضعف، أو بالعطف على بؤس البشر، وأخذوا بعضاً أو حتى كل هذه الأشياء ليعطوها لهؤلاء الذين في الفقر والأسى، هل سوف يُحسبون رحماء؟ لا بأيّ شكل. أنا أخبركم أن عليهم دَيناً من الندامة، إلى يوم موتهم، عن كل ما احتفظوا به وحرموا اخوتهم من استعماله.

من جهتنا، نحن أصبحنا شكلاً فقراء مثل ربنا يسوع المسيح الذي اصبح فقيراً من أجلنا بالرغم من غناه. كيف سوف نُحسب رحومين معه فيما نحن نظهر رحمة نحو أنفسنا وهو الذي صار مثلنا من أجلنا؟ فكّروا جيداً بما أقول. من أجلكم أصبح الله إنساناً فقيراً. أنتم الذين تؤمنون به مدينون له بأن تكونوا فقراء مثله. هو فقير بحسب الطبيعة البشرية وانتم فقراء بحسب الطبيعة الإلهية. إذاً فكّروا كيف تطعموه. انتبهوا جيداً أنه أصبح فقيراً لتصبحوا أغنياء ولينقل إليكم غنى رحمته. اتّخذ جسداً لكي تصبحوا شركاء في ألوهيته. لهذا، كما قال، يكون هو ضيفكم عندما تستعدون لاستضافته. إنّه يحسب جوعكم وعطشكم من أجله طعاماً وشراباً له. كيف؟ لأنكم بهذه الأعمال وأمثالها تطهّرون أنفسكم وتخلّصون ذواتكم من مجاعة الشهوات وقذارتها. الله الذي يستقبلكم ويجعل كلّ ما لكم لنفسه، يشتهي أن يجعلكم آلهة تماماً كما صار هو إنساناً. إنّه يحسب كلّ ما تفعلونه لأنفسكم وكأنه هو يتحمّله قائلاً “كما فعلتم هذا لأصغر واحد انتم فعلتموه لي”.

بأيّة أعمال أخرى أرضى الله أولئك الذين عاشوا في المغاور والجبال وخلُصوا بالمحبة والندامة والإيمان؟ لقد تركوا العالم كله وتبعوه وحده. لقد استقبلوه وأكرموه كضيف بالندامة والدموع، لقد أطعموه وأعطوه شراباً عندما كان عطشاناً. وهكذا بالفعل، كل المدعوين أبناء الله، بحسب المعمودية المقدسة، هم فقراء وحقيرون بحسب العالم. إنّ الذين يدركون في أنفسهم أنّهم أبناء الله، لا يستطيعون من بعدها احتمال أن يزيّنوا أنفسهم لعالم عابر، لأنهم البسوا أنفسهم المسيح. مَن مِن الناس اللابسي الإرجوان الملكي يرضى أن يضع عليه ثوباً قذراً ممزقاً؟ أولئك الذين لا يعرفون هذا وهم عراة، بدون ثياب ملكية، إنما يسعون إلى أن يحملوا المسيح بواسطة التوبة والأعمال الحسنة الأخرى التي ذكرناها، فيلبسون المسيح نفسه. إنّهم أنفسهم مسحاء كما هم أبناء الله بقوة المعمودية المقدسة. ولكن ماذا ينتفعون لو ألبسوا كل العراة في العالم وفشلوا في إلباس أنفسهم وبقوا عراة؟

مرة أخرى، نحن الذين اعتمدنا على اسم الآب والابن والروح القدس، نحمل إسم أخوة المسيح. لا بل نحن أكثر من ذلك لأننا أعضاؤه. أنت تستضيف كل الآخرين وتكرمهم وتعتني بهم لأنك أخو المسيح وعضوه. ولكن ألا تكون قد عاملت أخوّة المسيح باحتقار إن أنت، بدل أن تجاهد بكل الوسائل للوصول إلى قمة تلك الحياة والشرف اللذين يرضيان الله، أهملت نفسك وتركتها مطروحة في القذارة والفساد والكآبة العميقة، من خلال الشره ومحبة اللذة، وكأنك ميت؟ ألا تكون قد تركتَه للجوع والعطش؟ ألا تكون تركته من دون زيارة وهو في السجن؟ وبالتأكيد سوف تسمعه يقول “لم يكن لك رحمة على نفسك ولهذا لن ترى الرحمة”.

ولكن إن قال أحد “بما أن الوضع هو على هذه الحال وليس لنا مردود للأموال والممتلكات التي نعطيها فما الحاجة إلى إعطاء الفقير؟”، فاتركوه يسمع من الذي سوف يحاكمه ويجازي كل إنسان بحسب أعماله “أيها الأحمق ماذا جلبت معك الى العالم؟”[5]، هل صنعت شيئاً منظوراً؟ ألم تأتِ عرياناً من رحم أمك؟ ألن تمضي من الحياة عرياناً؟ ألن تقف أمام كرسي حكمي؟ أي مال لك هناك تطلب عنه تعويضاً؟ بأيٍ من ممتلكاتك تقول أنك أعطيت صدقة لإخوتك ومن خلالهم لي؟ أعطيتك كل هذه الأشياء، ليس لك وحدك ولكن لكل الناس مشاركة. أو هل تفتكر أني اشتهيت شيئاً او أني أُرتشى مثل الطماعين من قضاة الناس؟ من المستحيل أن تكون قد افتكرت هكذا في حماقتك. ليس لأني اشتهيت أي ثروة إنما لأني أشفق عليك. وليس لأني أريد أن آخذ ما لك بل لأني أريد أن أحررك من الدينونة العالقة به (بما هو لك) وليس لسبب آخر”.

لا تفتكر أبداً يا أخي أن الله يوصيك بإظهار الرحمة نحو الفقراء ويعطي هذه الوصية قيمة كبيرة، لأنّه في عوز وغير قادر على إطعامهم. لقد أخذ المسيح ما صنعه الشيطان من خلال الطمع لهلاكنا، وحوّله بإعطاء الصدقات لصالحنا وأضافه إلى خلاصنا. ماذا أعني؟ أوعز لنا الشيطان بأن نستولي على الأشياء التي أُعطِيناها لاستعمالنا المشترك لكي نختزنها لأنفسنا حتى يجعلنا هذا الطمع عرضةً لاتهام مزدوج وبالتالي لعقاب أبدي ودينونة. الاتهام الأول هو بأننا كنا عاقين، والثاني بأننا وضعنا رجاءنا في الممتلكات المخزونة بدل الله. لأن الذي يملك ثروات مخبأة لا يستطيع أن يضع رجاءه على الله، وهذا واضح من قول المسيح ربنا بأنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم[6]. إن الذي يوزّع على الجميع من الثروة التي خبأها ليس له أي مكافأة على هذا العمل، إنما يُلام لأنه حرم الآخرين منها حتى الآن بغير حق. إضافة إلى هذا، هو مسؤول عن الذين خسروا حياتهم بسبب الجوع والعطش، وعن الذين لم يطعمهم حين كان قادراً على ذلك، وعن الفقير الذي خبّأ حصته وتركه يموت ميتة فظيعة من البرد والجوع. إنه متهم وكأنه قتل ضحايا كثيرة، بعدد الذين كان قادراً على إطعامهم.

عندما يحررنا السيد الكريم المنعم من كل هذه الاتهامات، لا يعود يحصينا بين الذين يحتجزون ممتلكات الآخرين. إنه يحسبها أملاكاً لنا يعد أن يعطينا مئة ضعف، وليس فقط عشرة أضعاف، إن نحن وزّعناها على إخوتنا بابتهاج. لا يكمن هذا الابتهاج في النظر إلى هذه الأشياء على أنها لنا بل على أنها أمانة لدينا من الله من أجل خير الخدّام إخوتنا. إنه يكمن في توزيعها بكرم وفرح وشهامة وليس بحزن أو إكراه. بعدها علينا أن نفرغ أنفسنا بفرح من كل ما فيها على رجاء تحقيق الوعد الذي قطعه الله بمكافأتنا بمئة ضعف. فالرب استعمل الدواء المناسب كونه يعرف أننا متمَلَكون بشهوة الممتلكات والثروة ويعرف كم هو صعب علينا أن نتخلى عنها، وكيف يصاب باليأس من الحياة كل مَن لا يمتلكها. لقد وعَدَنا، كما ذكرنا، بأن يردّ لنا ما نعطيه للفقير مئة ضعف. وقد فعل هذا أولاً ليحررنا من دينونة الطمع وثانياً لنتوقف عن وضع رجائنا وثقتنا في الممتلكات، ونحرر قلوبنا من هذه القيود. عندما نتحرر، نستطيع أن نتقدم بدون عراقيل إلى تطبيق وصاياه وخدمته بخوف ورعدة، ليس كما لو أننا نُحسن إليه بل كأن قبولنا في خدمته هو كسب لنا. بغير ذلك يكون مستحيلاً علينا أن نخلص. لقد أُوصي الأغنياء بأن يضعوا ثروتهم جانباً لأنها حِمل وعائق أمام الحياة التي ترضي الله، وأن يحملوا الصليب على أكتافهم ويتبعوا خطى السيد لأنه يستحيل علينا أن نحمل الحِملين معاً. كذلك ليس هناك ما يعوق الذين ليست هذه حالهم العائشين في ظروف أكثر اعتدالاً أو حتى ينقصهم الكثير من حاجات الحياة، إن هم أرادوا أن يسلكوا الدرب الضيق والصعب. المذكورون أولاً لا يحتاجون إلا العزم ليفعلوا هذا، أما الآخرون فهم يسيرون على هذا الطريق وعليهم أن يعيشوا بصبر وشكر، والرب بعدله يهيء مكان راحة للذين هم على طريق الحياة الأبدية والسعادة.

ولكن التخلي عن الممتلكات والثروة بدون المحاربة بشجاعة ضد هجمات الشهوات وكل أنواع المحن، يبدو لي ملائماً لنفس غير مكترثة ولا تعرف النهاية التي يخدمها هذا العمل. كما أن الذهب الفاسد في عمق الأرض لا يتنقى حسناً ويعود إلى لمعانه الأصلي بدون تمحيصه بالنار وضربه بالمطارق، كذلك النفس الملوثة بغبار الخطيئة لا تستطيع أن تتنقى وتعود إلى بهائها الأصلي إلا إذا التقت بتجارب كثيرة ودخلت في أتون المحن. تشير كلمة الرب إلى هذا بقوله “بِع كل شيء واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني”[7]. يشير هنا بالصليب الى الشهوات والتجارب. الذين يتخلون عن الثروات والممتلكات ويلجأون الى الحياة الرهبانية لن يكسبوا شيئاً بهذا التخلي إلا إذا ثابروا إلى النهاية بالتجارب والآلام والحزن الذي يرضي الله. لم يقل المسيح بترككم ممتلكاتكم تكسبون نفوسكم، بل بصبركم[8]. واضح أن توزيع المقتنيات على الفقراء وهجر العالم هما أمران ممتازان ونافعان ولكنهما لوحدهما، وبدون تحمّل التجارب، لا يستطيعان أن يصنعا رجلاً ممتازاً ومرضياً لله. إن الحقيقة هي على هذا الشكل، وهي التي ترضي الله، واسمعوه يقول للرجل الغني: إن أردت أن تكون كاملاً، بِع ما لديك واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني. وكما ذكرنا سابقاً فالصليب يشير إلى التجارب والمحن.

لأن ملكوت السماوات يغتصب اغتصاباً ومن المستحيل على المؤمن أن يدخله بطريقة أخرى غير المرور بباب التجارب الضيق، فقد أوصتنا الحكمة الإلهية بأن “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق”[9] و”أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات”[10]. إذاً ذاك الذي “يفرق برّه”[11] على المحتاجين ويتخلّى عن العالم وأعماله على أمل المكافأة، يحمّل ضميره باللذة العظيمة التي يحملها في داخله وقد يفقد مع الوقت المكافأة بسبب المجد الباطل. أما الذي يعطي كل شيء للفقراء ويتحمّل الصعوبات بشكر ويحفظ نفسه في الصعوبات ويحس بكل مرارة المعذبين وألمهم، فهو يبقي فكره غير منثلم في الوقت الحاضر. أما في الحياة المقبلة فله ثواب عظيم لأنه تشبّه بآلام المسيح وانتظره بصبر في الأيام التي فيها أغارت عليه الشهوات.

إذاً يا إخوتي في المسيح، أنا أتوسل إليكم أن نسعى لنتصرف بحسب كلمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. فنحن قد تركنا “العالم والأشياء التي في العالم”[12] لكيما ندخل في الباب الضيّق، الذي يستدعي قطع فكرنا وإرادتنا الشهوانيين والهرب منهما. لأننا إن لم نمت بالجسد وشهواته ورغباته فلن يكون مستطاعاً لدينا أن نحصل على الراحة والتحرر من أمراضنا، ولا الحرية التي تأتي إلينا من تعزية الروح القدس. بدون هذا -أعني مجيء الروح القدس- فإن أحداً لن يرى الرب، لا في هذا العالم ولا في الآتي. لأنكم فعلتم حسناً بأنكم وزعتم كل ثروتكم على المحتاجين، طالما أنكم لم تتركوا شيئاً لكم على مثال حنانيا[13]، وإضافة فقد تخليتم عن العالم وما فيه، وهجرتم الحياة العالمية واهتماماتها ووصلتم الى نعيم الحياة وغلّفتم أنفسكم بصورة التقوى[14]، فأنا اوافقكم وأمدح مجهودكم. ولكن الآن يجب أن تعرّوا أنفسكم من “اهتمام الجسد”[15]، تماماً كما نبذتم ثيابكم العالمية الفاخرة. وكما أنكم وضعتم عليكم رداءكم (الرهباني) هذا من أجل المسيح، هكذا عليكم أن تكتسبوا عادات النفس والفكر الروحي نفسه. يجب أن تكتسبوا من خلال التوبة ذلك الثوب المشعّ الذي هو الروح القدس عينه. هذا يتحقق فقط من خلال الممارسة المستمرة للفضائل وتحمّل الأحزان. تتحرك النفس المنكسرة نحو الدموع بالتجارب. وعندما تنقي الدموعُ القلبَ تحوّله إلى هيكل للروح القدس ومكان راحة له. لا ارتداء الثوب الرهباني ولا ترتيب المنظر الخارجي يكفيان لخلاصنا وكمالنا. نحن بحاجة إلى أن نزيّن إنساننا الداخلي كما الإنسان الخارجي بوساطة الروح القدس فنقدم أنفسنا إلى الله بالنفس والجسد. نحن ندرّب الجسد على أعمال الفضيلة بالرياضة الجسدية[16] حتى يكون قوياً ومدرباً على الأمور المؤلمة التي ترضي الله ولكي يحمل بنبل مرارة الصوم، وقوة التقشف وضرورة السهرانيات وكل عذابات الصعوبات. بالتقوى ندرّب النفس لترتأي كما يجب أن ترتأي[17]ولتتأمل دائماً بالأمور المتعلّقة بالحياة الأبدية، وتكون متواضعة ووديعة ومنسحقة القلب، مملؤة بالندامة، باكية كل يوم تستحضر نور الروح عليها بالصلاة. هذه النعم تأتي إليها من خلال التوبة المتقدة عندما تتنقى النفس بالدموع الكثيرة. وبدون هذه لا تستطيع أن تنقي حتى ثوبها وتترك نفسها ترتفع الى المعاينة. كما أن الثوب المنتقع في الوحل والروث وسخ كلياً حتى إنه لا ينظف إلا بغسله بماء كثير ودوسه بالأقدام، كذلك عندما يصبح ثوب النفس ملوثاً بوحل الشهوات الخاطئة ووسخها، لا يعود مستطاعاً غسله ليصبح نظيفاً إلا بدموع غزيرة واحتمال للتجارب والمحن. فهناك سائلان يفرزهما الجسد بالطبيعة: الدموع التي تنسكب من فوق، والآخر الذي ينسكب من أعضاء التناسل. فالأخير يلوث النفس عندما يفرّغ بعكس الطبيعة والناموس، بينما الأول يطهّرها عندما ينسكب من التوبة. الذين أصبحوا ملوثي النفس من الممارسة الأثيمة للخطيئة وحركة القلب الشهوانية التي تطبع فيهم أشكال الشهوات غير العاقلة، يجب أن يتنقوا بدموع غزيرة ويصلوا إلى نقاوة ثوب النفس وإلا فتستحيل عليهم رؤية الله النور الذي ينير كل إنسان آتٍ إليه بالتوبة، لأن النقي القلب هو الذي يعاين الله[18].

لهذا أتوسل إليكم أيها الآباء والإخوة والأبناء، دعونا نسعى لنكسب نقاوة القلب التي تأتي من الانتباه لطرقنا ومن الاعتراف الدائم بأفكار النفس المخفية. لأننا إن اعترفنا يومياً بهذه الأفكار، محرَّكين بقلب تائب، تُخلق فينا الندامة على ما فعلنا أو افتكرنا. الندامة ترفع الدموع من عمق النفس؛ الدموع تنقي القلب وتمسح الخطايا العظيمة. عندما تُمسح هذه الخطايا بالدموع، تجد النفس نفسها في عزاء روح الرب فتسقيها ينابيع الندامة الأكثر عذوبة. بهذه تثمر الروح روحياً يوماً بعد يوم حتى تظهر ثمار الروح[19] وفي الوقت المناسب تعطي مثل حصاد وفير من الحب ومصدر طعام لا يفرغ لحياة النفس الأبدية التي لا تفنى. عندما تصل النفس إلى هذه الحالة فإنها تتشابه بالله وتصبح منزلاً ومقراً للثالوث القدوس، فهي ترى خالقها وربها بوضوح. وعندما تحاوره يوماً بعد يوم، تبتعد عن الجسد وعن العالم وعن هذا الجو وتصعد إلى سماء السماوات. فهي إذ تُحمل عالياً بالفضائل وبأجنحة محبة الله، ترتاح من أعمالها مع الصديقين وتُوجد في النور الإلهي غير المتناهي، حيث مصاف رسل المسيح والشهداء والمباركين وكل القوات العلوية ينشدون معاً في آن واحد.

إخوتي في المسيح ، لنسعى لأن نصل الى هذه الحالة. لا نقصرنّ عن آبائنا القديسين بل بحماستنا للصلاح وممارستنا لوصايا المسيح فلننتهي “الى إنسان كامل، الى قياس قامة ملء المسيح”[20]. لا شيء يمنعنا من هذا إن كنا نتوق إليه. لهذا فلنمجد الرب في أنفسنا وهو يوجِد الفرح فينا. عندما ننطلق من هذه الحياة فسوف نجد الرب مثل حضن ابراهيم، يستقبلنا ويدللنا في ملكوت السماوات. نحن نصل إلى كل هذا بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين.

 

 


[1] لوقا 20:11

[2] أفسس 5:6

[3] متى 40:25

[4] متى 42:25

[5] 1 تيم7:6

[6] لوقا 34:12

[7] متى 21:19و24:16

[8] لوقا 19:21

[9] لوقا 24:13

[10] أعمال 22:14

[11] مز9:112

[12] 1يوحنا 15:2

[13] أعمال 1:5

[14] 2تيموثاوس5:3

[15] روما 6:8

[16] اتيم8:4

[17] روم3:12

[18] متى 8:5

[19] غلاطية 22:5

[20] أفسس 13:4

Leave a Reply