الندامة وخوف الله

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أنصتوا الى كلامي يا أبنائي الشبان المحبوبين الذين أًعطيتهم. اسمعوا لي إذا كنتم تحبونني فعلاً وتقبلونني كأب. أيّ رجل يهتم لبعض الجلوف في جسمه وينشغل بها عندما يكون قلبه مصاباً بالسم وأحشاؤه في ألم عنيف؟ الألم المخبأ في قلبه سوف يطغى على كل ألم أو تهيّج في بشرته. كَرَبُ قلبه لن يدعه يرى أو يتبين ما على جسده خارجاً، إنما لحزن قلبه سوف ينسى جراح جسده. إنه يمزق ثيابه بيديه ليهرش قروحه بأصابعه. ينسى أهله وأصدقاءه ولا ينظر إلى عيني أحد، ولا يدير وجه غضب إلى من يشتمه. إنه لا يعير أي انتباه لا لممتلكاته ولا لأراضيه، وهو يترك ثروته لمن قد يسرقها. إنه لا يأكل خبزه بملذة، لأنه مليء بالمرارة[1]. إنه لا يستمتع بشرب الخمر لأنه مشبَع بالعذاب، وهو يجيب بغضب من يدعوه الى حفلة شراب: “ابعدوا عني لأن الموت يسحق قلبي، كيف لي أن أخبركم إن كان سوف يأخذه سريعاً؟ إني أكره بقائي حياً لأن هذه الحياة هي موت وأنا لم أتبين هذا”. إنه لا يذهب للراحة في سرير إنما يتدحرج على الأرض لاهثاً للتنفس. إنه يولول ويئن ولا يعير أي انتباه لا للذين يسكنّون آلامه ولا للذين يوبخونه. عيناه ليست وسائل للنظر بل مثل الينابيع تتدفق منها المياه. هذا الرجل يرى أن كل إنسان سعيد هو مثل ملاك، سواء أكان من الحاضر أو الماضي أو ممن لم يُخلقوا بعد. حتى كل الوحوش والزحافات على الأرض وكل صاحب نفس حياة[2]، فهو يراه سعيداً إذ يقول: “مباركة هي كل مخلوقات الرب التي تقضي وقتها بدون ألم وفي فرح بالحياة والنفس، بينما أنا وحدي مُثقل بخطاياي ومحكوم بنار الدينونة ومعذب بألم الوحدة على الأرض”. أنه ينظر إلى كل النفوس النظرة نفسها وهو يوقرها كمقدَّسة من الرب ويبجلها كطاهرة من كل الخطايا. لا يميّز بين البار وغيره إنما ينظر إلى الجميع كمتساوين، الطاهر والدنس متساويين. هو وحده مفصول عن المخلوقات التي تحت السماء وهو يجلس على حمأة من الخطايا التي لا تُوصف مُشتَمَل بعتمة لا نهاية لها من الجهل والكآبة. هو يحك قيح جراحه ليس بشقفة[3] كما فعل أيوب[4]، إنما بأظافره لألم قلبه العظيم. أيوب كان مضروباً بجسده إنما نفسه كانت بحماية الله[5]، أما هذا الرجل فيرى الخطايا تسمم نفسه ليس أقل من جسده، وبالتالي ألمه أسوأ عشر مرات من بلاء أيوب. بعد هذا سوف يتخلى عنه كل أقاربه بالجسد وكل معارفه في العالم، إذ أنهم بعد أن أمضوا الوقت معه باكين لأساه الذي لا عزاء له، وبعد أن رأوا أن نفسه لا ترتاح، راحوا ينظرون إليه كأداة رعب وذهب كل منهم إلى منزله.

وبعد أن يُترك وحده سوف يرى نفسه في وسط الوحدة والبؤس والحزن والألم. وبالتالي سوف ينوح من لوعته، وفي يأسه سوف يصرخ الى الرب الكلي الاقتدار: “أنظر يا رب فأنت ترى وليس من شيء لست تراه. أنا عمل يديك ولكني لم أطبّق أعمال وصاياك إنما في حماقتي جريت خلف كل المؤذيات. أنت طيّب وأنا لم أعرفك ولكني سمعت بك وجزعت ولم أعرف ما أعمل. لقد وقفت أمام حكمك ولم يكن في فمي كلمة للدفاع عني. فأنا لم أعمل شيئاً لأعوّض عن أي كلمة بطالة[6] خرجت من فمي. حتى الإنسان الذي يعمل كل صلاح فهو مثل عبد وكمَدين: لن يجد شيئاً ليدفع عن خطيئته لأن الرحمة عندك[7]. لأن الخطيئة موت[8] ومن هو ذاك الذي يموت بسبب الخطيئة ويقيم نفسه؟ بالواقع لا أحد! أنت وحدك الذي مات ثم قام لأنك لم تخطئ أبداً ولا وُجد في فمك مكر[9]. ولكن مَن هو هذا الذي يموت بخطاياه ولا يتوب؟ هذا لن يجديه نفعاً.

إذاً أيها السيّد الكلي الاقتدار، أنا أيضاً أندم لارتكابي أعمالاً شريرة، لكن ندامتي لا تنفع لتبرئتي لأن الندامة ليست إلا معرفة الخطيئة. والآن أيها الرب الناظر كل شيء، أنت ترى أنني لا أملك شيئاً إلا جسدي ولكن خسارتي كل الثروات لم تجدِني نفعاً. أنا مثخن بالجراح ولم يعد لي أي فرصة للخلاص لأني تُركت والجحيم ابتلعني حياً. وأنت أيها الرب ترى ذلك؛ أنت وحدك قادر على رفعي وشفاء ألم قلبي، لأن يدك قادرة على كل شيء وتطال قعر الهاوية، صانعة كل الأشياء بحسب رغبتك. أنا لا أجرؤ على أن أقول “ارحمني” لأنني غير مستحق؛ لكن أنت يا رب ترى”.

عندها الله في حنوه سوف يستمع سريعاً ويحث إلى منحه الراحة من ألمه والتحرر من حزن قلبه. إذ إنه لمحبته للإنسان لا يستطيع أن يرى عمل يديه في هذه الحاجة وفي هذا الألم غير المحتمل. إن كان هذا الرجل قد عمل كل ما ذكرنا بدون خطأ فسوف يعامله الرب برحمته التي لا تُوصف، هو وكل المصغين بإيمان إلى رواية الندامة في هذا المثل. وقد حدث هذا فعلاً ودوّن كتابةً. فالله سوف يصبّ عليه صلاحه ويحوّل نوحه إلى رقص[10]. الرب سوف يحوّل مرارة قلبه إلى حلاوة كالخمر ويجعله يتقيأ سم التنين الذي يحرق جوفه. هذا الرجل سوف ينسى أوجاعه السابقة والشرور التي عانى منها. أما المال والأملاك والثروات التي تخلى عنها عندما كان يتألم ندماً، فهو لن يعود للبحث عنها ولن يبتغي أي شيء آخر غيرها. فالرب المتعالي سوف يمنحه الصحة وهي العطية الأغلى من كل كنوز الأرض وهذه الصحة سوف تبث في قلبه الفرح. وفرحه هذا سوف يكون عشر مرات أكبر من أساه الماضي وسوف يطرح من جسمه كل وجع أتاه من الخارج. هذا الرجل سوف يدرك أن جراح جسده، من ذلك الحين وصاعداً، لن تصل إلى قلبه ولا الحزن الخارجي سوف يعكّر سعادته. وهذه المعرفة سوف تضاعف الفرح الذي في داخله.

أما جيرانه الذين سبق لهم ورأوا أحزانه دون أن يعلموا بالفرح المخبّأ الذي حلّ عليه بعد الأحزان، فسوف يتأوهون عليه قائلين: “انظروا إلى الرجل الذي لم يعرف الفرح في حياته الملأى بالعذابات والألم، أيامه لا تختلف عن المجرمين الذين يتألمون عقاباً بالجلد من أجل اثمهم”.

وفي أي حال، ذلك الرجل يعرف أن أيامه مليئة بالسعادة والفرح وبأن هناء قلبه يسخر من الموت وأن “الموت لا يسود عليه بعد”[11] لأن هذا الفرح ليس له نهاية. ولكل هذه الأسباب، سعادته أكبر عشر آلاف مرة من كل الملوك الحاكمين في الأرض، ومن كل أولئك المتمتعين بالصحة والسلامة في أجسادهم، ومن كل أصحاب الثروات والثياب الأرجوانية والكتان الرفيع، ومن كل المحسوبين سعداء في أفواه المتكلمين باطلاً. إنه يعرف أن الفقر مقرون بهذا الفرح هو أعظم من كل العالم وما فيه من الأشياء، لأن النعيم سوف يختفي والجحيم سوف يُلتهم، والموت سوف يسود على الأشياء العائدة لجسده ولحياته. من جهة أخرى، فالفرح الآتي الى نفسه من جراء تعزيته، لا يستطيع أي من هذه الأشياء قهره لأنه ليس آتياً من هذا العالم. فهو لم يكتسبه لا من مجده ولا من ثروته الطائلة ولا من صحة بدنه ولا من ثناء الناس له ولا من أي شيء تحت السماء. إنه نتيجة الأسى والمرارة في نفسه إضافة إلى التقائه بروح الله الذي فوق السماوات. فعندما يضغط الروح وينقي قلبه (كما في معصرة)، ينتج فرحاً أصيلاً وغير ممتزج بالألم. لهذا السبب لا يسود الموت عليه، ولا شائبة تشوبه. أما في الإرادة فسوف يكون مثل الخمر المعصور والمعروض للشمس، فهو يلمع مظهراً لونه أكثر وضوحاً إذ إنه يضيء بالفرح على وجه من يشربه عندما يواجه الشمس.

لكن في هذه الأمور شيئاً واحداً لست أفهمه. فأنا لا أعرف ما يسرني أكثر: رؤية أشعة الشمس وبهاء نقاوتها أم شرب الخمر الذي في فمي ومذاقه. أنا أقول إنه الأخير مع أن الأول يجتذبني ويبدو أكثر إرضاءً لي. إنما في نظري إليه، أحصل على لذة أكبر من حلاوة المذاق حتى أنني لا أشبع من النظر ولا أمتلئ من الشراب. كلما اعتقدت أني شربت كفايتي إذا بخيوط الأشعة التي تمر من خلال الشراب تضاعف عطشي وإذا بي أطلبها مجدداً ويشتعل فمي عشرة أضعاف مما أتوق إلى ملء معدتي، فإذا بي أحترق بالعطش والرغبة في ذلك الشراب الشفاف.

مَن وقع عليه هذا الحكم الحسن لن يخشى لا العقاب ولا العذاب ولا المحاكمات التي سوف يتعرض لها. عطشه لن ينطفئ إلى الأبد، والشراب الحلو الشفاف لن يخذله. حلاوة الشراب والشعاع الجالب السعادة الآتي من الشمس سوف يجنبان نفسه كل حزن، ويجعلان ذاك الرجل فرحاً في كل حين[12]. لن يسود عليه أحد ولن يؤذيه أحد، ولن يستطيع أحد منعه من أن يشبع من هذه الكأس كما من نبع. أما ذاك الذي يحكم الأرض بالشر، حاكم الظلام، الذي يسود على كل مياه البحر ويتلاعب بالعالم وكأنه يمسك بعصفور دوري في يده، مع كل جيشه وكل قدرته فلن يقترب من عقب رجله ولن يتجرأ على النظر إليه. إذ إن لمعان الخمر وشعاع الشمس على وجهه عند شربه للخمر، يدخلان إلى جوفه، إلى يديه ورجليه وظهره ويحولانه كله إلى نار. يعطيانه القوة لإحراق وتذويب أعدائه المقتربين منه من كل جهة. إنه يصير عزيزاً على نور الشمس وصديقاً لها. أما للخمر الشفاف والشعاع الصادر عنه فهو يصبح محبوباً كإبن إذ أن الشراب هو غذاؤه وبرء جسده المطهّر. هذا الإبراء يصير شفاءه الكامل، أما صحته فهي لا تسمح له بتناول طعام آخر بسبب المرض، بل تعطيه رغبة محرقة للشرب من ذلك الخمر وبه يطهّر نفسه ويحقق الصحة. جمال تلك الصحة وبهاء الطلعة الناتج عنها لا يعرف الحدود.

إذاً يا أولادي الأحباء، أبنائي الذين أُعطيتهم المستمعين إلى كلماتي. كل من أخطأ أمام الله الكليّ الاقتدار سوف يشعر بالخوف في قلبه من الدينونة وتحوّل الله عنه. خوف الله وتحقق جزائه العادل يزعزع البدن ويحطم العظام، تماماً كالحجر الذي تحركه الآلة ليضغط عناقيد العنب التي في المعصرة ويسحقها تماماً. في البداية يدوس الناس العناقيد ثم يسحقونها تحت الحجر مستخرجين كل العصير منها. عندما يخجل رجل في خوف الله، يجعله هذا الخوف الحقيقي مُداساً تحت أقدام الآخرين. وعندما يضغط هذا الخوف الكبرياء والمجد الباطل التي لفكر الجسد[13] ويسحقهما كلياً، عندها ينزل التواضع المقدس من العلى، ذلك الضوء الحقيقي والصخرة الروحية الرقيقة، فيسحق كل رطوبة الملذات الجسدية والشهوات. هذا لا يعدم الروح المسحوقة النفع إنما يروّيها بسيول من الدموع. إنه يجعل الماء الحي[14] ينبع عن طريق غسل القيح والقروح، وذلك لشفاء الجراح المسَببة بالخطيئة. وهكذا يجعل هذا الرجل بكليّته “أبيض أكثر من الثلج”[15].

كم هو مبارك إذاً هذا الرجل الذي يسمع هذه الكلمات ويقبلها بإيمان ويطبقها[16]. فهو إذ يجد بركات كثيرة تتخطى العقل والكلام والأفكار، فهو سوف يعتبر يدي البائسة مباركة لأنها كتبت هذه الأشياء. سوف يعطي مجداً للرب الرحوم الكثير الشفقة لأنه سخّر للكتابة  لساناً ملوثاً وفماً غير طاهر، مثالاً للارتداد والتوبة ولطريق صحيح غير مخطئ للذين يرغبون بكل ذواتهم بأن يخلصوا. هؤلاء هم من سوف يرث المملكة التي في الرب مخلصنا نفسه، له المجد الى الأبد. أمين.

[1] إر17:15

[2] تك14:7-15

[3] كسرة من الخزف.

[4] أي8:2

[5] أي6:2

[6] مت36:12

[7] مز7:130

[8] رو12:5

[9] 1بط22:2

[10] مز12:30

[11] رو9:6

[12] فيل4:4

[13] رو6:8

[14] يو10:4

[15] مز9:50

[16] مت24:7

Leave a Reply