الأرشمندريت المتوحّد اسحق (عطالله) الآثوسي

الأرشمندريت المتوحّد اسحق (عطالله) الآثوسي

† سيرته قيد الإعداد

† الجناز الذي أقيم للذكرى الخامسة لرقاده

بدعوة من حركة الشبيبة الأرثوذكسية (مركز طرابلس – فرع كوسبا) أقيم نهار الأربعاء الواقع في 16/7/2003 صلاة الغروب تليها خدمة التريصاجيون لراحة نفس الأب اسحق في كنيسة القديسَين سرجيوس وباخوس (كوسبا).

شارك في الخدمة الأسقف ستيفانوس حداد، وعدد من رؤساء ورئسات الأديار وآباء الرعايا في المنطقة وحشد من المؤمنين الذين قدموا من الرعايا المختلفة.

وقد وزّع القمح المسلوق وصورة للأب اسحق على جميع الحاضرين.

بعد الصلاة، توجّه الجميع إلى صالون الكنيسة حيث كانت كلمة لفرع كوسبا في حركة الشبيبة الأرثوذكسية ألقاها الدكتور شاكر جريج، ثم قرأ الأب أفرام كرياكوس الكلمة الواردة على هذه الصفحة. آخر الكلمات كانت شهادة حياة قدّمها الأرشمندريت بندلايمون فرح.

الآباء في الجناز

المشاركون في الندوة

الأرشمندريت أفرام كرياكوس يلقي كلمته

الأرشمندريت بندلايمون يقدم شهادته

† كلمة الأرشمندريت أفرام كرياكوس رئيس دير الملاك ميخائيل – بقعاتا

سيّدي، آبائي، إخوتي الأحباء

عرفته في البدايات في جبل حماطوره، يدفعني إلى البريّة، إلى الصحراء التي تذكّر بالله، بآباء البريّة. تذكّر أنه باطل كل ما في العالم. تعطي سلاماً هكذا بعيداً عن العالم وصخبه. ومع السلام هناك فرح وهدوء وبساطة في العيش. كل ذلك كان يتسرّب في نفسي ىنذاك دون أن أعرف.

كنّا نأتي إلى كوسبا حيث ابراهيم فرح ومن هناك نصعد إلى حماطوره كما إلى جبل ثابور.

مرة فيما كنا في دير مار جرجس، قال لي الأب داود: لنذهب ونزور السيدة فنزلنا مشياً على الأقدام، هو بخطى ثابتة كالغزال في البرية، وأنا تابع. أنا الآتي من المدينة وهو من الصحراء من العلى. ولماذا كل هذا النسك؟ هذه الحياة الغريبة عن حياة البشر؟

هذا كله لتذوق حلاوة الرب، لتذوق الحرية في المسيح.

† † †

كان الأب اسحق قاسياً، قاسياً على نفسه. لكنه خلال الجلسات الشخصية في قلايته في كابسالا في الجبل المقدس، كان يكشف عن نعومة قلبه، عن عطفه الأبوي، عاطفة الأم على أولادها.

الشواذ أو الهرطقة هذا كان يقلقه جداً، كان يغيظه فينتفض. كان يعتز بأرثوذكسيته. قلتها مرة للشيخ باييسيوس بعد خطيئة وقعت فيها قلايته حين أحزنته، قلت: هو أكثر ملكية من الملك Plus royaliste que le roi. نعم، هو أرثوذكسي حتى المخاخ. نحن نعيش أرثوذكسية مائعة، نخجل من إيماننا. هو كان يفتخر بإيمانه.

كنتً أتحفظ منه. صرامته لم تنسجم مع ميوعتي. ومع ذلك، كل مرة أزور فيها الجبل المقدس، جبل أثوس، أقصده أولاً، أتحادث معه. يرشدني في كل شيء. اسأله يجيبني. حتى اليوم وفي كل سنة أعبر إلى قلايته. أمضي بضعة أيام، استرجع فيها قواي. هو الذي قادني لأول مرة إلى الجبل المقدس. كنّا في سالونيك طلاباً في اللاهوت، آخر السنة الدراسية 1976. كنتُ مريضاً في المعدة. ذهب الطلاب في رحلة وبقيتُ وحدي معه فأصرّ علي بمثابة دواء شافٍ أن أرافقه إلى دير ستافرونيكيتا إلى الجبل. قضيتُ حوالي الأسبوع في غرفة هادئة تطل على البحر أسمع الأمواج تضرب صخرة الدير باستمرار. الصورة مع أصوات الناقوس الخشبي وأصوات هيجان البحر لا تفارقني حتى اليوم. نمتُ واسترحتً طويلاً، والراهب بروذروموس المسؤول عن المطبخ (مايراس) كان يطبخ لي طعاماً خاصاً مع شوربا لتريح معدتي. عناية متواصلة، محبة لا تطلب شيئاً لذاتها. والأب اسحق كان يريد أن يستريح هو أيضاً، بعد سنة دراسية متعبة، إذ كان مسؤولاً عنّا.

† † †

شيئاً فشيئاً، اكتشفتُ السر، سر هذا الشخص الغريب. سر هذه الحياة الهدوئية. هذا عندما قادني مرةً إلى أبيه الروحي، إلى الشيخ باييسيوس. أذكر أني بعد اللقاء كتبتُ رسالةً إلى المطران جورج خضر قلتُ فيها أن الأب باييسيوس يشبه فقيراً مستعطياً، لكننا أنا والأب اسحق أمامه كنا كالأطفال يسمعان هذا الشيخ يتكلّم بلهجة شعبية لم أكن لأِفهم إلى القليل منها والأب اسحق يترجم. لماذا أحبني توّاً هذا الشيخ العجيب ولم يعرفني من قبلُ؟ هذا الوصال المفاجئ لا أعرف كيف تم! شيء كان يجذبني إلى تلك الحياة منذ الطفولة.

سألني الأب باييسيوس ماذا كنتُ أعمل؟ قلتُ له في الهندسة. قال: هذا سوف يساعدك كثيراً في الحياة الروحية وبطريقة غير مباشرة. وبعدما عبّرت عن رغبتي في اختبار الحياة الرهبانية، قال للأب اسحق: اذهبْ معه، خذه بيدك واعملا جولة على الأديار والمناسك الرئيسية في الجبل أسبوعاً كاملاً ومشياً على الأقدام كما فعلتُ معك لأول مرة. وهكذا كان إذ عرّفني الأب اسحق على الأديار والرهبان والقلالي والنسّاك فأضحى هذا الأسبوع من أجمل أيام حياتي.

نعم، كان الأب اسحق جسراً لي وللكثيرين إلى الجبل المقدس. له الفضل الكبير وتدبير إلهي لا أنساه. كان يردد باستمرار “أنا هنا من أجلكم. أنا هنا في الجبل المقدس، في جبل أثوس، من أجل أنطاكية”. هو يذكّرنا بالنساك الأنطاكيين القدماء. لقد أحيا في شخصه التقليد المقدس. بلحمه وبعظامه حقق شعار آباء البرية: “أعطِ دماً وخذ روحاً”، فكيف ننساه؟

والأجمل والأحلى لأنه تبع أباه باييسيوس حتى النهاية، أعني حتى فراق الموت. الأب الروحي يشارك آلام الآخرين في اعترافاتهم وفي حياتهم. قال لي مرة الأب اسحق: “إن الأب باييسيوس لكثرة ما تألّم وصلّى من أجل الذين يعانون من مرض السرطان، صلّى إلى الله ليعطيه مثل هذه الآلام. وقد حصل على طلبه إذ صابر على آلام السرطان بنفسه حتى الموت دون تذمر بل مع شكر بشهادة مَن عاينوه في آخر حياته على الأرض”.

هذا بالنسبة للأب باييسيوس، أمّا بالنسبة للأب اسحق، فقد كابد أيضاً الآلام والمرض على غرار الشهداء، حتى آخر لحظة وبدون تذمر. يشهد على ذلك الكثيرون، منهم أخوه الذي زاره مرّة وهو على فراش المرض، فقال له: “لا تبكِ عليّ، أنا في سلام وفرح داخلي. انتبه فقط لنفسك وصلِّ”.

† † †

هو جاثٍ الآن تحت التراب ولكنه بالحقيقة في السماء، قالها رئيس دير غريغوريو. إنه يستريح ويصلي من أجلنا. وقد زرته مرة منذ سنة وأعطاني هدية على قبره. صليتُ من كل قلبي فأهداني في يدي بخوراً عطراً، قدّمتُه لزوّار قلاّيته ولم أحتفظ إلاّ بالعطر الزكي.

أشكر الله على الذي جمعنا اليوم لذكره، وكل مَن هيأ هذا اللقاء عندنا منه ذكر طيب.

صلاته تكون معنا على الدوام. آمين.

Leave a Reply