تكنولوجيا أو لاهوت

تكنولوجيا أو لاهوت

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في حديث مع أحد رهبان الجبل المقدس قبل فترة، ناقشنا، من بين جملة مواضيع، أزمة اللاهوت التي نلاحظها في بلادنا، من جهة التأثّر باللاهوت الغربي السكولاستيكي. من دون أن ينكر هذه الحقيقة، قدّم الراهب تصحيحاً طفيفاً على تعبيري، قائلاً أنه لا ينبغي أن نتحدّث عن “أزمة في اللاهوت” بل بالأحرى عن “أزمة في اللاهوتيين”. من الطبيعي أني لم أكن أنوي مخالفته الرأي إذ هذا بالحقيقة ما كنت أعنيه.

إنها لحقيقة أننا عندما نتحدّث عن اللاهوت الأرثوذكسي، نعني إيمان الكنيسة في تعبيره الأصيل، كما قدّمه الرسل والآباء، على أساس الإعلان الشخصي الذي اختبره كل منهم. هذا اللاهوت لا يمرّ بأي أزمة مهما حدث. لكن، عندما يوجد بعض “اللاهوتيين” الذين يتأمّلون في أمور الإيمان ويتبننون لاهوت اللاهوتيين المُضَلَّلين بتأملات الفلاسفة والمتفلسفين، عندها توجد مشكلة بالتأكيد، ويصير وجود الأزمة جلياً. من هنا أن الأزمة أزمة اللاهوتيين.
لقد لاحظت، وخاصةً بين بعض الأساتذة الأكاديميين، أنه يسود انطباع بأن اللاهوت يقوم ببيانات المؤلَّفات والحواشي والمراجع. هذه المقاربة تستجيب بالطبع إلى متطلبات علمية أكاديمية، لكنها لا تعني أبداً أنها لاهوت. يجب أن نشير إلى الفرق، فاللاهوت أمر والتحليل العلمي للاهوت الذي يقوم به اللاهوتيون هو أمر آخر بالكليّة.
هذا يمكن أن نلاحظه في العلوم الأخرى. مثلاً، يقدم فنان أو نحّات أو شاعر ما عملاً مبدعاً جديراً وأصيلاً فيفتح آفاقاً جديدة ويرسم سبيلاً مستجداً ويطرح نظرة قد تحدد عهداً نوعياً. لاحقاً يأتي باحثون مختلفون ويحاولون أن يحققوا في ذلك العمل الفني ويدرسوا ذلك الفنان محاولين أن يروا خلفية ذلك العمل ونقطة بدايته، كما سوف يحاولون أن يحللوا الوقائع والأساليب التي سيطرت في تلك الفترة. طبيعي أنّه لا بدّ من العمل البحثي؛ لكن لا يمكن مقارنته بالعمل نفسه، الأصيل والمبدع. على سبيل المثال، سيرة القديس ثيوفانس الكريتي أو بانسيلينوس هي شيء، بينما التحليل العلمي الذي يركّز على عمليهما هو شيء آخر؛ وبشكل مشابه، شعر إيليتيس بحد ذاته شيء، والتعليق التحليلي على عمل إيليتيس شيء آخر. فإيليتيس هو مَن ربح جائزة نوبل وليس الذي حلّل عمله. هناك فرق شاسع بين الإثنين.
لقد أعطت الكنيسة لقب “اللاهوتي” لثلاث شخصيات فقط: القديس يوحنا اللاهوتي، القديس غريغوريوس اللاهوتي والقديس سمعان اللاهوتي. أُضيف لاحقاً واحد إليهم: القديس غريغوريوس بالاماس. في أعمال الأربعة، كما في أعمال آباء قديسين آخرين (القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس النيصّي، القديس مكسيموس المعترف مثلاً)، يوجد وفرة من اللاهوت الغني الحيّ والجوهري، من دون أي إشارات أو حواشٍ.
خلال دراستي، اشتركت لفترة في فريق علمي مهتم في تحضير نسخة نقدية لكتابات القديس غريغوريوس بالاماس. وظيفتي كانت أن أتتبع نصوص القديس غريغوريوس اللاهوتي التي استعملها القديس غريغوريوس بالاماس، بهدف إدخالها في النسخة النقدية. من غير الممكن أن أتبنّى النظرة القائلة بأن القديس غريغوريوس بالاماس دوّن بعض المعلمين الأكاديميين المهمّين، الذين تعلّموا العمل على نحو كامل مع المراجع والتوثيق المنطقي والتحليل السكولاستيكي، لأنه لم يُشِر إلى أي من علماء عصره (أو حتى إلى الكثيرين من آباء الكنيسة)، وحتّى عندما أشار إلى أحدهم لم يحدد العمل الذي استعمله كمرجع.
في أيامنا هذه، نحن بحاجة إلى لاهوت يقدّم أجوبة، عن طريق الخبرة الملهِمة، للكثير من الأسئلة الوجودية التي تشغل الإنسان المعاصر، كمثل الألم، الموت، الشعور بالإثم، معنى الحياة، كما للمشاكل الاجتماعية الهائلة التي تتزايد. نحن بحاجة إلى لاهوت من “الحنان”، من القرب؛ لاهوت ينزل مثل المطر اللطيف على نفوس الجنس البشري ويسكب بلسمه الشافي وتعزيته، كما تفعل كتابات القديس سلوان الأثوسي. نحن بحاجة إلى لاهوت “شاعري”، من غير أن يكون رومنطيقياً وعاطفياً؛ لاهوت “حَدَسي” من غير أن يكون درساً واستقصاءً؛ لاهوت أصيل ولا يحتاج لأي حواشٍ للتعبير عنه أو ليعبّر عن ذاته، كما قال أحد المفكّرين المعاصرين.
وبالطبع، أيّّ لاهوت يقوم حصرياً وفقط على الملاحظات والمراجع والبيانات يجب رفضه، لأنه يضلل الشعب ولا يخدم سوى مصلحة الذين يعبّرون عنه. إن لاهوتاً أكاديمياً من هذا النوع ينبغي شجبه عندما يتخطّى حدوده إلى خارج مجاله والهدف الذي يخدمه؛ عندما يتمّ إسقاطه على أنّه نموذج للاهوت عن طريق تهميش اللاهوت الأصيل الحقيقي، لاهوت المستنيرين.
قال القديس باسيليوس الكبير في إيراده أمثلة عن اللاهوتيين “المتفلسفين” في أيامه (وهم مشابهون للاهوتيين الأكاديميين في أيامنا): “إنّهم لا يتعاطون اللاهوت بل التقنيات”. من العار أن يُربَط اللاهوت الأصيل بالمنهجية السكولاستيكية؛ بتعبير آخر، أن يُربط اللاهوت بالتقنيات. الناس لا يحتاج الناس اليوم إلى طرق لدراسة الحياة، بل هم بحاجة للحياة الحقيقية.

Leave a comment