الأفكار

الأفكار

مختارات من كتاب “دليل الاعتراف”

القديس نيقوديموس الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن معرفة الأطباء لا تنحصر فقط في معالجة الجراح الخارجية الظاهرة في الجسد، بل أنهم يقيسون النبض ليعرفوا الأمراض الداخلية غير المنظورة في القلب والأحشاء وغيرها من الأعضاء التي تعمل في الجسم البشري، فيتمكنون علاجها. على المنوال نفسه، أيها الأب الروحي، لا يكفيك أن تعرف فقط كيف تُعالَج الأهواء الخارجية في النفس، أي الأعمال والأفعال المسبَبَة بالخطيئة، بل ضروري أيضاً أن تتعرّف، من خلال اعتراف التائب، إلى جراح نفسه الداخلية التي هي الأهواء المختبئة في قلبه والأفكار الشهوانية الشريرة، حتىتعالجها بتمييز واهتمام كبيرين. لهذا السبب، افتكرنا أنّه من الحسن أن أخبركم قليلاً عن بعض الأمور العامة والأساسية في ما يتعلّق بالأفكار.

كم نوع هي الأفكار؟

إعرَفْ إذاً، أيها الأب الروحي، أنّ الأفكار، بشكل عام، هي ثلاثة أنواع: البعض حَسَن، البعض فارغ وتافه، والبعض سيء. بالنسبة للأفكار الحسنة، ما من حاجة لنناقش هنا كيف تنشأ ومن أيّ أوجه للنفس، كوننا راضين بأن هذه الأفكار حسنة وبالتالي مفيدة وخلاصية للنفس. نقول هذا فقط، أيها الأب الروحي، أنّه إذا قال لك أحد ما خلال الاعتراف بأن أفكاره حسنة، ينبغي أن تنصحه بأن ينتبه ويتواضع وألاّ يثق بنفسه ويتفاخر: 1) لأن الإنسان من ذاته عاجز عن عمل الخير وحتّى عن التفكير بأفكار حسنة من دون قوة الله ومعونته: “لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئًا كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللهِ” (2كورنثوس 5:3)؛ 2) لأن الشيطان بارع وشرير جداً حتى أنّه يستخرج الشر من الخير ومن خلال الأفكار الحسنة يرمي غير الحذرين في الغرور والوهم والغطرسة، التي منها يأتي خراب النفس وموتها. هكذا يقول بولس: “الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا” (روما 13:7). 3) لأن الإنسان لا يبقى في حالة واحدة، بل هو يتغيّر كثيراً وبسرعة يتبدّل، حتى أنّه، بأفكاره، يكون في لحظة ما في الفردوس وفي أخرى في الجحيم، بحسب ما يقول أحد القديسين. ويقول القديس اسحق “بالفكر نتقدّم، وبالفكر نصير غير نافعين”، من هنا أن الذي مَن أفكاره حسنة اليوم قد تكون شريرة غداً؛ 4) أخبرْه أن حسد الشيطان يكون أكبر وحربه أكثر شراسة على أصحاب الأفكار الحَسَنة، حتى يكون أكثر خوفاً على نفسه وحرصاً عليها.

ما هي الأفكار الفارغة وكيف نصلحها؟

هذه هي الأفكار التي ليس الخلاص، خلاص النفس كما خلاص الأخ، هدفها وغايتها. إنها الأفكار التي لا تهتمّ بالمتطلبات الضرورية لجسدنا وتركيبته بل بالأمور الكمالية والأشياء غير الضرورية، حتى ولو كانت حسنة، لذا هي أفكار فارغة وتافهة. بحسب القانون الصغير للقديس باسيليوس الكبير، تنشأ الأفكار التافهة الفارغة من كسل الفكر غير المنشغل في الأمور الضرورية أو غير المؤمن بأن الله حاضر ويفتش قلوبنا وأفكارنا: “يأتي الزيغ الفكري من كسل العقل غير المنشغل بالأمور الضرورية. فالعقل يكون كسولاً وغير مبالٍ من نقص الإيمان بحضور الله الذي يفحص الكِلى والقلوب… إن الذي يفعل هذا أو ما شابهه لن يجسر على التفكير، أو لن يرتاح للتفكير، في تلك الأمور التي تفضي إلى تهذيب الإيمان، حتى ولو بدت حسنة”. أقول، بالنسبة للأفكار التافهة الفارغة، بأن تنصح التائب بألاّ يسمح لفكره بالتأمّل أو الاستغراق فيها: 1) إذ كما أننا سوف نقدّم حساباً عن الكلام الفراغ في يوم الدينونة على ما يقول الرب: “وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ.” (متى 36:12)، كذلك سوف نقدّم حساباً عن الأفكار الفارغة والتافهة، وبالحقيقة، عمّا إذا كنا تركنا فكرنا طوعياً يغرق فيها. وهذا واضح إذ إن الرب يقرّع ويدين العبيد الكسالى “لِمَاذَا وَقَفْتُمْ ههُنَا كُلَّ النَّهَارِ بَطَّالِينَ؟” (متى 6:20). 2) لأن هذه الأفكار الفارغة تمنع عنا الأفكار النافعة الخلاصية التي قد تكون لنا بدلاً منها؛ و3) لأن هذه الأفكار الفارغة هي بحد ذاتها شريرة، كونها توقف الخير وبداية الشر، وهي تفتح الطريق للشيطان وتعطيه الإذن لينثر في عقلنا المتكاسل بذار الأفكار الشريرة. هذا ما يؤكده غريغوريوس اللاهوتي: “فليُقضَ على الشر وسببه الأول، أي الشيطان. إذ فيما نحن فارغين يزرع فينا الشرير بذاره لكي يكون إهمال الخير بداية للشر، مثلما أن بداية الظلام هي انحسار النور”.

سبب الأفكار السيئة

أعرف أن الأفكار السيئة تأتي بشكل عام من سببين، الأول خارجي والثاني داخلي. السبب الخارجي للأفكار السيئة هو الأشياء التي تحسّها الحواس الخمس، أي تلك الأشياء التي تُسمَع وتُرى وتُشَمّ وتُذاق وتُلمَس، مثل المناظر المسرحية السيئة، الكلمات البذيئة والأغاني المثيرة للشهوات، الروائح والعطور، المآكل المغرية والشرابات اللذيذة، الثياب المرهفة الناعمة والفراش المريحة. كل هذه الأشياء تسبب الأفكار الشهوانية وال hedonistic في النفس، ومن ثمّ الأفكار الخاطئة الحاملة للموت. لهذا، يقول النبي إرمياء من جهة: “لأَنَّ الْمَوْتَ طَلَعَ إِلَى كُوَانَا” (إرمياء 21:9)، الكوى تعني الحواس الخمس. من جهة أخرى، فسّر غريغوريوس اللاهوتي هذا القول بعبارات أوسع: “وهو يُحفَظ إلى اليوم الخامس (أي الحمل الفصحي المبارَك)، ربما لأن الضحية، التي أحكي عنها، تطهر الحواس الخمس التي منها يأتي الوقوع في الخطيئة والتي حولها تدور الحرب بقدر ما هي مستباحة لدوافع الخطيئة”.

الأسباب الداخلية للأفكار السيئة

الأسباب الداخلية للأفكار السيئة هي أربع:

1. الخَيال، الذي، مثل أيّ حاسة أخرى، يتلقّى ويسجّل كل الصور والتخيلات التي تدخل عبر الحواس الخمس أي من الأشياء التي تُلمَس وتًُذاق وتُشَمّ وخاصة التي تُسمَع وتُرى، وهو يسمّى حساً داخلياً لأنّه يصوّر الأشياء المحسوسة بشكل ضخم وواضح جداً مثل الحواس الخارجية. إنّه حسّ مشترَك، بحسب أرسطو، لأنّه يتلقّى على نحو مشترَك خبرات كل الحواس؛ وهذا طبيعي، إذ كما أن الخطوط تكون منفصلة على محيط الدائرة لكنها تتلاقى عند مركزها، كذلك هي الحواس الخمس غير المترابطة في الخارج تتجمّع في مخيّلة النفس ولكن من دون تشابك. إذاً، من الخيال تتولّد الأفكار السيئة في النفس فتجعلها تحسّ بهذه الأفكار وكأنها حاضرة فعلياً، وتصّور عقلياً، في الذاكرة، هذه الأفكار التي لم ترَها حسياً ولم تسمعها أو تشمّها أو تتذوقها أو تلمسها، حتى ولو كانت حسياً بعيدة عنها ساكنة بسلام في مكان منفرد. لهذا السبب، يقول اللاهوتي في قصيدته الرباعية على البحر العميق: “أتتني رؤيا، لكنها فُحِصَت، لم أجد فيها شبحاً للخطيئة. هل وُجد شبح؟ فالخبرة تُبطَل. هذه هي درجات خديعة العدو”. أتسمع؟ إنّه يقول أن شبح الخطيئة لم يُترَك ولم يُسَجَّل في المخيّلة. هربت النفس بسرعة من الخبرة، أي أنها فرّت من قبول الأفكار ومن ارتكاب الخطيئة.

2. الأهواء هي أحد أسباب الأفكار السيئة، التي هي بالإجمال اثنتان: المحبة والكراهية، أو اللذة والألم، كوننا نتحرّك عاطفياً إمّا لأننا نحب أمراً ما باعتباره ساراً، أو لأننا نكرهه باعتباره مؤلماً. بشكل خاص، الأهواء تنقسم إلى ثلاثة أوجه للنفس: العقلي، الشهواني، والغضبي . أهواء العقل، بحسب غريغوريوس السينائي، هي عدم الإيمان، التجديف، الذمّ، الفضول، ازدواجية الفكر، الثرثرة، محبة الإطراء، الخيلاء، الزهو، وغيرها. أهواء الوجه الشهواني هي الفسق، الزنى، الإثم، الطمع، الفساد، الفجور، محبة اللذة، محبة الذات، وغيرها. أهواء الوجه الغضبي هي الغضب، المرارة، الصياح، الوقاحة، الانتقام، وغيرها. من هذه الأهواء في النفس تولد الأفكار السيئة عموماً وبشكل مباشر، منقسمة إلى ثلاثة فئات مثل الأهواء. من أهواء الجزء العقلاني تأتي الأفكار السيئة التي تُسمّى عامةً بأفكار التجديف. من أهواء الجزء الشهواني تأتي الأفكار الداعرة. ومن أهواء الجزء الغضبي تأتي الأفكار الشريرة. لهذا السبب قال غريغوريوس السينائي: “الأهواء هي سبب الأفكار”، يسمّي الأنبا اسحق الأهواء “مغتصبين” لأنهم يهاجمون النفس من الداخل ويثيرون الأفكار الشهوانية.

3. الشياطين هم سبب داخلي وأساسي للأفكار السيئة، فهؤلاء الملاعين، كونهم أرواح خفيفة وموجودين خارجياً حول القلب، يتكلمون هناك بإيحاءات داخلية ويهمسون بهدوء بكل الأفكار الكفرية والداعرة والشريرة، وببساطة بكل الأفكار السيئة. إنّهم يحشون المخيّلة بأوثان الفحش والقذارة من الحواس، في نوم الإنسان كما في يقظته. من هذه (الشياطين)، تتحرّك الأهواء المذكورة آنفاً في أوجه النفس الثلاثة وتحوّل النفس البائسة إلى كهف لصوص وحيّ قذر للأهواء. لهذا السبب يقول غريغوريوس السينائي: ” المناسبات تقود إلى الأفكار، الأفكار تقود إلى الخيالات، الخيالات إلى الأهواء، والأهواء تُدخِل الشياطين… لكن أياً من الأشياء في هذا التسلسل ليس آلياً: فالشياطين تلقنها كلها وتفعّلها. الخيال لا يتشكّل في صورة، والهوى لا ينشط، من دون التحفيز الشيطاني غير الملحوظ”، وفي مكان آخر يقول: “الأفكار هي تلقينات الشياطين ونذائر الأهواء”.

بالتوافق مع هذا، يقول القديس اسحق: “ومع ذلك، أنا أتمسّك بحقيقة أن فكرنا، من دون وساطة الملائكة القديسين، قادر من نفسه على الميل نحو الخير من دون تعليمات؛ من جهة ثانية، حواسنا (الداخلية) لا يمكنها أن تعرف الشر أو أن يحرضها الشر من دون وساطة الشياطين”.

4. سبب داخلي للأفكار، مع كونه بعيداً، هو وضع الطبيعة البشرية الشهواني الفاسد الناتج عن الخطيئة الجدية. بحسب اللاهوتيين، يبقى هذا الوضع في طبيعتنا حتّى بعد المعمودية، ليس كخطيئة موروثة (كونها قد رُفعَت بالمعمودية، بحسب القانون 120 من مجمع قرطاجة)، بل كنتيجة للخطيئة الجدية، لتفعيل وامتحان إرادتنا الحرة، وكمقابل للتيجان والمكافآت العظيمة. فبعد السقوط، خسر العقل ذاكرته البريئة وفكره الذي سبق أن ثبّته سابقاً على الخير فقط، فإذ به يتشتت مباشرة فيفكّر بالشر. لهذا السبب قال غريغوريوس السينائي: “مصدر أفكارنا وأساسها هو حالة ذاكرتنا المشظّاة. الذاكرة كانت أصلاً بسيطة ومركَّّزة، لكن كنتيجة للسقوط فسدت قواها الطبيعية: خسرت رباطة جأشها بالرب وصارت مركبة بدل البساطة، منهمكة في أعمال متباينة بدل التركيز”.

Leave a comment