شخصية الأرثوذكسية

شخصية الأرثوذكسية

جورج مانتزاريذيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

“كما رأى الأنبياء، وعلّم الرسل، وتسلّمَت الكنيسة، وثبَّت المعلّمون في العقائد، وفهم العالم… هكذا نحن نؤمن وهكذا نتكلّم وهكذا نعلّم. هذا هو إيمان الرسل، وهذا هو إيمان الآباء، هذا هو إيمان الأرثوذكسيين. هذا الإيمان أسّس العالم.”

ليست الأرثوذكسية مجرّد طائفة مسيحية، بل إن لها شخصية شاملة تتخطّى الزمن. لم تُخلَق الأرثوذكسية من أفكار مجرّدة ولا من انشقاقات، بل هي الحقيقة الوحيدة الموحَّدة. إنّها حقيقة الكنيسة، حقيقة جسد المسيح، الذي يُشتَرَك فيه ولا يُقَسَّم، يُوَزَّع ويوحِّد. إن حقيقة الأرثوذكسية هي واقع محبة الله للجنس البشري، عطية التدبير الإلهي التي تخلق في المؤمنين التزاماً متطابقاً ومسؤولية متماثلة: الالتزام بالسلام والوحدة فيما بينهم والمسؤولية عنهما.

في سنة 842 بعد زوبعة الحرب على الأيقونات التي أعادت الهرطقات الخريستولوجية بشكل جديد، عاد السلام والوحدة إلى الكنيسة في حياة أعضائها. وهكذا، ظهرت نعمة الله مجدداً في حياة المؤمنين. حقيقة الإيمان ظهرت مرة أخرى كعلامة للحياة اليومية. بالطبع، حتى في أكثر أزمنة تاريخ الكنيسة لمعاناً، لم يتوقف ضعف الشعب المنتمي إليها والذي غالباً ما اقتيد إلى الهرطقات والانشقاقات. إن انتصار الكنيسة النهائي وظهور وحدتها السرمدية سوف يتحقق في الزمن الأخير (eschaton)، حيث الكنيسة المبعثرة في العالم سوف تتجمّع في ملكوت الله.

لكن هذا لا يعني أبداً التبرير لعدم عيشنا هذه الوحدة منذ الآن. تميّز الوحدة طبيعة الكنيسة. عندما لا نحيا الوحدة يعني أننا لا نعيش كأعضاء للكنيسة. فالكنيسة ليست مؤسسة بشرية يُعتَقَد فيها أن الوحدة نافعة، لكنها غير ضرورية تماماً. الكنيسة هي جسد المسيح الذي لا يُفهَم من دون وحدة. المسيح واحد: كنيسته واحدة. في دستور الإيمان، نحن نعترف بإيماننا بكنيسة واحدة مقدّسة جامعة رسولية. إن تعدّد الكنائس، أو بالأحرى تعدد الطوائف المسيحية، هو تركيبات بشرية وليس من الله.

ومع هذا، فمنذ بعض الوقت، لم يعد العالم المسيحي يشكّل جماعة واحدة من الشعب المؤمن، أي كنيسة واحدة. لم يحفظ الإيمان، الذي سلّمه الرسل وآباء الكنيسة غير المنقسمة ومعلموها، بدون تغيير في كل مكان. لقد هُشِّمَت العبادة، غُرِّب الخُلُق، قُضي على التآلف، وأُهتِك التقليد. وهكذا، ابتُدعَت فضيحة في العالم، فضيحة لا يستطيع أي مسيحي ألاّ يبالي لها.

ليست الكنيسة الأرثوذكسية واحدة من بين الكنائس الكثيرة. إنّها كنيسة المسيح غير المنقسمة. وهي ليست غير منقسمة لأنّ الأرثوذكسيين يريدون ذلك بل لأنّها انبثقت على هذا الوجه من التقليد المسيحي.

الأرثوذكسية ثبّتت العالم لأنّها كانت دائماً مسكونية. لكنّها لا تستطيع أن تثبت كأرثوذكسية إذا لم تصمد كمسكونية. الأرثوذكسية ليست التعصّب ولا هي المحافَظة. الأرثوذكسية ليست الجمود ولا هي العِرقية. التعصب يستغلّ الأرثوذكسية ويحوّلها إلى أداة للحزبية. التعصب يدحض الأرثوذكسية فتختفي روحها التي هي روح المحبة والمصالحة. وعليه، المتعصبون لا يستطيعون أن يكونوا أرثوذكسيين، بغض النظر عن العبارات الأرثوذكسية التي يستعملونها. والمحافَظة أيضاً يمكن أن تقتل تقليد الأرثوذكسية وتحوّله إلى إيديولوجيا تخدم عادةً أهدافاً غريبة. لا يمكننا أن ننسب أيّ نظام إلى الأرثوذكسية، فالأرثوذكسية هي التقليد الحي للحق والحياة. ليست الأرثوذكسية جامدة ولا مقاومة للتغيير، إنّها مليئة بالقوة والنشاط وتقليدية في الوقت نفسه. فالتقليدية ليست المحافَظة بل الإبداع، ليست حالة بل حياة. بالنهاية، ليست الأرثوذكسية إحدى الإيديولوجيات.

بالطبع، حاول البعض استعمال الأرثوذكسية كإيديولوجيا (أي كمجموعة نظامية من المفاهيم في موضوع الثقافة البشرية). هذا لم يقم به فقط القادة السياسيون لتحقيق أهدافهم الخاصة، بل أيضاً إكليريكيون وعلمانيون. الحق، والحرية التي يعطيها الحق (أنظر يوحنا 32:8)، هما أمران عظيما الأهمية. البعض يتخلّون عنهما بسهولة أو يستبدلونهما بأوثانهم المزيفة. من السهل على البعض أن يتاجر بالأرثوذكسية إذ من الصعب عيشها. من السهل أن نتبجّح بكوننا أرثوذكسيين، خاصة عندما تكون الأرثوذكسية موضة، وبأن ندين الآخرين كخونة وهراطقة، لكن من الصعب أن نحيا حقيقة الأرثوذكسية. وهكذا، غالباً ما ننسى هذه الحقيقة ونُسقِط رغباتنا الشخصية أو الجماعية واهتماماتنا الذاتية باسم الأرثوذكسية. بهذا نحن نزيّف الأرثوذكسية أكثر من الذين نصفهم بأنهم أعداؤها. عندما يقوم مَن نعتبرهم أعداءَ الأرثوذكسية بإدانة أرثوذكسيتنا المحرّفة أو بالحكم عليها، فبدل من أن نستدير نحو أنفسنا لنرى حالتنا ونهتم بها ونصلحها، نحن نرميهم بالسهام ظانين أننا نقوم بواجبنا نحو الأرثوذكسية أو حتى أننا نكون بهذا معترفين.

ليست الأرثوذكسية إيديولوجيا بل هي الحق والحياة. إنها تحترم خصوصية الناس ولغتهم وتقاليدهم وعاداتهم. كما أن المسيح بتجسده اتّخذ طبيعة البشرية كاملة، كذلك الكنيسة الأرثوذكسية تتّخذ كل ما هو بشري في التاريخ. ولكن أيضاً، كما أن المسيح لن يتّخذ الخطيئة لأنها حالة مخالفة لطبيعة الإنسان، كذلك الكنيسة، أو بالأحرى الأشخاص الراغبين في أن ينتموا فعلياً للكنيسة جسد المسيح الأبدي غير المنقسم، لا يسمحون لحالات الخطيئة بأن تسيطر على حياتهم وعلى علاقاتهم. الحرية التي يمنحها المسيح لا يمكن استعمالها وكأنها “فُرْصَةً لِلْجَسَدِ”، بل ينبغي أن تظهر بروح من المحبة والخدمة المتبادلة (غلاطية 13:5). هذه الحرية ليست في أن نكون غير مسؤولين، بل هي دعوة لتحرير ذواتنا كلياً من مصدر الخطيئة والانقسام، الذي هو أنانيتنا، ولاكتشاف جامعة طبيعتنا في المسيح.

بالواقع، يتلاشى الكثير من الحواجز التي نلتقيها يومياً إذا كان عندنا هذا الموقف. كم من التناقضات تُوضع جانباً، إذا لم تسّد الأنانية الفردية أو الجماعية في العلاقات؟ “إِذَا صَارَ الْمِلْحُ بِلاَ مُلُوحَةٍ، فَبِمَاذَا تُصْلِحُونَهُ؟” (مرقس 50:9). إذا كنا نحن الأرثوذكسيين، الذين نتباهى بأننا نحفظ حقيقة المسيح بدون تغيير، لا نهتمّ بالعمل في هذا الاتجاه، فمَن ننتظر؟ إن الكنيسة توجّهنا دوماً نحو محاربة الأنانية بمختلف أشكالها. التوبة، عمل العمر عند المسيحي، تهدف إلى هذا.

ليست الأرثوذكسية بعض القيم الموضوعية، يمكن لهذا أو ذاك أن يستعملها بحسب أذواقه ورغباته. ليست الأرثوذكسية مُلكاً لمَن يظن أنّه يمتلكها. لا يمكن لأحد أن يمتلك الأرثوذكسية. فقط يمكنه أن يكون متمَلَّكاً منها. لا يمكن لأحد أن يدرِج الأرثوذكسية بين خططه ليدين الآخرين أو يقاتلهم، أو ليتعصّب أو يجعل الآخرين يتعصّبون. الأرثوذكسية الحقيقية، ولا نتحدّث عن الانحرافات عنها، لا يمكن إدراجها في أي شيء، بل هي تدعو الجميع إلى اندراج كونيّ فيها. في غير ذلك، تكون المعمودية كافية للانتماء إليها. لكنّ تقدم المؤمنين في الكنيسة الأرثوذكسية يتحقق عندما يصبح انتماؤهم إليها فعّالاً، أي في المدى الذي لا يتركون فيه الأنانية ونتائجها تسيطر على حياتهم وتفرغ إيمانهم ومحبتهم تاركةً المظاهر منها فقط.

عندما نجعل أنفسنا أعضاء في الكنيسة الأرثوذكسية، أي أعضاء في جسد المسيح، لا يمكن أن نكون لا مبالين بما يحدث في العالم المسيحي. الألم الذي تسببه لنا الانقسامات هو ألمنا. يجب أن يكون الاهتمام بإزالة هذه الانقسامات اهتماماً مشتركاً. لكن لا ينبغي أن نقبل بتسويات على حساب إيماننا لكي نساعد المسيحيين غير الأرثوذكسيين. إننا بهذه المساومات نخون أنفسنا ونخون المسيحيين الآخرين، لأنّهم يحتاجون للحقيقة المسيحية غير ملوثة. لكي نساعد المسيحيين غير الأرثوذكسيين، خاصةً عندما تقرّبنا الظروف من بعضنا البعض، علينا أن نعود إلى جذورنا، علينا أن نعرف أرثوذكسيتنا بشكل أفضل وأن نجدّ في طلب حقيقتها الكونية والمسكونية.

From the book, Orthodox Spiritual Life, Holy Cross Orthodox Press 1994, pp. 1-5.

Leave a Reply