الميتروبوليت أرسانيوس حداد

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد

ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية


إعداد: ميلاد جبارة – فادي بشور


نتابع اليوم ما بدأناه في مشوارنا مع آباء الكرسي الأنطاكي في النصف الأول من القرن العشرين، فسنتحدث عن سيادة المطران أرسانيوس حداد راعي أبرشية اللاذقية، وبطريرك أنطاكي منتخب، آملين أن تسهم هذه السيرة في المساهمة في نهضة الكرسي ووجود أناس ساعين إلى تكريس ذواتهم للرب الإله. (المعدان)



ولد سيادة المطران أرسانيوس (أسعد حداد) في قرية عبي منطقة الشحار الغربي في قضاء بحمدون، وهو ابن عم البطريرك غريغوريوس الرابع حداد.

خدمته الكهنوتية

كان شماساً إنجيلياً في خدمة المطران غفرائيل شاتيلا راعي أبرشية بيروت ولبنان، وسيم كاهناً يوم عيد الميلاد من السنة 1898 وأرشمندريتاً في 30 كانون الأول من السنة ذاتها، ورفع إلى درجة الأسقفية في 2 كانون الثاني من العام في 1899 في احتفال كنسي ضخم ترأسه غبطة البطريرك ملاتيوس الثاني بمشاركة السادة المطارنة: نيقوديموس (عكار)، غريغوريوس (حماة)، غريغوريوس (طرابلس)، أثناسيوس (أداسيس). وخطب المطران الجديد متوجهاً إلى البطريرك معلناً أنه يدرك عدم كفاءته البشرية للعمل المنوط به لكنه يتقوى بالسيد له المجد وسيحاول إتمام واجباته على أحسن وجه ويطلب أن يساعده الشعب بالصلوات ليحافظ على الآثار التي خلفها غبطته في كرسي اللاذقية واختتم خطابه بالشكر للدولة العثمانية وبالدعاء للسلطان العثماني فرد غبطة البطريرك بالشكر على ما أبداه نحوه من محبة وشغف للعمل في حقل الرب.

في اللاذقية

يعرف عن المطران أرسانيوس أنه الوحيد الذي رافقه البطريرك ملاتيوس الثاني ليسلمه أبرشيته، وكان مهتماً بحل خلافات نشبت في اللاذقية بين آل مرقس وآل كومين وكان البطريرك ملاتيوس منحازاً لآل كومين عندما كان مطراناً على اللاذقية فاستولى آل مرقس على كنيسة مار جرجس وأصلحوها فهي كانت خربة واستقدموا كاهناً عليها ورفعوا الرئاسة للبطريرك اليوناني احتجاجاً على تصرف مطرانهم. ومن آثار تفاقم هذه المشكلة تشكيل حارتين في اللاذقية عرفتا بالعامية بالحارة الفوقانية (وهي المنطقة الممتدة من القلعة شمالاً وحتى شارع القوتلي جنوباً) والحارة التحتانية (وهي الممتدة من شارع القوتلي وحتى منزل آل سعادة وآل نصري قرب كنيسة مار ميخائيل حالياُ). فكان من أوائل مهام الميتروبوليت أرسانيوس هي وضع حد للخلافات بينهما فبعيد وصوله مع البطريرك ملاتيوس إلى مرفأ اللاذقية ذهب إلى منزل حبيب مرقس فقال صاحب هذا البيت: “اليوم صار الخلاص لأهل هذا البيت” وتم الصلح. ثم ذهب إلى كاتدرائية القديس نيقولاوس وأقيمت صلاة الشكر. وقام المطران الجديد بشراء البيوت المجاورة لكنيسة مار جرجس وسورها تمهيداً لترميمها مع الكنيسة. وجددت في عهده كنيسة مار سابا في اللاذقية حيث تبرع آل نصري بمبلغ500 ليرة ذهبية

وفي أول وصوله تم انتخاب مجلس ملي جديد، وألف محكمة روحية للنظر في جميع القضايا الدينية، وأسس جمعية باكورة الإحسان لمساعدة الفقيرات، ولما كان شماساً في بيروت أسس مجلة المنار وتابع مهمته هذه لما صار ميتروبوليتاً على اللاذقية، عرف عنه أنه كان يقوم بعمله على أكمل وجه تجاه الأساقفة الآخرين، فكان أول الوافدين إلى مطرانية بيروت، لتهنئة المطران جراسيموس الميتروبوليت الجديد عليها، وشارك في انتخاب البطريرك غريغوريوس سنة 1906 وشارك في حفلة تنصيبه وعين قائمقاماً بطريركياً بعد وفاة البطريرك غريغوريوس

صفاته

بالرغم من أنه لم يكن متعلماً إلا أنه كان أرثوذكسياً لا غش فيه، أدار الأبرشية بحنكة لم يكن لها مثيل يحب الشباب ويجمعهم لكي يروي لهم سير القديسين. وكان حافظاً جميع الخدم الطقسية وكان يصحح كل أخطاء كهنته التيبيكونية دون الرجوع إلى نصوص مكتوبة. جعل من مطرانيته ديراً للرهبان، فعاش معه أربعة أرشمندريتية هم: الأرشمندريت نيفن سابا، الأرشمندريت تريفن غريب، الأرشمندريت جبرائيل دميان، الأرشمندريت ألكسندروس جحا. والكاهن ميخائيل خلوف. وأرسلهم إلى معاهد اللاهوت فقد أرسل الأرشمندريت تريفن (الذي صار مطراناً على اللاذقية) إلى معهد خالكي، والأرشمندريت جبرائيل (الذي صار مطراناً على اللاذقية أيضاً) إلى كييف، والأرشمندريت ألكسندروس (الذي صار مطراناً على حمص) والأب ميخائيل إلى موسكو، وأما الأرشمندريت نيفن إذ لم يكن متعلماً كفاية بقي معه في دار المطرانية. وكان مهتماً بالوعظ لدرجة أنه كان يستقدم الأرشمندريت فوتيوس خوري واعظ الكرسي الأنطاكي آنذاك (لاحقاً مطران بغداد والكويت) لإلقاء محاضرات روحية خلال فترة الصوم الكبير. كان محبوباً من الأوساط الإسلامية وكان شيوخها يزورونه في دار المطرانية وبشكل خاص شيخ الطائفة المولوية.

أمور تذكر

كان خلال الانتخابات النيابية، يغادر مدينة اللاذقية مركز الميتروبوليتية ليبتعد عن الأجواء الانتخابية ويطلب من الوجيهين اسحق نصري ووديع سعادة ألا يتصلا به إلا بعد انتهاء الانتخابات فيزور بيت الفائز ليهنئه وبيت الخاسر أيضاً. فرز الشماس فوتيوس ياسمين للاهتمام بالتعليم الديني في مدرسة الروم للشباب وعين الأب ميخائيل خلوف مديراً لها ومن بعده الأرشمندريت جبرائيل دميان، واستقدم الراهبة ماريا من دير زهرة الإحسان في بيروت للتعليم في مدرسة الروم للبنات.

ببركته وإشرافه قام الشماس ثيوذوسيوس مطلق وهو فلسطيني الأصل بالتعاون مع الأب أيوب خوري كاهن قرية المزيرعة بإصدار كتب للتعليم الديني ينشرها المطران فور جهوزيتها، ومنها كتاب السواعي الصغير
من حبه للسلام وعدم رغبته بالذهاب لا إلى المحاكم الروحية ولا المدنية كان يحاول حل المشاكل التي تحدث بين أبناءه فكان يظهر قسوة مصطنعةً ويحكى أنه في مدينة اللاذقية كانت هناك عائلة (رباحية) وأحد أفرادها يدعى عبدو يملك فرساً يركبها لكي يتاجر ببعض الحاجيات خارج اللاذقية، فأخذ أحد أعيان الطائفة من آل (صابور) المتمتع بمقام كبير في الطائفة هذه الفرس ولم يردها إلى عبدو فذهب الأخير إلى المطران أرسانيوس وشكا الأول، فجلب المطران الوجيه ولما سأله عن فعلته، أجاب:” أدفع له ثمنها وأزيد لأني أريدها” فأمره بإعادتها فرفض وازداد عناداً فما كان من المطران أرسانيوس إلا أن أمر بجلده قائلاً: “لا يهمني من يكون” فرضح وأعاد الفرس لصاحبها
عرف عن المطران أرسانيوس أنه قضى العمر في مطرانية اللاذقية يصالح بين الأزواج فلم يعثر في سجلاته إلا على حالة طلاق واحدة لاستحالة العيش المشترك.
في عام 1924 إثر الأزمة الناشئة في أبرشية نيويورك الأنطاكية للروم الأرثوذكس، انتخب المجمع الأنطاكي المنعقد برئاسة غبطة البطريرك غريغوريوس الرابع، قدس الأرشمندريت فكتور (أبو عسلي) ميتروبوليتاً على الأبرشية، واتفق أن يرسل وفداً إلى الأبرشية لمصالحة الأنطاكيين الذين تخاصموا حول مرجعيتهم الروحية إلى ثلاث فرق، أنطاكية وروسية وأمريكية، فأرسل غبطته مطران حوران زخريا لكي يسيم المنتخب بدون علم المجمع فاتفق أرسانيوس (اللاذقية) وباسيليوس (عكار) وألكسندروس(طرابلس) على رفض العمل وأبرقوا لغبطته ولغبطة بطريرك أورشليم آنذاك دميانوس لكي يمنع السيامة حيث كان من المقرر أن يشترك مطرانان من الكنيسة الأورشليمية في السيامة ( القوانين المقدسة تحدد أنه لشرطونية الأسقف يجب وجود ثلاثة أساقفة على الأقل) ونشئت أزمة طويلة انتهت بأن خرج أرسانيوس منها بعد سيامة فكتور ومن ثم تصالح باسيليوس وألكسندروس مع غبطته طالبين بركته

انتخابه بطريركاً على أنطاكية والحوادث التي رافقته

لقد كان القانون البطريركي يعطي أصواتاً لعلمانيي مدينة دمشق عددها عشرة وصوت لكاهن عن مدينة دمشق وصوت لكل من الوكيلين البطريركين في دمشق وأنطاكية، ضماناً لفوز المطارنة الوطنيين بعد استعفاء البطريرك اسبيريدون آخر البطاركة اليونان

ولكن عدد الأصوات المعطاة للدمشقيين يفوق عدد مطارنة الكرسي الأنطاكي آنذاك فيتحكمون بمصير المرشحين إلى المنصب البطريركي فجرت عدة محاولات لتغيير القانون باءت بالفشل بسبب رفض الدمشقيين التنازل عن حقهم وفي المجمع الأخير حيث توفي البطريرك غريغوريوس الرابع في 1928 المنعقد في سوق الغرب انتخب المطارنة بالإجماع أرسانيوس قائمقاماً بطريركياً فأجرى عدة محاولات لتغيير رأي الدمشقيين ونجح في ذلك ولكن خلال الاجتماع الأخير معهم عادوا عن موقفهم ووقف إلى جانبهم المطرانان ألكسندروس (طحان) وثيوذوسيوس (صور وصيدا) طمعاً برضاهم، فلما دعا أرسانيوس إلى مجمع ترشيحي لترشيح 3 مطارنة أبى الدمشقيون المشاركة إن لم يكن المرشحون هم (ألكسندروس: المسجل عليه دعاوى قانونية من رعيته)، (وملاتيوس: مطران سابق لديار بكر ولا يحق له لا أن ينتخب ولا أن ينتخب لأنه لم يكن من المطارنة العاملين)،( وثيوذوسيوس) وهددوا المطارنة، فقام أكثرية المطارنة من دمشق إلى دير مار الياس شويا حيث عدلوا نظام الانتخابات. والتأم المجمع في 20/1/1930 في دير مار جرجس الحميراء في جلسة انتخابية بمشاركة: روفائيل (حلب)، إغناطيوس (حماة)، أبيفانيوس (حمص)، زخريا (حوران)، جراسيموس (بيروت)، باسيليوس (عكار)، فكتور أبو عسلي(أمريكا) والأرشمندريت بولس خوري ممثلاً المطران بولس (جبيل والبترون) وانتخب أرسانيوس بطريركاً في 24/1 وأبلغ العالم كله بالنبأ المفرح بأن فترة ترمل البطريركية الأنطاكية قد انتهت. ولكن المطارنة الثلاثة المتخلفين وهم ألكسندروس وثيوذوسيوس ونيفن (زحلة) قد انتخبوا ألكسندروس بطريركاً
عاد البطريرك أرسانيوس إلى اللاذقية ومشى من دار المطرانية إلى كنيسة مار سابا يتقدمه ثماني مطارنة وأربع أرشمندريتية وعدد من الشمامسة وفرق الكشاف وعناصر الجيش الفرنسي. واكتظت الشوارع بالمسيحيين والمسلمين وحضر الجنرال شيفر وحاكم الحكومة العلوية في اللاذقية فكان شيئاً لم تشهده اللاذقية من قبل.
ولكن الدمشقيين هددوا البطريرك أرسانيوس ومنعوه من دخول دمشق، فمنعاً لتفاقم المشكلة آثر البطريرك المنتخب أرسانيوس البقاء في اللاذقية. أرسل البطريرك المسكوني مندوباً عنه ليحاول حل المشكلات ففوضه البطريرك أرسانيوس للتوقيع باسمه على أي اتفاق مع المطران “البطريرك الثاني” ألكسندروس، ولكن أرسانيوس لم يكن يتقن اليونانية عكس ألكسندروس الذي كان يتقنها وقوي الحجة ومتعلماً فتأثر خريسنثوس المندوب بألكسندروس وآثره عوضاً عن أرسانيوس فوضع اتفاق بنص على أن أرسانيوس هو البطريرك وألكسندروس بطريرك سابق وله الوكالة الدائمة لأرسانيوس وفي حال استقالة أرسانيوس أو وفاته يصبح هو البطريرك دون أي انتخاب. والسلطة الفرنسية التي أرادت أن تساند الوطنيين فبعد أن ساندت أرسانيوس تراجعت ودعمت ألكسندروس لأنها رغبت في أن يكون البطريرك من دمشق، مركز التجمع الأول للوطنيين. تاريخ 30/4/1931 يصل إلى مسمع المجمع أن بطاركة القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم أرسلوا صكوك الاعتراف بألكسندروس بطريركاً شرعياً (وكانت هذه محاولة لإعادة السيطرة اليونانية على البطريركية الأنطاكية) وهذا ما حصل. منعاً لتفاقم الأمور، آثر الميتروبوليت أرسانيوس أن يكمل عمله كمطران على اللاذقية وانسحب من السدة البطريركية على أن يصبح هو البطريرك في حال وفاة أو اعتزال البطريرك ألكسندروس (عكس الاتفاق السابق)

وفاته

حزن المطران أرسانيوس كثيراً للمؤامرات التي أحيكت ضده فما لبث أن أصيب بداء السكري، وأصابته دملة كبيرة في رقبته فآثر الأطباء أنه يجب أن تشق فذهب إلى مشفى مار جرجس (مشفى الروم) في بيروت وبسبب السكري تسممت الدملة حيث عاجلته المنية هناك في حزيران 1932. ووافاه البطريرك ألكسندروس والمطرانان ثيوذوسيوس ونيفن فصرخ المطران إغناطيوس حريكة: “مات البطريرك أرسانيوس، عاش البطريرك ألكسندروس!” فبكى الجميع عليه ووعد البطريرك بأنه سيجعل اسم أرسانيوس نظامياً ضمن لائحة البطاركة، لكنه لم يحقق كلامه بل ذهب أدراج الرياح.

نقل الراحل الكبير إلى اللاذقية وتمت جنازته في كنيسة مار سابا ثم ووري الثرى في مقبرة الكنيسة ولكن بعد هدم الكنيسة وطمر المقبرة لبناء مدرسة الكلية الوطنية الأرثوذكسية نقل جثمانه إلى مدفن رؤساء الكهنة في المقبرة بالفاروس.

ولم يسجل اسم البطريرك أرسانيوس في اللائحة النظامية لبطاركة الكنيسة الأنطاكية إلى يومنا هذا ولكن يبقى في قلوب الأنطاكيين راعياً وأباً وبطريركاً منتخباً على أنطاكية هكذا شاء الروح القدس حامي الكنيسة الأرثوذكسية

المراجع

1. د. أسد رستم، تاريخ كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج 3 ، منشورات النور

2. عماد ربيز، أرسانيوس حداد: مطران اللاذقية وبطريرك منتخب على أنطاكيا، دراسة في معهد البلمند، غير منشورة.

3. د. علي خليل، اللاذقية في مطلع القرن العشرين، ط1، 2007

4. غيد الياس بيطار، اللاذقية عبر الزمن، الجزء الأول: التاريخ، ط 1 ، 2001

5. جورج منصور (حالياً سيادة المطران باسيليوس)، الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة، أطروحة لنيل إجازة في اللاهوت، غير منشورة

6. الأب نايف اسطفان، الأزمة البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية 1930-1933، 2006

7. الأب نايف اسطفان، أزمة أبرشية نيويورك وما يليها للروم الأرثوذكس 1924، 2006

Leave a comment