سرالمعمودية

سرالمعمودية

الأب جورج يوسف

مقدمة

الأسرار كما يقول نيقولا كاباسيلاس، هي بمثابة أبواب السماء، التي بها يُدخِل المسيح المؤمنين إلى ملكوته. إنها أبواب الفردوس التي أُقفِلَت في وجه آدم، وقد فتحها المسيح من جديد أمامنا لتكون لنا الحياة.

الباب الاول من هذه الأسرار هو سر المعمودية الذي يتم بالتغطيس الثلاثي وباستدعاء الثالوث القدوس. فهذا السر هو قاعدة الحياة المسيحية والمدخل إليها وبالتالي هو بداية للحياة في المسيح وشرط لا بد منه للحصول على الخلاص الأبدي. لهذا، منذ نشأة المسيحية حتى الآن يُمنَح سرّ المعمودية للإنسان قبل سائر الأسرار في الكنيسة. ومَن لم يَنَل سرَّ المعمودية لا يمكنه أن يشترك في سائر الأسرار الكنسية، لأنه إن كانت الأسرار هي التي تحقّق الكنيسة جسداً للمسيح لا يمكن للإنسان أن يشترك في هذه الأسرار ما لم ينتمِ إلى عضوية هذا الجسد بواسطة النعمة المعطاة له بالمعمودية.
المعمودية إذًا سرّ حقيقي يحصل في المعتمد بعمل التغطيس المنظور وفعل الروح القدس غير المنظور تطهيراً وتقديساً غير منظورَين. ولكن على الرغم من أنّها سرّ حقيقي لكنها لا تتحقّق إلا بقدر ما تُعاش. هي تُعاش كبداية للحياة في المسيح، كإشراق لخليقة جديدة، كولادة من فوق، كمسيرة نحو النور، كخلاص من العبودية، كتجنّد ضد الشياطين، وكهدم للجحيم.

تأسيس سر المعمودية:

” وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا ”

في قانون الإيمان النيقاوي¬¬- القسطنطيني، أعلن الآباء إيمان الكنيسة بمعمودية تمنح مرة واحدة لمغفرة الخطايا. الربّ يسوع هو الذي أسّس هذا السر وأوصى به عندما أرسل تلاميذه بعد قيامته لنقل بشرى الخلاص قائلا:” اذهبوا وتلمذوا كل الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. ” (متى19:28) ومؤكدا لهم أنّ” كل من آمن وأعتمد يخلص” (مر16:16) وقد أعطى هذا السر ملء النعمة يوم العنصرة (أع 1:2-4 و6:19)، ومنذ ذلك الحين نرى في أعمال الرسل بأن المؤمنين بالبشارة الجديدة كانوا ينضمون إلى الكنيسة بالمعمودية، أما الرسل فكانوا يعمدونهم ويختارون خلفاء لهم لكي يتمموا وصية الرب حتى منتهى الدهر. (أع 41:2، 8: 12-13، 38، 18:19، 15:16، 8:18، 5:19 و1 كور1 : 14-16).
وصية يسوع بالمعمودية أعلنت قبل صعوده بقليل، لكن المعمودية تتأصل في موته اذ إن رمزها أعطي بالماء الذي خرج من جنبه وهو على الصليب، فالماء هو رمز المعمودية والدم هو رمز القرابين الإلهية وبكليهما ولدت الكنيسة.
وهكذا فإن المسيح قد خلق الكنيسة من جنبه كما أنه خلق حواء من جنب آدم. إذاً سر المعمودية منذ الايام الاولى للكنيسة هو السر الضروري للخلاص، به ينضم المؤمن إلى الكنيسة ويتحد بالتالي مع المسيح.
اشتراك في موت المسيح وقيامته (رو6: 3-5، كول2: 12).
تطهير من الخطايا (1 كور6: 11).
ولادة جديدة (يو3: 5- تي 3: 5).
استنارة بالمسيح (أف 5: 14) ولباس له (غلا3: 27).
تجديد بالروح القدس (تي 3: 5).
خبرة الخلاص من الطوفان (1بط3: 20-21).
خروج من العبودية (1كور10: 1-2).
تحرر نحو طبيعة انسانية تتجاوز عوائق الانقسام في الجنس أو العرق أو الوضع الاجتماعي (غلا3: 27-28، 1كور12 : 13).

معاني سر المعمودية:

المعمودية هي علامة الحياة الجديدة في يسوع المسيح، فهي توحد المُعمَّد به بالمسيح وبشعبه. هناك صور مختلفة تعبر عن غنى المسيح وعن عطايا خلاصه. المعمودية هي:

اشتراك في موت المسيح وقيامته (رو6: 3-5، كول2: 12).
تطهير من الخطايا (1 كور6: 11).
ولادة جديدة (يو3: 5- تي 3: 5).
استنارة بالمسيح (أف 5: 14) ولباس له (غلا3: 27).
تجديد بالروح القدس (تي 3: 5).
خبرة الخلاص من الطوفان (1بط3: 20-21).
خروج من العبودية (1كور10: 1-2).
تحرر نحو طبيعة انسانية تتجاوز عوائق الانقسام في الجنس أو العرق أو الوضع الاجتماعي (غلا3: 27-28، 1كور12 : 13).

1-المعمودية هي اشتراك في موت المسيح وقيامته:

ان المسيح بتجسده ضم الطبيعة البشرية للالهية بدون انفصال وبفدائه لنا على الصليب طوعا الغى خطيئة العصيان وبقيامته غلب الموت. فبنعمة ذبيحة الصليب هذه وبقوة القيامة يتم الخلاص للإنسان المعتمد ليسوع المسيح. حسب القديس بولس (رو6: 3-11) عندما نعتمد نعتمد لموت يسوع وقيامته. إذاً نحن نموت، لكن أي موت هو المقصود، ونحيا لكن أية حياة هي المقصودة؟ موت المعتمد هو انه يموت عما في كيانه من جذور موت تتشابك مع ما فيه من جذور حياة، ينزل مع المسيح إلى أعماق الموت ليلاقي في الجحيم الإله المصلوب الذي لا يدين أحدا بل يخلص من يؤمن به فيقوم معه.

إن هذا الموت الذي يشبه موت المسيح هو بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم:”الإماتة المتواصلة للإنسان العتيق، وهكذا يصبح الإنسان في القيامة”. المعمودية بالتغطيس هي العلامة الحسية لما تعنيه المعمودية، التغطيس في الماء هو علامة لدفن المعتمد مع المسيح ورمز الموت، موت الإنسان القديم والانتشال منه، رمز الحياة والقيامة. فالتغطيس الثلاثي صورة الدفن الثلاثي والنزول إلى الجحيم، والانتشال من الماء هو العودة إلى اليوم الذي لا يغرب، يوم قيامة المسيح. إذاً، هناك غايتان للمعمودية:
-إبطال جسد الخطيئة لئلا يثمر الموت.
-بعث الحياة بالروح ليكون الثمر للقداسة.

2- الاهتداء والغفران والتطهير:

القضية في المعمودية ليست قضية محو خطيئة. هي ليست أن ثمة دينا مكتوبا علينا يمحى فنصبح بلا دين، بلا خطيئة جدية.

مفعول المعمودية هو أنها تزيل عن المؤمنين موت الخطيئة التي ورثوها عن الأبوين الأولين.
الوجود الإنساني الحقيقي يكمن في علاقة الإنسان وشركته مع الوجود الحقيقي (أي الله) وسقوط البشرية بشخص آدم أي قطع الصلة والشركة إنما هي تغرب الإنسان عن وجوده الحقيقي والحياة. فعرف الإنسان بذلك انفصام الشخصية والفساد والموت. إن ما ورثته البشرية من آدم وحواء ليست حالة خطيئة وذنب بل حالة موت وحالة الموت هذه تعرضهم للخطيئة فهي عمل الإرادة الحرة. بخطيئة آدم اندس في الإنسان الموت الروحي وكل نتائجه من موت الجسد والفساد والانحلال والبلى والميل إلى الخطيئة. وبدخول الخطيئة إلى العالم ورثنا طبيعة آدم الساقطة. إن الإنسان بولادته الطبيعية يرث من آدم نوع حياة ناقصة مستعبدة للموت خاطئة لا محالة مستعبدة لرئيس هذا العالم. إن هذه الحالة الساقطة تقابلها الحياة في المسيح التي هي الحياة الإنسانية الحقيقية الطبيعية. إذاً المعمودية تتضمن تطهيراً للجسد واهتداءً للقلب بعد تحرره من سلطة الشيطان فيصبح المعمد مقدساً بالمسيح.
المعمودية تزيل من الإنسان الموت الروحي وكل ما تراكم بنتيجته من خطايا وتحيي النفس بالإيمان والرجاء والمحبة وتهب الإنسان عطايا التبني ونعمه.
يطرح السؤال التالي: إذا كان الشيطان قد خرج من قلب الإنسان ولن يعود إليه البتة وإذا كان المسيح نفسه أصبح حياً في داخله، فكيف يخطئ الإنسان بعد المعمودية إذاً؟
يقول آباء الكنيسة أن الشيطان يخرج من الإنسان بالمعمودية لكنه يستمر في تجربته من الخارج بواسطة الحواس التي تولد الأهواء. ولذا تدعو الكنيسة في سر المعمودية أن يثبت الرب المستنير الجديد في الإيمان القويم وان يحفظه من الشرير ومن جميع حبائل الشيطان وأن يجعله مناضلا لا يغلب في حربه ضد قوات العدو الخبيث.

3- عطية الروح:

إن يسوع يوم اعتماده رأى روح الله ينزل عليه وقد وعد تلاميذه قبل صعوده إلى السماء بأنهم سيعمدون هم أيضاً بالروح القدس ( أع 1: 4-5 و2 : 16-33). إن حلول الروح القدس ملازم للمعمودية باسم يسوع المسيح بحيث أن كل من يعتمد باسم يسوع ينال الروح القدس كما ناله الرسل يوم العنصرة.

في إنجيل يوحنا 3: 3-7 جرى حوار بين يسوع ونيقوديموس عن الولادة من فوق. فالولادة العلوية التي يتكلم عنها المسيح هي “غسل الميلاد الثاني والتجديد الآتي من الروح القدس” (تي3 : 5) أي نيل الروح القدس بالمعمودية التي تتم على اسم الثالوث الأقدس. بعطية الروح هذه نولد ثانية، هذه الولادة الثانية ليست من لحم ودم كما ظن نيقوديموس ولا من مشيئة رجل بل من الله إذ إن الله أعطانا أن نصير أولاده (يو1: 12-13) بالتبني (افس1: 5) ومذ ذاك صار بمقدورنا أن ندعو الله كما يدعوه المسيح “آبّا أيها الآب” وبالتالي لم نعد غرباء بل أصبحنا من أهل بيت الله (افس2: 19) ووارثين مع المسيح (رو8 : 15-17، غلا4: 5-7)
مفعول الروح القدس المؤله مزدوج في حياة المؤمن فمن ناحية يعطي القوة للمؤمن لكي يصد بها هجمات الأعداء غير المنظورين ومن ناحية أخرى يمنح النور للمعتمد الذي به سيعاين النور “أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي تدعوا” ويدعى هذا الفعل استنارة إذ به يرى النور المقدس الخلاصي أي أننا نشخص به إلى اللاهوت. وهكذا تصبح نعمة الروح القدس بالمعمودية هي علة تجلي الإنسان الداخلي الذي دعي لأنه يسعى متنقلاً من مجد إلى مجد.

4- الاندماج في جسد المسيح :

إن المعتمد، عندما يتحد مع المسيح ويشاركه حياته وموته وقيامته، ينضم إلى جسده ويصبح في شركة مع أعضاء هذا الجسد الذي هو الكنيسة. أنه يصبح بالمعمودية حجراً من البناء حجر الزاوية فيه هو يسوع. وهكذا فإن المعتمد يخص المسيح بعد معموديته، لأنه حيث يكون الرأس تكون الأعضاء أيضاً.

اذاً المعمودية هي الباب الذي ندخل به إلى الكنيسة التي تحتضننا لأن الكنيسة هي أم لأولاد الله وهي تنجبهم بواسطة المعمودية.
أمنا الكنيسة التي هي عروس الله، كانت ممثلة بالعهد القديم بشعب الله المختار، لكن الانضمام إلى هذا الشعب كان يتمّ عبر الختان. وبالتالي المعمودية هي بالنسبة إلى شعب الله الجديد (أي الكنيسة)، ما كان الختان بالنسبة إلى شعب العهد القديم. فبالختان كان اليهودي ينضمّ إلى شعب الله ويدخل العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم (تك17/1—14). كان الختان علامة العهد القديم. لذلك كان علامة مؤقتة عليه أن يزول ويفقد معناه كعلامة عهد بمجيء المسيح. لا سيما أنه كان محصوراً ًبشعبٍ معين، في حين جاء المسيح ليجمع كل الأمم في شعب واحد وجسد واحد.
من هنا أصبحت المعمودية في العهد الجديد، كما كان الختان في العهد القديم علامة الإنتماء إلى شعب الله، أي الشعب الذي أقامها الله في الكنيسة بالكهنوت المقدس.

Leave a comment