الشهيد جبرائيل (جبرا) نصير1 U 1918 م

الشهيد جبرائيل (جبرا) نصير1

U 1918 م

هو من بلدة “الحفّة”، مركز قضاء “الحفّة” في محافظة اللاذقية السورية. ذهب، مرة، واثنين من رفاقه في تجارة باتجاه “جسر الشاغور”2.كان رفيقاه مسيحيين. وقد صحبهم سائس مسلم. فتصدى لهم في الطريق رجال مسلّحون وصرخوا في وجوههم: “أسلموا تسلَموا!”3. فاللذان كانا معه شهرا إسلامهما للحال، وكان منهما واحد من قرية “شتيغو” التي تبعد حوالي خمسة كيلومترات عن الحفّة، ولعله من آل بدر أو القدسية. وأما جبرائيل المعروف بـ “جبرا” فأبى أن يشهر إسلامه وتمسّك بإيمانه المسيحي. فهدّده المسلّحون فلم يأبه لهم. فانهالوا عليه ضرباً بأعقاب البنادق فلم يستسلم. عبارة واحدة بقي يتفوّه بها: “أنا مسيحي!”. فازداد ضاربوه حنقاً وعنفاً عليه حتى اسودّ بدنه كله وسال دمه. ولما لم يعد يقوى على التفوه بكلمة واحدة جعل سبّابة يده اليمنى فوق سبّابة يده اليسرى بشكل صليب ورفعهما الى فمه وقبلّهما. وإذ استمرّ جلاّدوه يضربونه بلا هوادة خارت قواه وسقط مغمى عليه. فظنّوه قد مات، فتركوه وانصرفوا.

ثم ان السائس الذي عاين ما حدث وسمع ما قيل، وكان صالحاً أميناً، فقد عاد الى “الحفّة” وخبّر. فخرج نسيم حنا الياس، ابن أخت الشهيد، الى بعض أصحابه المسلمين مستجيراً فأجاروه ورافقوه الى حيث وقعت الحادثة. فلما بلغوا الموضع أخذوا الشهيد على بغل فربطوه وعادوا الى البلدة. وإذ وصلوا به الى هناك استعاد وعيه لكنه لم يستطع ان يكلّم أحداً بكلمة. فقط أشار الى أقربائه بما فهموا منه انه يريد ان يتناول جسد الرب ودمه. فجيء بالقدسات للحال وناوله الكاهن اياها بعدما جعلته أخته المدعوّة أفروسيني نصير الياس على صدرها. فلما أخذ القدسات تمّت شهادته وأسلم الروح.

هذا وقد دفن الشهيد عند مدخل كنيسة البلدة4 المسمّاة على اسم القدّيس، رئيس الملائكة، ميخائيل. صلاته تنفعنا، آمين.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      أفضت لنا بهذه المعلومات الأم أنطونينا، رئيسة دير سيدة كفتون التابع لأبرشية جبل لبنان، وهي ابنة نسيم حنا الياس الذي اهتمّ بإعادة الشهيد الى البلدة. وتقول الأم أنطونينا ان هذه هي القصّة التي سمعتها منذ الطفولية وما زال العديدون في بلدة الحفّة يردّدونها الى اليوم. على ان تقصياً للمعلومات بين من حفظوا الخبر، لا سيما المسنّين منهم، ربما ساعد في الكشف عن المزيد المفيد منها، كالتاريخ المحدّد الذي قضى فيه الشهيد مثلاً.

(2)      ناحية جسر الشاغور كانت، قديماً، احدى أبرشيات سورية الثانية وكانت تعرف باسم  Seleucobelos. أقدم أساقفتها المذكورين في كتب التاريخ  Aristonicus الذي اشترك في مجمع انطاكية (363م) ومرقيانوس الذي اشترك في مجمع القسطنطينية (المجمع المسكوني الثاني 381م). ومن أساقفتها، أيضاً، كيرياكوس الذي عاش في أيام الامبراطور يوستنيانوس (القرن 6)، والذي اشترك في رفع عريضة ضد ساويروس الانطاكي، جنباً الى جنب مع بولس افاميا وسويريانوس عرطوز واستفانوس شيزر (Larissa) وسرجيوس حماه وسواهم (أنظر Devresse, R.  في Le Patriarchat d’Antioche p. 74, 183).

(3)      هذا التعبير قد وجدناه شائعاً بين الناس وكأن حوادث عديدة ردّدت الذاكرة الشعبية صداها كانت تقع، هنا وثمة، بيد جماعات ظنّت ان في تصرفها غيرة على الإسلام أو استغلته لمآرب شخصية.

(4)      من المؤسف ان أبناء البلدة جهلوا في الماضي قيمة رفات الشهيد. فلما أرادوا توسيع الكنيسة قاموا بجرف الرفات مع الاتربة من أمام الكنيسة دونما تمييز، وألقوا بها بعيداً. ترى إذا استطلع المرء الأمر أيكون بإمكانه ان يتعرف الى ما ينفعه في هذا الشأن؟ لسنا نعلم! نعلم فقط ان هذه عينة من الجهل والإهمال واللامبالاة التي خلفتها قرون من القهر والتغريب. أترانا ندوس رفات القدّيسين، أحيانا، ولا نعلم؟ ليس هذا ببعيد ولا بمستغرب! فإنه ينسب الى الأب القدّيس بائيسيوس الآثوسي (U 12 تموز 1994) انه فيما كان في رحلة بالطائرة، مرة، ارتجّت نفسه فجأة فسأل: أين نحن؟ فقيل له: فوق البلاد السورية. فأجاب: هذه أرض ملأى برفات القدّيسين!.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

Leave a Reply