الكهنة والعلمانيون في الكنيسة الأرثوذكسية

الأب ألكسندر شميمن

تعريب الأب أنطوان ملكي

هذا المقال قديم في تاريخ تأليفه ولكن قيمته تكمن في كونه يعالج موضوعاً ما يزال يتفاعل في كثير من الرعايا في أميركا وغيرها من العالم الأرثوذكسي. إضافةً إلى أن المقاربة في هذا الموضوع أرثوذكسية محضة تعليمية تلفت النظر إلى أكثر مما يحمل العنوان. (المعرّب)

لا ينكر أحد، هنا في أميركا [أو في غيرها]، أن مسألة علاقة الكهنة والعلمانيين في كنيستنا هي مسألة ملّحة ومربكة معاً. فهي ملّحة لأن إنعدام الثقة، التناقضات، سوء الفهم وخيبات الأمل عي أمور تعوّق نمو الكنيسة غالباً. كما أنها مربكة لأنه ليس هناك أي بحث بنّاء وصادق وأي محاولة حقيقية لفهم هذه المسألة على ضوء إيماننا وعلى أساس حالتنا الحقيقية. بالواقع، إنه تناقض ظاهري، لأن الجانبين الإكليريكي والعلماني يقدمان نفس الشكوى: فكلا الكهنة والعلمانيون يعلنون أنهم حُرِموا من حقوقهم الخاصة وإن مسؤولياتهم وإمكانياتهم للعمل محدودة. وإذا ما تكلم الكاهن أحياناً عن الحكّام العلمانيين “الطغاة”، ندّد  العلمانيون بـ “رئاسة” الكاهن. مَن هو صاحب الحق ومَن هو المخطئ؟ وهل لنا أن نستمر في هذه “الحرب المدنية” المحبطة في وقتٍ نحن بحاجة إلى الوحدة وإلى حشد كلّي لجميع مواردنا حتى نصمد أمام تحدي العالم المعاصر، وفي وقتٍ فيه يفوقنا الكاثوليك والبروتستانت عدداً، هناك 150 شخص مقابل شخص أرثوذكسي، فالأجيال الشابة متضعضعة في إلتصاقها بالأرثوذكسية ويجب علينا أن نعتمد على كل واحد من أجل المهمات الهائلة الحجم التي نواجه؟ نحن ندعو أنفسنا أرثوذكس – أي ذوي الرأي المستقيم. لذلك وجب علينا إيجاد مبادىء هادية وحلول إيجابية لكل مشاكلنا في إيماننا المستقيم …

فالعجالة الحاضرة ليست إلا محاولة لتوضيح مسألة البحث هذه. بالرغم من إن كاتبها كاهن فالقصد منها ليس “الإنحياز إلى أحد الجانبين”، لأنه في إعتقادي، ليس هناك من جهات يُنحاز لها إنما هناك سوء فهم يجب أن يتبدد. بالتأكيد، يوجد جذور عميقة لسوء الفهم هذا. فهذه الحالة لا يوجد لها مثيل، ومع هذا يجب أن نحياها كأرثوذكس مع أنها لا تتضِّح بمجرد الإستشهادات من القوانين والنصوص القديمة. ومع ذلك، يبقى الأمر سوء تفاهم وهذا ما يجب أن يفهمه جميع الناس ذوي الإيمان الصحيح. المطلوب فقط هو أن نضع بصدق وبإخلاص مصالح كنيستنا فوق “ما نحب” و “ما لا نحب” شخصياً، وأن نتعدى رباطاتنا ونتنشق هواءً نقياً من الإيمان الرائع والمجيد الذي هو إيماننا.

توضيح التعابير

إن المصدر الأساسي لسوء الفهم هذا يعود إلى فهم المصطلحات الغنية وفي هذا بعض من الغرابة. فتعبيرا “الإكليريكي” و”العلماني” استخدما في كل الأزمان، ولكن دون فهم واضح، أي بدون المفهوم الأرثوذكسي. إن الناس لا يدركون أن هناك إختلافاً جذرياً بين المعنى الأرثوذكسي والمعنى المتداول، كالذي نجده في قاموس ال  Webster. على هذا يجب علينا أن نبدأ باستعادة المفهوم الحقيقي للتعابير التي نستعملها.

في ال Webster تُعرّف كلمة “العلماني” كالآتي: هو “مَن ينتمي إلى العلمانيين المتميزين عن الإكليروس” أو مَنْ “ليس له أو ليس مِنْ أهلِ مهنة خاصة”. أما بالنسبة لكلمة “إكليروس”، يُقرأ التعريف كما يلي: “في الكنيسة المسيحية، جماعة من الرجال كُرسوا من أجل خدمة الله، كهانة”.

إن كلا التعريفين يفترضان أولاً التعارض: العلمانيون يقابلهم الإكليروس والإكليروس يقابلهم العلمانيون. في حال العلمانيين، إنهم يستلزمون المنافاة أيضاً. العلماني هو شخص ليس له مكانة خاصة (لا مهنة خاصة). هذه التعريفات مقبولة إجمالاً في كل اللغات الغربية وتعكس بصورة خاصة الخلفية الدينية الغربية والتاريخ الديني الغربي. فالغرب متجذر في الصراعات الكبيرة التي جرت في العصور الوسطى بين السلطتين الروحية والمدنية، أي الكنيسة والدولة. ولكن ليس لهذين التعبيرين أية صلة بالمعنى الذي أراده المسيحيون الأوائل من خلالهما، هذا المعنى الذي يُشكّل وحده المعيار في الكنيسة الأرثوذكسية.

معنى “العلماني”

إن كلمات عامي، علمانيين، علماني تأتي من الكلمة اليونانية laos التي تعني الشعب. “Laikos”، العلماني هو شخص ينتمي إلى الشعب، أي أنه عضو في جماعة متكاملة ومنظمة. بكلام آخر، ‘العلماني‘ ليست تعبيراً سلبياً، بل هي تعبير إيجابي وسامٍ. إنها تتضمن مُثل عليا من العضوية الكاملة والمسؤولة والعاملة مقارنة، مثلاً، بمكانة المرشح للعضوية. مع وقد جعل إستخدام المسيحيين لهذا التعبير أكثر إيجابية. فالكلمة تأتي من الترجمة اليونانية للعهد القديم حيث كلمة Laos تنطبق عادة على شعب الله، على اسرائيل، الشعب المختار والمقدس من الله نفسه كشعبه. مفهوم “شعب الله” رئيسي في الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس يشهد أن الله قد اختار شعباً واحداً من بين العديد حتى يكون أداته الخاصة في التاريخ، ويتمم قصده ويهيء، فوق كل شيء آخر، لمجيء المسيح مخلص العالم. لقد دخل الله مع هذا الشعب الواحد في “ميثاق”، في عهد أو اتفاق من الإنتماء المتبادل. فالعهد القديم، من ناحية ثانية، ليس سوى تحضير للعهد الجديد. وفي المسيح، إمتدت امتيازات “شعب الله” وإختياره إلى جميع الذين قبلوه وآمنوا به وهم على إستعداد أن يقبلوه كإله ومخلص. هكذا، الكنيسة أو جماعة المؤمنين بالمسيح، أصبحت شعب الله الحقيقي (Laos) وكل مسيحي (Laikos) أصبح عضواً في شعب الله.

العلماني إذن، هو الشخص الذي يشترك في الإختيار الإلهي ويحصل من الله على هبة خاصة وإمتياز العضوية. إنها عمل إيجابي وسامٍ مختلف جذرياً عن ما نجده معرّفاً في ال Webster. نستطيع أن نقول بحسب تعليمنا الأرثوذكسي أن كل مسيحي، أكان أسقفاً، كاهناً، شماساً أو مجرد عضو في الكنيسة هو علماني أولاً وقبل أي شيء آخر، لأن كلمة ‘علماني‘ ليست تعبيراً سلبياً أو جزئياً بل هي تعبير يشمل الكل مع مهمتهم المشتركة. قبل أن نكون أي شيء محدد، نحن جميعنا علمانيون لأن الكنيسة إختارها المسيح نفسه وأسسها من العلمانيين – الشعب، العائلة، الجماعة.

العلماني مُكرس

لقد اعتدنا الاعتقاد بأن التكريس هو بالتحديد علامة مميزة للإكليروس. فهم المكرسون أما العلمانيون فهم المسيحيون غير المكرسين. هنا، من جديد، تختلف الأرثوذكسية عن “الإكليريكية” الغربية سواء كانت عند الكاثوليك أو البروتستانت. فإن كان التكريس يعني أولاً منح مواهب الروح القدس من أجل إتمام رسالتنا كمسيحيين وكأعضاء في الكنيسة، فإن كل علماني يصبح علمانياً من خلال التكريس. هذا نجده في سر الميرون المقدس الذي يلي المعمودية. لماذا يوجد سِران وليس واحد فقط للدخول في الكنيسة؟ لأنه إذا كانت المعمودية تجدد فينا طبيعتنا البشرية الحقيقية التي أظلمت من جرّاء الخطيئة، فإن المسح بالميرون يمنحنا القوة الإيجابية والنعمة كي نصير مسيحيين، ونتصرّف كمسيحيين، ونبني معاً كنيسة الله ونكون مشاركين مسؤولين في حياتها. في إقامة هذا السر نصلي كي يصبح المعتَمِد الجديد: “عضواً مكرماً في كنيسة الله، إناءً مقدساً، إبناً للنور، وارثاً لملكوت الله،  حتى إذا حفظ موهبة روحك القدوس وأنمى وديعة النعمة نال جائزة الدعوة العلوية وانضم إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء”.

نحن بعيدون كثيراً عن تعريف Webster الضعيف. القديس بولس يدعو جميع المسيحيين المعتمدين “رعية مع القديسين وأهل بيت الله” (أفسس 19:2). “لأنه المسيح” – هو يقول – “فلستم بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين… الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح”.

العلماني في الليتورجيا

نحن نفكر في العبادة كنطاق للنشاط الإكليريكي على وجه التخصيص. فالكاهن يحتفل والعلمانيون يحضرون. واحدٌ فعّال والآخر غير فعّال. بهذا نحن نرتكب خطأ جدياً آخراً. إن التعبير المسيحي للعبادة هو “الليتورجيا” التي تعني بالتحديد عملاً متحداً، مشتركاً، شاملاً الكل، فيه جميع الحاضرين مشاركون فعّالون. في الكنيسة الأرثوذكسية، كل الصلوات مكتوبة بصيغة الجمع “نحن”. نُقدم، نصلي، نشكر، نعبد، ندخل، نصعد، نتَقَبَّلْ. إن العلماني هو، بطريقة مباشرة جداً، المحتفل مع الكاهن الذي يرفع صلوات الكنيسة إلى الله ممثلاً جميع الشعب ومتكلماً بالنيابة عنهم. كلمة “آمين” التي نحن معتادون عليها حتى إننا بالحقيقة لا نوليها إهتماماً هي مثال على هذا الإشتراك في الإحتفال. ولكن بالرغم من ذلك، إنها كلمة فاصلة. ليس هناك صلاة أو تقدمة أو بركة تُعطى في الكنيسة من دون أن تُصَدَّق بالآمين التي تعني القبول والموافقة والإشتراك. أن أقول آمين لأي شيء يعني أنني أتبنّاه وأقبله… وأن “آمين” هي في الواقع كلمة العلمانيين في الكنيسة وتعبّر عن عملهم كشعب الله الذي يقبل التقدمة الإلهية ويصدّقها بموافقته بحرية وبفرح. ليس هناك بالحقيقة خدمة أو ليتورجيا من دون “آمين” الذين كُرِّسوا لخدمة الله كجماعة، ككنيسة.

وهكذا، إذا أخذنا بعين الإعتبار أي خدمة ليتورجية، نرى أنها تتبع أسلوب الحوار والتعاون والإشتراك. التعاون هو بين المحتفِل (الكاهن) وجماعة المصلين. إنها في الواقع عمل مشترك (“ليتورجيا”) يتطلب إشتراكاً كاملاً وضرورياً مسؤولاً من قِبَل كل فرد إذ من خلال هذا الإشتراك تُتمم الكنيسة، التي هي شعب الله، قصدها وغايتها.

مرتبة الكاهن

إن هذا المفهوم الأرثوذكسي للعلمانيين يكشف المعنى الحقيقي للكاهن ولعمله. فالكاهن في الكنيسة الأرثوذكسية ليس فوق العلمانيين ولا هو معارض لهم.

أولاً، وكما يبدو غريباً، المعنى الجوهري لعبارة “كهنوت” قريب جداً لمعنى عبارة “علمانيين”. فعبارة كهنوت تأتي من عبارة “إكليروس” التي تعني “نصيب الله”. “كهنوت” تعني ذلك الجزء من الجنس البشري الذي ينتمي إلى الله والذي قَبِلَ دعوته وكَرَّس نفسه له. في هذا المعنى المبدئي، قد وُصفت الكنيسة جمعاء بـ”الكهنوت” – أي نصيب الله أو ميراثه: “خلّص يا الله شعبك وبارك ميراثك”. (Kleromonia أو كهنوت – في اليونانية). إن الكنيسة كونها شعب الله (العلمانيين) هي “نصيبه” و “ميراثه”.

ولكن شيئاً فشيئاً إقتصرت عبارة “كهنوت” على هؤلاء الذين يؤدون وظيفة خاصة داخل شعب الله، الذين أُفرزوا بصورة خاصة من أجل الخدمة بالنيابة عن الجماعة قاطبة. لذلك ومنذ البدء، كان شعب الله متبلوراً ولكنه بالمسيح نفسه أُعطي تركيباً ونظاماً وشكلاً مَرتبي: “فوضع الله أناساً في الكنيسة أولاً رسلاً ثانياً أنبياء ثالثاً معلمين… ألعل الجميع رسل. ألعل الجميع أنبياء. ألعل الجميع معلمون… وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً…” (1 كورنثوس 12: 28-29)

لقد قامت الكنيسة تاريخياً على الرسل الذين اختارهم وعيّنهم المسيح نفسه. والرسل بدورهم قاموا باختيار وتعيين معاونيهم وخلفائهم، حتى أنه عبر مسيرة الكنيسة الكاملة المستمرة، كان هناك دائماً إستمرارية لهذا التعيين والإختيار الإلهي.

إذاً “الكهنوت” هو حاجة لصنع الكنيسة كما يجب أن تكون: شعب الله الخاص أو نصيبه. إن عملهم الخاص هو أن يُخلّدوا داخل الكنيسة ما لا يقوم على البشر: كنعمة الله وتعاليمه ووصاياه وقوته الخلاصية والشفائية.

نحن نؤكد أن هذه “من الله” لأن المعنى الكامل لعبارة “كهنوت” يكمن في تطابقه الكامل مع تعليم الكنيسة الموضوعي. إنها ليست تعاليمهم وقوتهم: إنهم لا يملكون شيئاً سوى تلك التي حُفظَت وبقيت على مر الزمن في الكنيسة من الرسل حتى زمننا والتي تؤلف جوهر الكنيسة. إن للكاهن القدرة على التعليم فقط بقدر ما يعلّم تقليد الكنيسة ويكون طائعاً له بالكلية. ولديه القدرة على الاحتفال، ولكن من جديد، فقط بقدر ما يتمم الكهنوت الأزلي الذي للمسيح نفسه. لإنه ملزم، بشكل كلي وخالص، بالحقيقة التي يمثلّها وهكذا لا يستطيع قط أن يتكلّم أو يأمر باسمه الخاص.

إن شعبنا في نقدهم للإكليروس يخشون “سلطة” الكاهن الزائدة، لكنهم في كثير من الأحيان لا يدركون أن الكاهن لا يمثّل أي سلطة إكليريكية محددة غير “سلطة” الكنيسة التي هم أعضاؤها. فواضح لكل امرئ أن الكنيسة وُجدت قبل أن نولد وهي دائماً موجودة كجسم من المعتقدات والنظام والليتورجيا وغيره. إنها لا تنتمي إلى أحد منا حتى نغيّرها أو نجعلها تتبع ذوقنا، لسبب بسيط هو أننا ننتمي إلى الكنيسة ولكن الكنيسة لا تنتمي إلينا. لقد قبلَنا الله برحمته داخل أهل بيته وجعلنا مستحقين لجسده ودمه ولاستعلانه والشركة معه. الإكليروس يمثلون هذه الاستمرارية، هذه الهوية التي للكنيسة في المعتقدات والحياة والنعمة في مختلف الأزمنة والأمكنة. إنهم يعلّمون التعليم الأزلي نفسه ويأتون إلينا بالمسيح الأزلي عينه ويعلنون عمل الله الخلاصي الأزلي ذاته.

بدون هذا التركيب المراتبي تصبح الكنيسة منظمة بشرية محض تعكس مختلف آراء البشر وأذواقهم واختياراتهم. إنها تكَفّ عن كونها مؤسسة إلهية وعطية الله لنا. حينئذ لن يستطيع العلمانيون أن يكونوا علمانيين أي شعب الله ولن يكون هناك “آمين” تُقال، لأنه حيث لا يوجد هبة من غير المستطاع أن يكون هناك قبول.. إن سر الكهنوت المقدس في الكنيسة هو ما يجعل الكنيسة بكليتها وبالكامل Laos، أي العلمانيين، شعب الله الخقيقي.

أساس الوحدة والتعاون

إن الاستنتاج واضح: ليس هناك تعارض بين الاكليروس والعلمانيين في الكنيسة. كلاهما ضروري. إن الكنيسة كوحدة كاملة هي من العلمانيين وهي ميراث وكهنوت الله. ومن أجل أن يكون هذا، يجب أن يوجد داخل الكنيسة تباين في الوظائف والرسالات التي تكمّل بعضها بعضاً. لقد كُرّس الإكليروس من أجل جعل الكنيسة هبة الله، مكان حقيقته ونعمته وخلاصه ورسالتها إلى البشر. إنه عملهم المقدس وإنهم يتممونه فقط بالطاعة التامة لله. وقد كُرِّس العلمانيون من لجعل الكنيسة مكان اقتبال تلك الهبة، و”آمين” الجنس البشري لله. إنهم يستطيعون إتمام عملهم فقط بالطاعة التامة لله. إن الطاعة لله وللكنيسة تُرسّخ بحد ذاتها الانسجام بين الاكليروس والعلمانيين وتجعلهم جسداً واحداً ينمو إلى ملء المسيح.

بعض الأخطاء التي يجب أن تُرفض

إن هذه الحقيقة الأرثوذكسية البسيطة قد طُمستها غالباً بعض الآراء التي قبلناها اختيارياً أو بغير اختيار من المحيط الذي نعيش فيه.

1.        تطبيق فكرة الديموقراطية على الكنيسة دون حرج. إن الديموقراطية هي المثال الأعظم والأنبل للمجتمع الإنساني. ولكن في جوهرها الحقيقي، لا تطبَّق على الكنيسة لسبب بسيط هو أن الكنيسة ليست مجرد مجتمع بشري. الكنيسة ليست “مُساسة” من الناس ولأجل الناس، ولكن من الله ومن أجل كمال ملكوته. إن تركيبها وتعليمها وعبادتها وقيمها الأخلاقية لا تقوم على أيِ من تصويت الأكثرية، لأن جميع هذه المبادئ معطاة ومحددة من الله وعلى كلي الإكليروس والعلمانيين أن يقبلوها بطاعة واتضاع.

2.        الفكرة الخاطئة عن الإكليروسية كسلطة مطلقة التي لأجلها لا يعطي الكاهن تفسيراً لسلوكه. في الحقيقة، يجب أن يكون الكاهن في الكنيسة الأرثوذكسية على استعداد لشرح رأيه وقراره أو عرضه للأمور لكي يُثبت صحتها وليس فقط “رسمياً” بالإشارة إلى قانون أو قاعدة، ولكن روحياً كحقيقة مخلِّصة ووفقاً لمشيئة الله. لأنه من جديد، إذا كنا جميعاً، علمانيون وإكليروس، خاضعين لله، فهذه الطاعة طوعية وتتطلب قبولنا الطوعي: “لا أعود أسمّيكم عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يعلم سيده. لكن قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي” (يوحنا15:15) و”تعرفون الحق والحق يحرركم” (يوحنا32:8). في الكنيسة الأرثوذكسية، حفظ الحقيقة وخير الكنيسة والعمل البشاري والإحسان وغيرها، هذه جميعها هي الهاجس المشترك للكنيسة قاطبة وجميع المسيحيين هم بالتعاون مسؤولون عن حياة الكنيسة. لا بالطاعة العمياء ولا بالديموقراطية بل بالقبول الطوعي والمبهِج لما هو حقيقي ونبيل وبنّاء ومجلِب للحب الإلهي والخلاص.

3.         الفكرة الخاطئة لملكية الكنيسة. “إنها كنيستنا لأنها اشتريناها أو شيدناها…”. لا، إنها ليست أبداً كنيستنا لأننا كرسناها لله، أي أعطيناها له. الكنيسة ليست ملكاً للإكليروس أو العلمانيين، كونها بالفعل ملكية مقدسة لله نفسه. إنه هو المالك الحقيقي. وإذا كنا نستطيع أن نتخذ قرارات تخص هذه الملكية، ويجب علينا هذا، يجب أن تنسجم هذه القرارات مع مشيئة الله. وهنا من جديد، إن على كلي الإكليروس والعلمانيين أن يتحلّوا بالمبادرة والمَسؤولية لمعرفة مشيئة الله. الأمر ذاته ينطبق على مال الكنيسة وبيوتها وكل ممتلكاتها.

4.        راتب الكاهن هو أيضاً فكرة خاطئة. “نحن ندفع له…”. لا يمكن أن يُوفى الكاهن بدل عمله لأنه لا أحد يستطيع أن يشتري النعمة أو الخلاص. عمل الكاهن هو أن ينقل النعمة وأن يعمل من أجل خلاص الإنسان. إن المال الذي يتقاضاه في الكنيسة، أي من شعب الله وليس “منا” (المستخدمين والمُستخدَم)، قد خُصص له من أجل جعله متفرغاً لعمل الله. وهو أيضاً كونه عضواً في الكنيسة لا يستطيع أن يكون رجلاً “أجيراً” بل مشتركاً مسؤولاً في القرارات التي تخص الاستعمال الأفضل لمال الكنيسة.

5.        التعارض الخاطئ بين النطاقين الروحي والمادي في الكنيسة. “ليهتم الكاهن بالروحانيات ونحن، العلمانيون، سنهتم بالأمور المادية”. نحن نؤمن بتجسد ابن الله. لقد جعل نفسه جسداً حتى يؤلّه الطبيعة المادية بكاملها، ليجعل كل الأشياء ذات معنى روحي ومتصلة بالله. كل ما نفعله في الكنيسة هو دائماً روحي ومادي. نحن نبني كنيسة مادية لكن الهدف روحي. كيف يمكن فصل أحدهما عن الآخر؟ نحن نجمع المال، ولكن حتى نستعمله من أجل المسيح. نحن نقيم مأدبة ولكن إذا كانت بالمطلق ذات علاقة بالكنيسة، فإن هدفها –مهما يكن- هو أيضاً روحي. لا يُمكن أن يُجرَّد من الإيمان والرجاء والمحبة التي بها توجد الكنيسة. هكذا، من غير الأرثوذكسي أن نعارض الروحي مع المادي ونعتقد أنه من الممكن فصلهما. في كل ما يتعلق بالكنيسة، يوجد حاجة دائمة إلى مشاركة كلي الإكليروس والعلمانيين وإلى عمل كل شعب الله.

الخاتمة

في الماضي ارتكب الطرفان العديد من الأخطاء فدعونا ننساها. بالأحرى دعونا نحاول أن نجد حقيقة الكنيسة ونجعلها خاصتنا. إنها بسيطة ورائعة وبنّاءة. إنها تحررنا من جميع المخاوف والمرارة والرباطات. وسنعمل معاً في وحدة الإيمان والمحبة من أجل كمال ملكوت الله.

لتكن مشيئتك لا مشيئتنا.

Leave a Reply